الجماعة المقاتلة الليبية: مصنع إرهابيي العالم

الجماعة المقاتلة الليبية: مصنع إرهابيي العالم

مشاهدة

03/08/2020

42 عاماً، مدة حكم العقيد معمر القذافي في ليبيا، أغفل خلالها العديد من عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في رأي البعض، لكنّ الأهم من ذلك أنّ إمبراطوريته تحوّلت إلى مصنع إرهاب استقبله من مصر، فنشأت الجماعة المقاتلة الليبية، التي فرّخت الإرهاب في أفريقيا الفقيرة، وتوسعت في السودان والجزائر وموريتانيا، وصولاً إلى تركيا والجزيرة العربية، ورغم قمع العقيد القذافي لتلك الحركة ومحاولته القضاء عليهم، إلّا أنّ أعضاءها، بتغيير إستراتيجيتهم، استطاعوا التمدد والبقاء لأطول فترة ممكنة، حتى استغلوا انتفاضة الشعب الليبي، فكانوا أوّل الراقصين على جثة الرئيس الراحل، ليتفرغوا لاحقاً للرقص على جثامين الشعب الليبي.

من تركيا وإليها نعود

بعد هبوب رياح التكفير على مصر، استقدمتها الجارة الغربية، ليبيا، في سبعينيات القرن الماضي؛ إذ كانت المحطة الأقرب لنشر الأفكار الإرهابية (لأفريقيا بأسرها)، لجماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات الإرهابية المسلحة، التي استخدمتها الولايات المتحدة لمحاربة الاتّحاد السوفييتي في أفغانستان، وبعد أن انتهت الحرب ووجد المقاتلون من كافة الدول العربية، والذين خرجوا بالآلاف، مدفوعين بفتاوى الزيف الإخواني الذي روجوه في السبعينيات، وجدوا أنفسهم في مواجهة حكّام بلادهم، وبدؤوا في التفكير بكيفية نشر أفكارهم التي اكتسبوها من تلك الرحلة في أفغانستان، فمنهم من عاد إلى مصر وليبيا، ومنهم من التحق بتنظيم القاعدة، ومن ليبيا كانت البداية لجماعة المقاتلين الليبيين، الذين بدأوا نشاطهم الرسمي في البلاد عام 1990، وبتوطيد العلاقات مع نظام عمر حسن البشير وحسن الترابي في السودان، ودعم الجماعة الإسلامية في الجزائر، استطاعت تلك الجماعة التي بدأت بقوام يبلغ أقل من 200 رجل، السيطرة على مفاصل إفريقيا، فانتشرت في المغرب العربي وموريتانيا والسودان وتشاد، حتى عبروا البحر وصولاً إلى تركيا، التي احتضنتهم في طور النشأة، لتعاود الكرة بعد انفجار الحرب الأهلية.

كانت الجماعة الليبية المناهضة للقذافي، التي لها صلات سابقة بالقاعدة، محور اهتمام المخابرات البريطانية، منذ 20 عاماً، من نشأتها وحتى سقوط القذافي؛ إذ تركّز اهتمام المخابرات البريطانية وأجهزة الأمن في ليبيا، على مدى الأعوام العشرين، حول الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، سواء كانت تعارض معمر القذافي وتعمل مع القاعدة، وتتخلى عن رؤيتها الجهادية القديمة فيما بعد، أو تشارك في الانتفاضة المسلحة الذي أطاحت بالنظام.

بعد اتفاق عقده القذافي مع البشير، هرب المتبقون من كوادر الجماعة الإسلامية إلى أفغانستان والعراق، منضمين إلى تنظيم القاعدة، قبل أن يتمّ حلّ الجماعة رسمياً في عام 2010

ووفق تحقيق نشرته جريدة "الغارديان"، عقب اغتيال القذافي، فإنّ الحكومتين البريطانية والأمريكية كانتا على دراية تامة بالتيارات الإسلامية المتطرفة في شرق ليبيا، وعلاقاتها بكابول، وذلك بحسب وصف وثائق خاصة بموقع "ويكيليكس"، نشرت في شباط (فبراير) 2008، وتطرقت الوثائق إلى دعوات الجهاد العلنية التي كانت داخل المساجد في بنغازي، خاصة بالقرب من درنة، معقل مجاهدي الجماعة الليبية المقاتلة السابقين، وكذلك أسماء الأئمة المحافظين الذين أغلقوا المنظمات الاجتماعية والثقافية "غير الإسلامية"، مثل البطولات الرياضية والمسارح ونوادي الشباب.

بريطانيا.. الشريك الخفي

تحقيق "الغارديان" أظهر أنّ الحكومة البريطانية شجعت وساعدت في الترويج لجهود "التطرف" الليبية، على غرار ما تمّ القيام به مع الجهاديين السابقين في مصر، وفي برنامج أشرف عليه سيف، نجل القذافي، أنتجت الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة وثيقة مراجعات من 400 صفحة، بعنوان "الدراسات التصحيحية للحركة"، تشرح فيها نبذها للعنف، ومن المفارقات، التي قدمها فيديو وثائقي لقناة "الجزيرة"، في لقائها مع عبد الحكيم بلحاج، أشاد بوساطة سيف القذافي لإطلاق سراحه،  بعد أن أعلن نجل القذافي أنّ هؤلاء الرجال الذين أطلق سراحهم من سجن أبوسليم "لم يعودوا يشكلون خطراً على المجتمع، وتمّ الإفراج عنهم عام 2009، ورغم مزاعم غير مؤكدة، نشرتها "الغارديان"، من مساعدة المخابرات البريطانية للمقاتلين الليبيين في ثلاث محاولات اغتيال متتالية للقذافي، لم تنجح أي منها، هزمت الجماعة الليبية على أراضيها تماماً عام 1998، وبعد اتفاق عقده القذافي مع البشير، هرب المتبقون من الكوادر إلى أفغانستان والعراق، منضمين إلى تنظيم القاعدة، قبل أن يتمّ حلّ الجماعة رسمياً في عام 2010.

يوضح كتاب "خريف الثورة: صعود وهبوط العالم العربي"، للباحث أحمد المسلماني أنّ اقتحام الإسلاميين لحركة فبراير، كان أحد معاول إسقاط القذافي؛ إذ شكّلوا قوة ضاربة لها

وبحسب تصريحاته لصحيفة "الغارديان"، قال نعمان بن عثمان، الذي كان قائداً سابقاً للجماعة الليبية المقاتلة، وحارب مع أسامة بن لادن؛ إنّ قوام الجماعة في ذروتها، تجاوز 1000 عضو نشط ومعسكرات تدريب في أفغانستان، وشبكة من المؤيدين وجمع التبرعات في ليبيا والشرق الأوسط وأوروبا، وما يزال أعضاء بارزون آخرون من الجماعة المقاتلة على صلة وطيدة بتنظيم القاعدة، وقد قتل رئيس عمليات هذه الجماعة، عطية عبد الرحمن  الليبي، في طرابلس عام 2011 خلال غارة لطائرة بدون طيار تابعة لوكالة المخابرات المركزية البريطانية، وخلفه أبو يحيى الليبي، لكنّ آخرين من حركة التمرد الليبية المتمركزة في بنغازي، كانوا تابعين للجماعة، وأبرزهم عبد الحكيم بلحاج، قائد المجلس العسكري في طرابلس الذي قاد الهجوم على مجمع القذافي في باب العزيزية، والذي كان معتقلاً ضمن الجهاديين في ليبيا حتى تمّ الإفراج عنه، مع 200 من قادة الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، أو أعضاء مشتبه بهم من سجن أبو سليم سيئ السمعة في طرابلس، بعد أن تخلت الجماعة بشكل جماعي عن علاقاتها مع القاعدة وقطعته، قائلة: "التفجيرات العشوائية واستهداف المدنيين، لن يكون متوافقاً مع أهدافنا".

انتفاضة فبراير توقظ الوحوش

في شباط (فبراير)، بعد انتفاضة بنغازي، أنشأ أعضاء الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة السابقون حركة إسلامية جديدة للتغيير أعربت عن دعمها للتدخل الدولي لإزالة القذافي، وانخرط الإسلاميون بكافة أطيافهم في الحركة التي أطاحت العقيد.

 ويوضح كتاب "خريف الثورة: صعود وهبوط العالم العربي"، للباحث أحمد المسلماني؛ أنّ اقتحام الإسلاميين لحركة فبراير، كان أحد معاول إسقاط القذافي؛ إذ شكّلوا قوة ضاربة لها ضمن قوات المعارضة المنضوية تحت لواء المجلس الوطني الانتقالي، حتى إنّ عبد الحكيم بلحاج اعترف بعد ذلك بإدخاله الأسلحة إلى أراضي ليبيا، وتدريب عناصر المعارضة الإسلامية،  في بنغازي والجبل الغربي، لما له من باع طويل في تلك النوعية من الحروب، وخبراته العكسرية الهائلة.

اقرأ أيضاً: المسماري يكشف عدد الجنود الأتراك في ليبيا... ما هي مهمتهم؟

 ورغم تلاشي اسم الجماعة الكلاسيكي، إلّا أنّ حضورها في ثورة فبراير كان واضحاً لا يحتاج إلى تكهنات. وحتى لو أطلقوا على أنفسهم اسم "الحركة الإسلامية للتغيير"، فإنّ روح الجماعة الليبية المقاتلة تظلّ حاضرة رغم مرور الأعوام، ومحاولات القضاء عليها، فقد استطاع إرهابهم التكيّف مع التغيرات السياسية، وتقلبات المناخ العالمي والإقليمي.

ومن بن لادن إلى سودان البشير، ثمّ أفغانستان وباكستان وتركيا، عادت الجماعة بعد أعوام إلى الأراضي الليبية، لتكتب فصولاً جديدة من الإرهاب، تتجرعه ليبيا منذ 9 أعوام، يغذيه مرتزقة تركيا، وأموال دولة خليجية، ولا أحد يعلم متى ستتوقف.

الصفحة الرئيسية