الجهاديون والعنصريون وجهان للعملة نفسها

الجهاديون والعنصريون وجهان للعملة نفسها

مشاهدة

05/09/2019

ترجمة: محمد الدخاخني


عندما يقوم شابّ مسلم، أصبح راديكاليّاً من خلال الإنترنت، بعمليّة قتل باسم أيديولوجيا إسلامويّة، لا نواجِه مشكلةً في وصفه بأنّه إرهابيّ وفي ربطه بجماعات مثل؛ "داعش". لكن عندما يقوم شابّ أبيض، أصبح ردايكاليّاً بطريقة مشابهة، بعمليّة قتل باسم أيديولوجيا عنصريّة - حتّى عندما يَنشُر بياناً بهذا المعنى -، فإنّنا نميل إلى وصفه بأنّه مضطّرب عقليّاً. ونتحدّث عنه بصفته شخصاً وحيداً ومشوّشاً، عوضاً عن أن يكون عضواً في شبكة أوسع.

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
ولا تقتصر التّباينات على التّصورات الثّقافيّة. فتعامل وكالات إنفاذ القانون الأمريكيّة ومجتمع الاستخبارات ونظام المحاكم مع هذين السّيناريوهين يأخذ شكلاً مختلفاً. وهذه الاختلافات في العلاج تتعامى عن أوجه التّشابه بين هذين الشّكلين من الكراهية المنظّمة. وبعد أن أمضيت ما يقرب من 25 عاماً في محاربة الإرهاب الجهاديّ هنا وفي الخارج، فإنّني أرى أوجه تشابه مُزعِجة بين صعود تنظيم القاعدة في التّسعينيّات وصعود الإرهاب العنصريّ اليوم.


لقد سعى الاستعلائيّون البيض، مثلهم مثل نُظرائهم الإسلامويّين، صراحةً إلى استخدام العنف لخلق مناخ من الخوف والفوضى يمكن استغلاله بعد ذلك لإعادة تشكيل المجتمع على صورتهم. وتشترك مقاطع الفيديو التّجنيديّة الخاصّة بهم في التّركيز على نمط الحياة الّذي يزعمون تقديمه إلى المجنّدين - نمط حياة قائم على "التّطهريّة" والنّزعة القتاليّة والّلياقة البدنيّة. وفي حين يشارك الجهاديّون مقاطع فيديو لعمليّات قطعٍ للرؤوس، فإنّ المتطرّفين اليمينيّين [كما رأينا] يُظهِرون ابتهاجهم في مقطاع البثّ المباشر الخاصّة بالهجوم المُميت على مسجدين في كرايستشيرش (نيوزيلندا). وبينما يتواصل أنصار داعش عبر منصّة على الإنترنت تسمّى "تيليغرام"، يميل الاستعلائيّون البيض إلى القيام بذلك من خلال منصّة أخرى، تُدعى "آيت-شان".

سعى الاستعلائيّون البيض مثلهم مثل نُظرائهم الإسلامويّين صراحةً إلى استخدام العنف لخلق مناخ من الخوف والفوضى

وقد قامت إحدى مجموعات النّازيّين الجدد، الّتي أسّسها مُقاتِل قديم في حربي العراق وأفغانستان، بأخذ هذا التّشبيه إلى نهايته المنطقيّة، حيث أطلقت على نفسها اسم "ذي بيز The Base" - وهي ترجمة مباشرة لمعنى كلمة "القاعدة". وتستخدم المنظّمة أيضاً رمزيّةً مُمَاثلةً للعلم الأسود. وتحتفظ ذي بيز بمكتبة على الإنترنت تضمّ إرشادات إرهابيّة؛ ومنشور تنظيم القاعدة، "انسباير"، هو الّذي علَّم مفجّري بوسطن كيفيّة بناء "مفرقعات الضّغط".
ربّما الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق هو امتلاك كلا المجموعتين مناطق حربيّة حقيقيّة لتعلّم القِتَال. فقد كان لدى الجهاديّين أفغانستان في الثّمانينيّات والبلقان في التّسعينيّات وسوريا اليوم. ويخوض الاستعلائيّون البيض الحرب في شرق أوكرانيا؛ حيث يقاتلون على كلا الجانبين. ويقدّر الدّكتور كاسبر ريكاويك، وهو باحث درس هذه المسألة، أنّ 17.000 شخص من 50 دولة، بما في ذلك الولايات المتّحدة والعديد من الدّول الحليفة، قد سافروا للقتال في أوكرانيا. ومن بين هؤلاء الّذين تربطهم صِلات بالميليشيّات اليمينيّة المتطرّفة في أوكرانيا واحد على الأقلّ من بين كلّ أربعة أمريكيّين اتّهموا بالتّرويج للعنف المُميت في تجمّع "توحيد اليمين" في شارلوتسفيل (فرجينيا)، عام 2017. ويُذكر أنّ مهاجم مسجد نيوزيلندا قد ادّعى في بيانه أنّه سافر إلى أوكرانيا. وما نعرفه على وجه اليقين هو أنّه خلال هجومه كان يرتدي سترة واقية تحمل رمزاً لإحدى المجموعات القوميّة المتطرّفة الرّئيسة في البلاد.


على هذه الخلفيّة، من غير المفاجئ أن نرى التّهديد الاستعلائيّ الأبيض ينمو داخل الولايات المتّحدة. وقد وجدَت دراسة أجرتها رابطة مكافحة التّشهير أنّه في عام 2018، كان المتطرّفون اليمينيّون مسؤولين عن ثلاثة أضعاف عدد الوفيات في الولايات المتّحدة مقارنة بالإسلامويّين. كذلك، أظهرت الدّراسة نفسها أنّ عام 2018 كان الأكثر دمويّة فيما يتعلّق بالعنف اليمينيّ المتطرّف منذ عام 1995 - عندما وقع تفجير أوكلاهوما سيتي. وبسبب مذابح مثل تلك الّتي وقعت يوم السّبت في مدينة إل باسو (تكساس)، فإنّ عام 2019 قد يكون أسوأ.

وجدَت دراسة أنّه في عام 2018 كان المتطرّفون اليمينيّون مسؤولين عن 3 أضعاف عدد الوفيات في أمريكا مقارنة بالإسلامويّين

على أنّ وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون لدينا ليست عمياء عن التّهديد. ففي أيّار (مايو)، أدلى أحد كبار المسؤولين في الـ "إف بي آي" بشهادة رسميّة أمام الكونغرس بأنّ المكتب يُتابع حوالي 850 تحقيقاً داخليّاً في قضايا تتعلّق بالإرهاب. لكن إطار عملنا الحاليّ لمكافحة الإرهاب قد أنُشئ، في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) مباشرةً، للتّعامل حصريّاً مع الجماعات الإرهابيّة الأجنبيّة الشبيهة بتنظيم القاعدة. على سبيل المثال، يسمح القانون بمراقبة الاتّصالات بين الأشخاص المرتبطين بجماعات إرهابيّة أجنبيّة - حتّى لو كانوا مواطنين أمريكيّين يعملون على الأراضي الأمريكيّة - وتبادل المعلومات الاستخباراتيّة النّاتجة بين الوكالات الأمريكيّة وحلفائها. لكن لا يمكن استخدام أدوات المراقبة وتبادل المعلومات هذه ضدّ أولئك المرتبطين بجماعات إرهابيّة مقرّها الولايات المتّحدة - بغض النّظر عن مدى خطورتها - لأن مؤيّدي الإرهاب المحلّيّين يتمتّعون بالحماية بموجب قوانين حرّيّة التّعبير على نحو لا يتمتّع به الجهاديّون (بمن فيهم مواطنو الولايات المتّحدة).


ومنذ عام 2001، اتُّهمت قائمة طويلة من الأشخاص بتقديم الدّعم المادّيّ لكيانات إرهابيّة أجنبيّة معيّنة مثل القاعدة. لكن بالنّسبة إلى المنظّمات الإرهابيّة المحلّيّة، فإنّ اتّهامات الدّعم المادّيّ مستحيلة؛ لأنّه لا توجد آلية لتصنيف الجماعات الإرهابيّة المحلّيّة على هذا النّحو. وعلاوة على ذلك، يصعب إثبات تُهَم الإرهاب المحلّيّة، وأيضاً تُنفّذ عقوبات غير ملائمة لخطورة الجريمة. فحتّى مفجّر أوكلاهوما سيتي، تيموثي مكفي، أسوأ إرهابيّ محليّ في تاريخ الأمّة، لم يُتّهم بأيّ جريمة إرهابيّة لهذا السّبب بالتّحديد.

اقرأ أيضاً: السخرية.. سلاح الألمان لمكافحة التطرف
لقد غيّر العديد من حلفائنا بالفعل قوانينهم للسّماح بإجراء تحقيقات أكثر قوّة حول الإرهابيّين المحليّين. على سبيل المثال، يمكن لوكالة الاستخبارات الدّاخليّة البريطانيّة، "أم آي 5"، الآن استخدام العديد من الأساليب الّتي انتهجتها قبل فترة طويلة ضدّ القاعدة، ضدّ التّطرّف الدّاخليّ، وذلك بفضل القوانين الّتي صدرت بعد 11 أيلول (سبتمبر).

اقرأ أيضاً: صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا
وينبغي على الـ "إف بي آي" أن تتبع مبادرة "أم آي 5"، مع ضمانات مناسبة لحريّاتنا الدّستوريّة. ولكن هذا لا يمكن أن يحدث إلّا إذا قام الكونغرس بتحديث تشريعاتنا الّتي خرجت بعد 11 أيلول (سبتمبر) للسّماح بتصنيف الجماعات الإرهابيّة المحلّيّة بالطّريقة نفسها الّتي يتمّ بها تصنيف الجماعات الأجنبيّة. وسيتيح هذا لوكالات إنفاذ القانون الوصول إلى مجموعة كاملة من أدوات المراقبة، كما سيتيح للمدّعين العامين القدرة على توجيه تُهَم ذات مغزى لمن يساعدون الإرهاب الدّاخليّ.
قبل عشرين عاماً، قلّلنا بشكل كبير من التّهديد المتزايد للإرهاب الإسلامويّ. وهذا الإهمال كلّفنا غالياً في 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ولهذا، لا يمكننا أن ننتظر ما يعادلها من الاستعلائيّين البيض.


المصدر: نيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية