الحق الإلهي عند الإخوان: كيف يتحول الادعاء الديني إلى أداة عنف

الحق الإلهي عند الإخوان: كيف يتحول الادعاء الديني إلى أداة عنف

الحق الإلهي عند الإخوان: كيف يتحول الادعاء الديني إلى أداة عنف


26/02/2026

 

يشخص الفيلسوف اللبناني "علي حرب" أزمة العنف الديني بأنّها "حصيلة احتكار الحقيقة، بما هو وجه آخر لاحتقار الناس، من أيّ جهة أتى، أكان صاحبه من أتباع الديانات أو من أصحاب الإيديولوجيات أو الفلسفات". والاستقراء الاجتماعي والتاريخي يساند رؤية علي حرب بشكل كبير، حيث احتكار الحقيقة يُفضي عادة إلى محاولة قيادة الغير، ووجود النظام الفئوي، ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن يكون الجميع متساوين، ولكن ثمة فئة تمتلك حق القيادة المبني على امتلاكها للحقيقة. 

ومنطق امتلاك الحقيقة يُمثل الركيزة الأساسية للجماعات الجهادية، وجماعات الإسلام السياسي؛ فمشروعها يُقدّم على أنّه وثيقة الخلاص الإلهية والحق الإلهي في الحكم، من ثم تُعدّ هي مالكة الحقيقة وحق قيادة الجميع. ولا يترك منطق امتلاك الحقيقة مساحة بطبيعة الحال لوجود آخر مساوٍ وموازٍ للذات؛ إذ أنّ الذات بهذا المعنى تكون متفوقة على الجميع بما تملكه من حقيقة، ولها القوامة عليهم، وعلى الجميع الاعتراف بتفوقها وتبعيتهم لها. 

السيادة والإقصاء

ينجم عن الاعتقاد بامتلاك الحقيقة واحتكارها وجود نمط ثقافي أحادي الرؤية، فامتلاك الحقيقة يتضمن غياب أيّ رؤية مختلفة، لأنّها تُمثل الباطل في ذلك الحين، ومن ثم لا تكون رؤية مُختلفة، ولكنّها تكون باطلًا مرفوضًا، وعليه تكون السيادة لصوت واحد هو من يملك الحقيقة، وغير مسموح بغيره. 

والأنماط الثقافية التي تتسم بأحادية الرؤية وامتلاك الحقيقة يُمثل الخضوع جزءًا أصيلًا في تكوينها، كون السمة المميزة للجنس البشري الاختلاف والتنوع الناجمين عن اختلاف معاني الحياة التي تصوغها الاحتياجات الإنسانية، واختفاء هذا الاختلاف والتنوع وغياب النزعة الإبداعية المميزة للجنس البشري بوجود نمط موحد ومحدد للتفكير، لا بدّ أن ينجم عن خضوع لسلطة وآليات تكون هي الموكلة برسم وتكوين هذا النمط، وإنتاج هذه الثقافة.

ووفق أنماط المجتمعات المطروحة من قبل الفكر الجهادي، والإسلام السياسي، فإنّ الخضوع والطاعة هما العاملان الرئيسيان في بناء تنظيماتهم، وفي ممارستهم العملية يظهر هذا بوضوح، خاصة في النظام الهرمي لجماعة الإخوان الإرهابية. وكان موجودًا فيما سمّوه الدولة الإسلامية في العراق والشام، واختصروها في "داعش"، فبعد انهيار الخلافة المكانية وخروج الكثيرين من صفوف تنظيم داعش الإرهابي، وروايتهم ما حدث في مُعسكرات داعش، اتضح أنّ الخضوع والطاعة هما قوام هذا النسق الإرهابي. 

ولا يقف الخضوع داخل إطار الجماعة، وإلّا كان لها ما تُريد هي ومن يرغب في الانضمام إليها، ولكنّها تخرج عن هذا الإطار وتُطالب المجتمعات بالخضوع لها، ولأوامرها ومناهجها، وتلجأ إلى العمليات العسكرية وغزو البلدان التي لها سيادة ونظام خاص، لهذا تنتقل من مجموعات لها سياق ودعوة ما، إلى جماعات إرهابية تروع المواطنين وتنصّب نفسها في السيادة عليهم وقيادتهم. 

ورفيق السيادة عادة هو الإقصاء، لأنّ السيادة تتضمن إقصاء غير المنتمين إلى الجماعة، وهذا ما يظهر في عقيدة الولاء والبراء بوضوح شديد. ومن أهم وأوضح الملامح التي تميز الفكر الجهادي، حتى في صياغته داخل تيارات الإسلام السياسي، هما السيادة والإقصاء، لذلك تكون سلطة الاستبداد محايثة للعلاقات الاجتماعية داخل هذه الجماعات، التي تعجز بطبيعة الحال عن إفراز أنماط من الحكم تؤمن بوجود وجهة نظر مغايرة وتسمح بحرية الرأي.

وقد اتضح هذا في تجربة الإخوان في مصر وتونس والمغرب، عندما تولت السلطة كانت ممارساتها لا تفهم منطق الدولة التي تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، وظهرت ممارساتها العشائرية التي جعلتها تصنع جهازًا إداريًا تابعًا لها، وموازيًا لجهاز الدولة الإداري، وهو صورة واضحة للإقصاء وعدم الإيمان بالمساواة مع المجتمع وفئاته. 

والاستبداد لا تمارسه السلطة السياسة فقط، بل هو مكون أساسي داخل هذه الذهنية، وعلى حدّ قول المفكر والشاعر السوري أدونيس: " كل فرد في الأمة العربية يرى في نفسه النبوّة، ويجب على الجميع اتباعه "، وهذا ما يتضح بصورة لا لبس فيها مع جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات الإرهابية التي تسعى لحكم المجتمعات وفق أهوائها، وقيادة الجميع.

التعدّي على الحق الإلهي

جاءت المشيئة الإلهية بخلق الكون مختلفًا وشعوبًا وقبائل، هكذا خلق الله الكون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[ الحجرات: 13]، ومشكلة العقل الجهادي أنّه لا يفهم هذا الاختلاف، ويرى في ذاته النسخة الأكمل التي توصلت إلى الفهم النهائي والصحيح للدين، وعلى الآخرين أن يقبلوا بما يراه وأن يؤمنوا بما يؤمن به، منتزعًا حق الآخر في أن يكون مختلفًا.

وحسب المشيئة الإلهية التي تتجلى في خلقه للكون ونصّه على الاختلاف بين الناس، فإنّ إعطاء الجماعات الجهادية لنفسها حق قيادة البشر، وإعلان أنّهم نواب الله على الأرض، ولهم حق قيادة البشرية جمعاء، قبل أن يكون تعديًا على الحرية البشرية، هو تعدٍّ على المشيئة الإلهية التي شاء الله أن يكون العالم عليها، وهي الاختلاف، وله في ذلك حكمة. 

بيد أنّ الجماعات الجهادية ترى في نفسها حكمة متفوقة على الحكمة الإلهية، ومن ثم تنظم صفوفها وتبني خطابها العسكري والسياسي على قيادة الناس إلى الحقيقة التي تملكها وتعرفها، وتُعلن أنّها الحق الذي يجب أن يتبعه الجميع، متحدية الله عزّ وجلّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [سورة هود: 118]، وتُعلن أنّها تُنفذ غاية الله في الكون وتجمع الناس على كلمة واحدة. 

وتطرح هذا الجماعات نفسها كحرّاس للعقيدة، ومالكيها، ويظهر هذا في احتكار حق الحكم بإيمان تابعيها، وكفر مُخالفيها، وتتزعم حراسة الرحمة الإلهية، وتُدخل من شاء فيها وتُخرج من شاء منها، وتُعطي لنفسها حق إزهاق الأرواح، وتذبح الأفراد وهي تسمّي بالله، في حين أنّها تتعدى على الحق الإلهي في الحكم بالموت، وردّة الأشخاص، ولنا في حادث ذبح تنظيم داعش الإرهابي للمسيحيين المصريين في ليبيا خير مثال على ذلك.  

 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية