الحرس الثوري الإيراني ووكلاء النفوذ

الحرس الثوري الإيراني ووكلاء النفوذ

الحرس الثوري الإيراني ووكلاء النفوذ


24/05/2026

بدرية الريامي- شمسة القبيسي

يُعدّ الصراع الراهن المرتبط بإيران انعكاسًا لتصاعد التوترات حول برنامجها النووي، وتنامي حضورها العسكري في الإقليم، فضلًا عن حالة المواجهة المستمرة مع كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل.[1] وقد اندلعت الحرب، في أواخر فبراير من العام الحالي، في سياق جهود ممنهجة استهدفت تقويض قدرات الردع الإيرانية والحد من امتداد نفوذها الإقليمي، وذلك عبر استهداف مراكز قيادة الحرس الثوري الإيراني، ومنظومات الدفاع الجوي، والبنية التحتية الخاصة بإطلاق الصواريخ في مواقع عسكرية استراتيجية، من بينها نطنز وفوردو.[2]

وردّت إيران عبر مزيج من التصعيد المباشر وغير المباشر، حيث اشتبكت مع الجهات المتحالفة على جبهات متعدّدة، مستهدفةً بشكل خاصّ مسارات الطاقة والممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك مضيق هرمز وممرات الشحن في البحر الأحمر. وما بدأ كصراع عسكري محدود سرعان ما تطوّر إلى أزمة إقليمية أوسع، مع تبادل الضربات عبر الحدود على طول الجبهة الإسرائيلية-اللبنانية، ونشاط الميليشيات التي استهدفت المواقع الأمريكية في كلٍّ من العراق وسوريا، واستمرار عمليات الحوثيين ضدّ حركة الملاحة البحرية.[3]

ويمكن فهم الدور الإقليمي لإيران على نحو أفضل من خلال استخدامها القوة غير المباشرة القائمة على الشبكات، والمتمركزة حول الدور العملياتي للحرس الثوري الإيراني وذراعه الخارجية فيلق القدس، بدلًا من الانخراط في صراع مباشر.[4] فقد أنشأت طهران نموذجًا قائمًا على التصعيد المحسوب باستخدام حلفاء مثل حزب الله، والحوثيين، وفصائل ضمن قوات الحشد الشعبي. ويقوم هذا النهج بتوزيع الضغط على مجالات عدة، والحفاظ على قدر من الغموض الاستراتيجي بدلًا من الانخراط في صراع تقليدي طويل الأمد.[5] ومن خلال هذه الاستراتيجية، تستطيع إيران الحدّ من تعرّضها لحرب شاملة، مع فرض تكاليف على خصومها، والتأثير في الديناميكيات الإقليمية، وتوسيع نفوذها. وبفضل بنية قوّتها المؤسّسية والعملياتية والأيديولوجية المتعدّدة المستويات، فإن طهران قادرة على العمل ضمن النطاقات الحكومية وغير الحكومية معًا.

وتعتمد الدراسة على تحليل التحولات البنيوية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ودراسة تفاعلات البيئة الإقليمية بين 2024-2026؛ بهدف قراءة التحولات المستقبلية للنفوذ الإيراني وشبكات الوكلاء في المنطقة. وتنطلق الدراسة من سؤال مفاده: كيف أعاد الحرس الثوري الإيراني تشكيل النفوذ الإقليمي لإيران عبر شبكات الوكلاء؟ وما السيناريوهات المحتملة لمستقبله في ظل تحوّلات الصراع الإقليمي بين 2024-2026؟

وتتناول هذه الدراسة كيفية بناء هذا النموذج واستمراريته، وتبدأ باستكشاف الأسس الفكرية والأيديولوجية التي شكّلت الرؤية الاستراتيجية لإيران، ثم تتبُّع تطوّر الحرس الثوري الإيراني من قوّة أمنية داخلية إلى فاعل إقليمي. كما تتناول الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري عبر مقرّ خاتم الأنبياء، وتحلّل منطق الحرب بالوكالة ضمن الاستراتيجية الإيرانية، وإدارة الشركاء الرئيسيّين في جميع أنحاء المنطقة، وأخيرًا تُقيّم الدراسة كيف يمكن لهذا النموذج أن يتكيّف في أعقاب الحرب الحالية.

أولًا: البعدان الفكري والأيديولوجي:

فيما يتعلق بفهم الدور الإقليمي لإيران يجب علينا فهم طريقة تحرّك الحرس الثوري الإيراني ووكلائه. ولا يمكننا فصل الدور الإقليمي لإيران عن البنية الفكرية التي تُشكّل هذا الدور. فالسلوك الإيراني لا يرتكز فقط على القوة والمصلحة، ولكنّه يبني نفسه على سردية أيديولوجية تجمَع بين البعد الثوري والمرجعية الدينية. وهذه السردية الأيديولوجية تُعيد صياغة مفاهيم الصراع والسلطة والشرعية داخل إطار عقائدي وسياسي متشابك.

وتعود علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع الإيرانيين، التي يُعتقَد أنها بدأت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، إلى الجذور الفكرية للإخوان المتمثّلة في مقولة حسن البنا، مؤسّس الجماعة، في رسالة المؤتمر الخامس: “من فروع النظرة الشمولية للإسلام اعتبار المسلمين كلّهم، على ما بينهم من اختلافات، كيانًا واحدًا فرّقته أحداث الزمان، وفُرِض على المسلمين بعث الكيان الدولي للإسلام”،  إضافةً إلى لقائه مع الشيخ محمد تقي القمي، عندما زار مصر في إطار ما سُمّي “تقريب المذاهب الإسلامية”، ثم لقائه مع آية الله الكاشاني، خلال موسم الحج عام 1948.[6] واستمرت هذه العلاقة بلقاءات “نواب صفوي”، مؤسّس حركة “فدائيان إسلام”، مع سيد قطب عام 1953.[7]

لقد وصلت العلاقة الأيديولوجية بين إيران والإخوان إلى مستوى عملي، ومشروع ثوري، بعد لقاء “نواب صفوي” مع سيد قطب للمرة الثانية في مصر عام 1954، وذلك عندما دعا سيد قطب، بصفته الأمين العام للمؤتمر الإسلامي لتحرير القدس المنعقد في الأردن، “نواب صفوي” للمشاركة في المؤتمر، والسفر إلى مصر والاجتماع بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما فعله. وبلَغ تأثُّر الإسلامويين الإيرانيين بالإخوان حدًّا، حتى أن نواب صفوي قال في هذا الصدد: “من أراد أن يكون جعفريًّا حقيقيًّا فلينضمّ إلى صفوف الإخوان المسلمين”.[8]

لقد كانت أيديولوجيةُ الإخوان ملهِمةً للإيرانيين، فقد اتخذوا من سيد قطب قدوةً لهم في جميع مراحل نشاطهم. ولا يخفى تأثّر آية الله خامنئي، المرشد الثاني للثورة الإيرانية (1939-2026)، بسيد قطب، حيث تُرجِمت كتبه (“المستقبل لهذا الدين”، و”معالم في الطريق”، وأجزاء من “في ظلال القرآن”) إلى اللغة الفارسية، وصرّح خامنئي (آنذاك): “إن شرارة الثورة الإسلامية أشعلها في نفسي نواب صفوي”، زعيم جماعة الإخوان المسلمين الشيعية.[9]

ممّا سبق، يتبيّن أن علاقة إيران مع جماعة الإخوان المسلمين تشكّلت عبر رحلة طويلة من التأثيرات الأيديولوجية المشتركة، التي تجاوزت الاختلاف المذهبي لصالح رؤية مشتركة، والسعي لإعادة تشكيل المجالَين السياسي والاجتماعي وفق مشروع عقائدي عابر للحدود. وقد ساعد في تشكيل أنماط التعاون والتأثير غير المباشر التي أسهمت لاحقًا في خلق نوع التحالفات والشبكات التي تسعى إيران لتوسّعها وانتشارها إقليميًّا.  ومن هنا، لا يمكن اختزال دور إيران بالمنطقة في اعتبارات جيوسياسية أو عسكرية فقط، بل يتطلب قراءة أعمق للبنية الفكرية التي تدعمه، وكيف لعبت الأيديولوجية الثورية دورًا في ممارسة التأثير عند إنتاج روايات الشرعية والمقاومة، وكذلك تنسيق تطوير شبكة من الوكلاء والتحالفات في الشرق الأوسط.

ثانيًا: نشأة الحرس الثوري الإيراني:

بعد الثورة الإيرانية عام 1979، نشأت حالة من الازدواجية العسكرية داخل إيران؛ نتيجة احتفاظ النظام الثوري بالجيش النظامي (الأرتش) بالتزامن مع تأسيس الحرس الثوري الإيراني كقوة عقائدية موازية لحماية الثورة، ومنع أي تهديد داخلي للنظام. وقد دعم الدستور الإيراني هذا التداخل عبر توزيع غير متكافئ للمهام بين المؤسّستَين، حيث كُلِّف الجيش بالدفاع عن الدولة ووحدة أراضيها، بينما أُوكِل إلى الحرس الثوري دور حماية الثورة وإنجازاتها. ومع الحرب العراقية-الإيرانية، تصاعَد التنافس بين الطرفين بفعل الاختلاف العقائدي، والتنافس على الموارد والنفوذ، وعدم توازن العلاقة مع القيادة السياسية، بسبب تزايد حضور قادة الحرس الثوري في الحكومة والبرلمان، مقابل غياب شبه كامل لضباط الجيش النظامي عن المناصب السياسية العليا؛ ما أدى إلى ترسيخ بنية عسكرية مزدوجة أصبح فيها الحرس الثوري يتمتع بنفوذ سياسي وأمني أوسع من الجيش النظامي.[10]

وخلال الحرب العراقية-الإيرانية، تَحوَّل الحرس الثوري إلى مؤسّسة عسكرية موازية، فقد خُصّصت ميزانية لأكثر من 100 ألف جندي بحلول سبتمبر 1982، وتشير التقديرات إلى أن العدد تجاوز 190 ألف جندي بحلول عام 2026. وقد منحت الحربُ الحرسَ الثوري شرعية ميدانية، وسردية استشهادية، وجيلًا من الجنود الذين انتقلوا لاحقًا إلى مجالات السياسة والاستخبارات والاقتصاد في إيران. وقد شكّلت هذه الفترة بداية المهمّة الخارجية للحرس الثوري. ففي عام 1990، تم تأسيس فيلق القدس، بعد إرسال عناصر الحرس الثوري إلى لبنان كوحدة رسمية مسؤولة عن العمليات الخارجية.[11]وفي عام 1998، عَيّن المرشدُ الإيراني السابق، علي خامنئي، قاسمَ سليماني قائدًا للفيلق؛ ما عزّز مكانته، ورسّخ طابعه البيروقراطي في إيران. ومع ذلك، ظل الدور الرئيسي للحرس الثوري داخل البلاد هو حماية النظام. ويتجلّى هذا في أحداثٍ مثل الاحتجاجات الطلابية في يوليو 1999، عندما حذّر أربعة وعشرون قائدًا من قادة الحرس الثوري الرئيسَ محمد خاتمي، وكذلك في وضع قوات الباسيج تحت قيادة الحرس الثوري عام 2007، وتكرار مشاركة الحرس في عمليات القمع في 2009 و2022 ويناير 2026.[12]

وبالنظر إلى حرب عام 2026، أصبح هذا التحول واضحًا جدًّا. فقد اضطلع الحرس الثوري بدور حاسم في صنع القرار العسكري بعد استهداف شخصيات بارزة فيه وقتلهم، من بينهم القائد حسين سلامي في عام 2025. وأظهرت التقارير أن قيادة الحرس الثوري تولّت إدارة الاستجابات العسكرية والاستراتيجية المهمّة في أوائل عام 2026، بما في ذلك قيام القوة الجوفضائية التابعة له بإدارة عمليات الطائرات المُسيّرة والصواريخ، وإعادة تزويد أنظمة الإطلاق خلال فترات الحرب المكثفة. وتعكس هذه المركزية العملياتية كيف يعمل الحرس الثوري كمنسّق رئيسي للوضع الاستراتيجي لإيران في أوقات الأزمات، إلى جانب كونه مؤسّسة عسكرية.[13]

ثالثًا: الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري:

يُعدّ مقرّ “خاتم الأنبياء” الذراع الاقتصادية والهندسية للحرس الثوري، التي تسيطر على قطاعَي النفط والبنية التحتية في إيران، وتحتكر العقود الاستراتيجية للقطاعَين؛ الأمر الذي أدى إلى انتقال قطاعات استراتيجية حيوية إلى سيطرة مؤسّسة عسكرية أمنية، وتمكّنت من الاستحواذ على الحصّة الأكبر من المشاريع الاقتصادية والتنموية؛ ما جعلها فاعلًا مسيطرًا يصعب على القطاع الخاص منافسته داخل الاقتصاد الإيراني.[14]وهذا الأمر يدلّ على أن الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية فقط، بل هو فاعل اقتصادي يسيطر على أهم القطاعات في إيران، ويوفر لنفسه التمويل الذاتي بعيدًا عن ميزانية الدولة الرسمية؛ ما يعزّز استقلاليته.

رابعًا: مفهوم الوكلاء في الاستراتيجية الإيرانية

بالنسبة لإيران، تُعدّ الحرب بالوكالة شكلًا غير متماثل ومنخفض التكلفة من أشكال سياسة الدولة، وعادةً ما تستخدمه بدلًا من المواجهة المباشرة.[15]ويُعرَّف هذا النهج بشكل أدقّ بأنه قيام دولة خارجية بتقديم الدعم المالي والأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية إلى جهات مسلّحة؛ بهدف التأثير في مسار أي صراع ونتيجته. ويُمثّل هذا تفضيلًا استراتيجيًّا لدى إيران، وليس تكتيكًا جانبيًّا. وقد ركّزت طهران استراتيجيتها بعد الحرب العراقية-الإيرانية على الصواريخ والحرب بالوكالة، كما يتّضح من الاستثمار الكبير في تأسيس “فيلق القدس” خلال تسعينيات القرن العشرين، وتوسيع الدعم إلى الجهات المسلحة الخارجية.[16]ويكشف ذلك أن صانعي القرار الإيرانيين يفضّلون العمل السرّي، أو العمل الذي يمكن إنكاره، على عمليات الانتشار العلني؛ لأن إيران لا تستطيع مواجهة خصوم أقوى، وتفضّل تجنّب وضوح الحرب المباشرة ومخاطرها.[17]

وثمّة منطق استراتيجي واضح وراء تفضيل هذا النوع من الحروب، يتمثّل في الآتي:

أولًا، تقليل التكاليف العسكرية والسياسية والاقتصادية. فالحرب بالوكالة أقل تكلفة من الحرب التقليدية، وتحدّ من العبء المباشر على القوات الإيرانية، ويمكن أن تقلّل بعض التداعيات الداخلية والدولية المرتبطة بالتدخل المباشر.[18]

 ثانيًا، زيادة النفوذ الإقليمي، إذ يتم التغلغل في الصراعات المحلّية للتمكّن من الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية، والتأثير طويل الأمد على النتائج السياسية والأمنية.[19]وقد اتضح ذلك في العراق بعد عام 2003، حيث بنَت طهران علاقات عميقة مع مجموعات سياسية ومسلحة؛ بهدف التأثير في الديناميكيات الأمنية من دون احتلال مباشر.

ثالثًا، توفير ميزة غير متكافئة لإيران. فمن خلال توسيع نطاق نفوذها، تستطيع ممارسة الضغط على جبهات متعدّدة في وقت واحد؛ ما يجبر خصومها الأقوى على تقسيم مواردهم العسكرية.[20] وهذا يخلق نقاط ضغط متعدّدة تعقّد عملية اتخاذ القرار وترفع التكاليف، من دون أن تضطرّ إيران إلى الدخول في صراع واسع النطاق.

وفي الفترة 2024-2026، ظل هذا النمط مستمرًا بوضوح. فقد كثّفت جهات مدعومة من إيران هجماتها على القوات الأمريكية في كلٍّ من العراق وسوريا، وعلى حركة الشحن في البحر الأحمر خلال عام 2024 مع تصاعد الصراع في غزة.[21] ويُظهر هذا كيف تستطيع طهران زيادة التكاليف بشكل غير مباشر مع الحفاظ على إمكانية الإنكار. مع ذلك، تم إضعاف أجزاء رئيسية من الشبكة الإيرانية الإقليمية بشكل ملحوظ بحلول عام 2025، وتشير التقارير إلى أن الميليشيات العراقية كانت متردّدة في الدخول في الصراع في مارس 2026.[22] ويُظهر هذا أنه رغم بقاء الردع بالوكالة مهمًّا، فإن استمراريته آخذةٌ في التراجع، وأصبح يتأثر أكثر فأكثر بالقضايا المحلية، وتوازن القوى في بيئة الصراع الحالية.

خامسًا: إدارة الحرس الثوري للوكلاء في المنطقة:

الوكلاء الإقليميّون هم الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية، التي تُدار من قِبَل الحرس الثوري، حيث تعتمد على فاعلين محليّين يتحرّكون ضمن هامش من الاستقلال، لكنّها تظل محكومة في استراتيجية تُحدّدها طهران، عبر أدوات تشمل التوجيه الفكري والتمويل والتدريب. وتتّسم هذه العلاقات بالمرونة، وتحكمها المصالح المتبادلة، حيث تعكس في جوانب عديدة قواسم مشتركة تقوم على الاستقلالية وتحقيق المصالح الذاتية. كما أن الطبيعة التطورية للاستثمارات الإيرانية في هذه الجماعات الحليفة عملت لصالح طهران، إذ أتاحت للمؤسّسة الأمنية الإيرانية بناء شراكات ذات قيمة استراتيجية طويلة الأمد.[23]

ويأتي ذلك من خلال غرف عمليات مشتركة لتجميع الفصائل المختلفة وتوجيهها، حيث تلجأ الإدارة الإيرانية أحيانًا إلى تفكيك بعض الجماعات القائمة كوسيلة للحفاظ على نفوذها وسيطرتها. وفي حين ظلّ تقديم التمويل والدعم العسكري والمادي إحدى الركائز الأساسية في حفاظ طهران على علاقتها مع الميليشيات المختلفة، أصبحت إيران تمتلك بشكل متزايد القدرة على نقل وسائل الإنتاج والتطوير التي تتيح لهذه الجماعات تصنيع الأسلحة بصورة مستقلة.[24]

وفي هذا الإطار، برزت نماذج رئيسية عدة عكست هذا التنوّع من النفوذ، وتدرّجت أنماطه من الأكثر ترسّخًا إلى الأكثر حداثة وتعقيدًا، وهي:

  1. “حزب الله” في لبنان: النموذج الأقدم والأكثر تنظيمًا، ويُعدّ من الميليشيات الشيعية الأقوى تسليحًا في الشرق الأوسط، وهو مدعوم ماليًّا وعسكريًّا من إيران.[25]

    تأسّس “حزب الله” اللبناني عام 1982 بدعم من الحرس الثوري، كجزء من مشروع تصدير الثورة، ويُعدّ الحزب أداة طهران للنفوذ الغربي وإسرائيل في الشرق الأوسط، ويشكّل إضعافه تهديدًا لأمن إيران القومي.[26]

  1. “لواء فاطميون”: أحد أبرز الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وقد تأسّس في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية-الإيرانية والحرب الأهلية الأفغانية، قبل أن يُعيد الحرس الثوري الإيراني إحياءه عام 2012 في سياق الحرب السورية. ويتكوّن اللواء من مقاتلين أفغان، معظمهم من قومية الهزارة الشيعية المقيمة في إيران، حيث استغلّت طهران ضعفهم الاجتماعي والاقتصادي في عمليات التجنيد. وبإشراف مباشر من الحرس الثوري، وبالتنسيق مع “حزب الله” اللبناني، شارك اللواء في مختلف جبهات القتال دعمًا لنظام بشار الأسد. وسعت إيران إلى تقديم “الفاطميّين” بوصفهم قوة عقائدية تدافع عن المزارات الشيعية، مع توظيف إعلامي واسع لتكريس صورة قتلاهم بوصفهم شهداء.[27]
  2. “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن: ظهرت كجماعة مسلحة بعد أن خاضت جولات عدة في الحرب مع الحكومة اليمنية، وعُرفت باسم حرب صعدة ما بين عامَي 2004-2010. وتُمثّل الجماعة السلطة الفعلية في العاصمة اليمنية صنعاء، وتسيطر على جميع المرافق والدوائر الحكومية. وتُّتهَم الجماعة بتلقّي الدعم السياسي والتقني والعسكري من إيران.[28] ومع بداية الحرب الحالية برزت الجماعة كقوة مؤثرة وفاعلة في الصراع الإقليمي من ناحية جغرافية وليست عسكرية، حيث قامت بالسيطرة على الساحل الغربي؛ الأمر الذي جعلها مهيمنة على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية.[29]
  3. “لواء زينبيّون”: تأسّس عام 2013 بدعم وإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني، في إطار الدعم العسكري الذي قدّمته طهران للنظام السوري خلال الحرب السورية. ويتكون اللواء بشكل أساسي من شيعة باكستانيين، خصوصًا من قبائل توري وبانغش في منطقة كورام القريبة من الحدود الأفغانية. وقد رُوّج لتشكيله تحت شعار “حماية مقام السيدة زينب” في دمشق، إلا أنه شارك فعليًّا في القتال إلى جانب قوات نظام بشار الأسد، وكان اللواء في بدايته جزءًا من “لواء فاطميون” قبل أن يفصله الحرس الثوري ليصبح كيانًا مستقلًّا بقيادة وإشراف عسكري إيراني مباشر.[30]
  4. “الحشد الشعبي” في العراق: تم تشكيله في عام 2014؛ استجابة لفتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، لمحاربة تنظيم داعش، ويتكون من عدة فصائل شيعية.[31] وبرز دور “الحشد الشعبي” في الحرب الحالية أولًا بتوظيفه داخل مناطق مختلفة قي إيران لقمع الاحتجاجات والمتظاهرين وضبط أمنها،[32]وثانيًا لتنفيذ هجمات ضدّ مواقع حيوية لدول الجوار ومنها الكويت والسعودية، وتهديده للأردن، بالإضافة إلى انتهاك سيادة سوريا.[33]

الخاتمة:

في ظل الأوضاع الراهنة، يظل الحديث عن مستقبل الحرس الثوري مرهونًا بمحدّدات داخلية وإقليمية ودولية، يُؤطر تفاعلهم طبيعة حضوره المستقبلي وحدوده.

فداخليًّا؛ وعلى الرغم من أن فرص حدوث فراغ في السلطة قائمة عمليًّا، حيث صُمّم الدستور الإيراني نظريًّا لتفادي حدوث فراغ في السلطة، فضلًا عن بنية النظام التي تعتمد على سلطة جماعية مُمثّلة في المؤسّسات الأمنيّة الفاعلة في المشهد السياسي كأجهزة الاستخبارات، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس الدفاع، فإن اتساع دائرة الاستهداف المباشرة للصفوف القيادية الأولى، ستطرح تحدّيًا، على المديَيْن المتوسط والطويل، حول مُستوى نشاطه، وفُرص حدوث خلل قيادي من عدمه، وتأثير هذه التغييرات على أداء وفاعلية الحرس وتماسكه، إضافة إلى تحدٍّ آخر يتعلق بطبيعة حضورَيه الإقليمي والدولي؛ فمع ما قد يُواجهه من تحديات وتحجيم محتمل مع أي ترتيبات سياسية تدفع لانتهاء الحرب، التي سيكون لها تأثيرات على استمراريته بالفاعلية ذاتها. فلم يعُد يقتصر على كونه مجرد مؤسّسة عسكرية داخلية، بل تحوّل إلى فاعل إقليمي بارز يعتمد على شبكات مُعقّدة من الوكلاء؛ لتوسيع نفوذ إيران، وتعزيزه داخليًّا وخارجيًّا.

وفي هذا السياق، تتباين السيناريوهات حول مستقبل الحرس الثوري الإيراني؛ بدءًا بالسيناريو الأول حول ما إذا كانت فترة الهدنة فرصة للنظام الإيراني لإعادة ترتيب أوراقه، وإعادة تموضعه، وتعزيز شبكاته.

ويتمثّل السيناريو الثاني في عودة أيٍّ من الهجمات على الخليج، خصوصًا على منشآت الطاقة، باستخدام الطائرات المُسيّرة أو الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز؛ ما قد يترتّب عليه بدايةَ تداعياتٍ مترابطة، من تهديد أمن الطاقة العالمي، وذلك عن طريق تعطيل الإمدادات وزيادة الأسعار، التي قد تؤدي إلى توتّر في الأسواق الأوروبية والآسيوية؛ الأمر الذي قد ينتهي بعسكرة النقل البحري وتوسيع العمليات العسكرية العالمية؛ ما يزيد من خطر حدوث مواجهة مفاجئة مع إيران. أما السيناريو الثالث فهو أن يؤدي أي تراجع حادّ، أو انهيار للنظام الإيراني، قد يفتح المجال أمام أنماط تفكّك داخلي قد تُعيد إنتاج شبكات مسلّحة وميليشيات جديدة في إيران. 

تريندز




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية