الحقول الهيدروكربونية وإرادة الهيمنة التركية: أسباب التصعيد بين اليونان وتركيا

الحقول الهيدروكربونية وإرادة الهيمنة التركية: أسباب التصعيد بين اليونان وتركيا

مشاهدة

09/09/2020

ترجمة: مدني قصري

مواجهة بحرية تسبّبت في حدوث تصادم بين سفينتين حربيتين يونانية وتركية، وتدريبات عسكرية متكررة، في الجوّ وعلى الماء: في البحر الأبيض المتوسط، الوضع متوتر باستمرار بين اليونان وتركيا، وكلتاهما عضوان في حلف شمال الأطلسي، لعبة تحالفات تضاف الآن، لتُخلط بين دول مختلفة (فرنسا، إسرائيل، مصر، ...إلخ).

وراء معركة النفط والغاز، تسعى تركيا إلى إقامة مواجهة سياسية مع اليونان والاتحاد الأوروبي، مع قصد وإصرار واضحين: مراجعة المعاهدات التي ترسم الحدود التركية

قدرت وزيرة القوات المسلحة فلورنس بارلي، يوم الأحد 30 آب (أغسطس)، في برنامج  "Le Grand Rendez-vous" على موجات إذاعة أوروبا 1؛ أنّ التوترات الحالية مرتبطة بـ "سلوك تركيا الموصوف بالتصعيد".

كيف نفسّر هذه التوترات؟

هذه التوترات قديمة وترتبط بتعريف الحدود، التي حدّدتها معاهدتا لوزان (1923) وباريس (1947)، فضلاً عن خطوط توزيع المياه، وقد انطلقت من جديد في منتصف تموز (يوليو) عندما أرادت الحكومة التركية إرسال سفينة رصد الزلازل "Oruç Reis"، لاستكشاف قاع البحر في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​من أجل البحث عن احتياطيات الغاز، وتكررت العملية في آب (أغسطس): لقد تحركت سفينة "Orus Reis"، برفقة أسطول من السفن العسكرية التركية في البحر الأبيض المتوسط، وبدأت البحث الذي تراه اليونان وشركاؤها الأوروبيون غير قانوني.

هناك حق في الملاحة في مياه البحر الأبيض المتوسط، لكن لا يوجد حقّ في الاستيلاء على موارد الطاقة والغاز، خاصة عندما يتم الاعتراف بها وفق المعاهدات الدولية، لكنّ تركيا لم تصدّق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقّعة في مونتيغو باي ((Montego Bay عام 1982.

ماذا يقول القانون؟

تحدّد اتفاقية عام 1982 الفئات المختلفة للمناطق البحرية التي للدول الساحلية حقوق واجبات عليها؛ فهي تحدّد، على وجه الخصوص، البحر الإقليمي حتى 12 ميلاً بحرياً، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ)، والجرف القاري (الامتداد تحت البحري لأيّة دولة حتى 200 ميل بحري)، بعد ذلك، تخضع المياه وقاع البحر لنظام أعالي البحار.

لتأمين مواقعها؛ أعلنت الحكومة اليونانية عن توسيع مياهها الإقليمية إلى الغرب إلى 12  ميلاً بحرياً، بالتالي؛ فهي تسعى إلى إظهار عضلاتها ضدّ تركيا

ويوضح باتريك شوميت، الأستاذ الفخري في القانون بجامعة نانت؛ أنّ "المياه الإقليمية تقع تحت سيادة الدولة الساحلية؛ فهذه الدولة لا تمارس سوى سلطات محدودة فقط على المنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري".

يسمح تعريف المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة الساحلية بالتمتع بحقوق الصيد والتعدين والحفر، في المقابل؛ لا يمكن للدولة الساحلية سوى استغلال واستكشاف الموارد الطبيعية لقاع البحر وباطن أرض الجرف القاري، ولكن ليس المياه الفوقية.

إضافة إلى ذلك، كما يؤكد أريس مارغيليس، دكتوراه في القانون العام وباحث في جامعة بيلوبونيز: "يفرض القانون على دولتين متجاورتين التفاوض حول حدودهما البحرية"، اليونان وتركيا لم تتمكنا من الوصول إلى اتفاق؛ لذلك، احتفظتا بـ 6 أميال بحرية من المياه الإقليمية في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​ولم تحدّدا المنطقة الاقتصادية الخالصة مطلقاً، ونتيجة لذلك، فإنّ المياه "متنازع عليها"، ويضيف أريس مارغيليس؛ "لعدة أعوام، أظهر البلدان ضبطاً متبادلاً للنفس".

لماذا تطفو التوترات الآن؟

أثار اكتشاف رواسب الهيدروكربونات الشهية التركية، وكي تتمكن من استغلال هذه الموارد الطبيعية، وقّعت قبرص، التي احتل الجيش التركي الجزء الشمالي منها منذ عام 1974، اتفاقيات المنطقة الاقتصادية الخالصة مع لبنان وإسرائيل، واليونان مع إيطاليا ومصر، ويحلّل آلان بيليه، الأستاذ الفخري بجامعة "باريس نانتير"، والرئيس السابق للجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة، الأوضاع قائلاً: "من خلال إبرام هذه المعاهدات، تحاول اليونان إنشاء جبهة ضدّ الأهداف التوسعية التركية؛ فهي تؤمّن لنفسها حلفاء في حالة التصعيد، وتضع عقبات أمام تركيا في حال حاول هذا البلد استكشاف موارد في مجال الهيدروكربونات".

تركيا من جهتها وقّعت اتفاقاً مع ليبيا، وأقام الاتفاق ممراً بحرياً بين البلدين "يمحو" من الخريطة جميع الجزر اليونانية الموجودة على هذا الممرّ، وقد تمّ اعتباره غير قانوني لأسباب عديدة، لكن لم يتم نشره من قبل الأمم المتحدة، ويبقى أنّ هذه الاتفاقية تمثل عنصراً إضافياً في الإستراتيجية التي تنتهجها تركيا.

اقرأ أيضاً: اليونان وصفقة الرافال.. شوكة جديدة في ظهر تركيا

 ويوضح باتريك شوميت: "يشير سلوك تركيا إلى أنّها تريد الاستيلاء على قاع البحر الذي ينتمي إلى المنطقة الاقتصادية اليونانية الخالصة"؛ لذلك، ولتأمين مواقعها؛ أعلنت الحكومة اليونانية، على سبيل المثال، عن توسيع مياهها الإقليمية إلى الغرب إلى 12  ميلاً بحرياً، بالتالي؛ فهي تسعى إلى إظهار عضلاتها ضدّ تركيا، لكن أيضاً لإرضاء جزء من ناخبيها الوطنيين، وردّت تركيا بالتحذير من أنّه إذا فعلت أثينا الشيء نفسه شرقاً، فسيكون ذلك "دافعاً لإعلان الحرب".

ما هو ميزان القوى؟

في الواقع، وراء معركة النفط والغاز، تسعى تركيا إلى إقامة مواجهة سياسية مع اليونان والاتحاد الأوروبي والعديد من اللاعبين الدوليين، مع قصد وإصرار واضحين: مراجعة المعاهدات التي ترسم الحدود التركية.

حاول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا، التي تترأس الـ 27 خلال الموسم، وضع أثينا وأنقرة حول الطاولة، لكن من دون جدوى، وفق مصادر مختلفة، كانت تركيا ستنتهز الفرصة لتحديث مطالبتها بتوسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه، الأمر الذي من شأنه أن يرقى إلى إحاطة بعض الجزر اليونانية، مثل ليسبوس أو خيوس، بمياهٍ تحت السيادة التركية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يحاول ترميم شعبيته عبرالتحرش العسكري باليونان

في الوقت نفسه؛ أثار وصول الجنود اليونانيين إلى جزيرة كاستيلوريزو، الأقرب إلى الساحل التركي، غضب الأتراك، وقد حذّر أريس مارغيليس من أنّ "أردوغان يتحرك بمنطقٍ عثماني جديد"، علاوة على ذلك؛ في مداخلة له، أعلن الرئيس التركي: "عندما يتعلق الأمر بالقتال، لا نتردد في تقديم شهداء"، والسؤال هو: هل أولئك الذين يقفون ضدّنا في البحر المتوسط ​​و(في الشرق الأوسط) مستعدون للتضحيات نفسها؟ ثم تابع: "نقول لأعدائنا: "نتحداكم!"؛ فهو يعبّر على هذا النحو بصوت عالٍ عن نواياه في الهيمنة، حتى إن كان ذلك يعني اللجوء إلى السلاح، هكذا أصبحت المواجهة أكثر خطورة يوماً بعد يوم.

مصدر الترجمة عن الفرنسة:

www.marianne.net

الصفحة الرئيسية