الجزائر: استقالة بوتفليقة نهاية أزمة أم بدايتها؟.. سيناريوهات المرحلة القادمة

الجزائر

الجزائر: استقالة بوتفليقة نهاية أزمة أم بدايتها؟.. سيناريوهات المرحلة القادمة

مشاهدة

03/04/2019

بدخول "الحراك الشعبي" في الجزائر أسبوعه السادس؛ أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، مساء أمس، استقالته من منصب الرئاسة، قبل ثلاثة أسابيع من نهاية عهدته الرئاسية، في حين يبدو أنّ الوصول إلى اتفاق شامل على صيغة شكل المرحلة القادمة، بين مطالب المحتجين والنظام الحاكم، أو ما تبقى منه، أمر بعيد أكثر من أي وقت مضى!

حالة الانسداد ما تزال قائمة، فالمسار الدستوري يفرض أن يعوض رئيس مجلس الأمة منصب الرئيس لفترة انتقالية وهو ما يرفضه الحراك

ففي الوقت الذي تصرّ فيه مؤسسة الرئاسة على "خريطة الطريق" التي اقترحتها لتمديد العهدة الحالية، لفترة انتقالية يتم فيها إعلان "ندوة وطنية شاملة"، تقوم بمهام تعديل الدستور وتشكيل لجنة مستقلة للانتخابات الرئاسية، وفق توقيتات تراها مناسبة، ورفض المحتجين لكلّ اقتراحات السلطة، ومطالبتهم برحيل غير مشروع لرموز النظام، أو بالأحرى للنظام ككل، انحنى بوتفليقة للإعصار، وقرّر الرحيل، سيما بعد محاولات التدخل التي أقدم عليها قائد أركان  الجيش، نائب وزير الدفاع، الفريق القايد صالح، الذي اقترح، في خطابٍ متلفز، تطبيق المادة (102) من الدستور الساري، والتي تنص على "شغور منصب رئيس الجمهورية نتيجة العجز"، إلا أنّ الجماهير، في يوم الجمعة 29 آذار (مارس) الماضي، كانت قد رفضت المطلب، ورأت أنّ الحراك قد تجاوز هذه الحلول "الترقيعية للنظام الذي فقد شرعيته"، حسبهم، ورفعت شعار "بوتفليقة رايح رايح... أدي معاك القايد صالح، وبن صالح"؛ أي "أن يشمل الرحيل كلّاً من بوتفليقة وقائد الأركان، ورئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، الذي يمكن أن يشغل منصب الرئيس المؤقت في حال تطبيق المادة 102 من الدستور)!

اقرأ أيضاً: أزمة الجزائر.. هل تحلّها استقالة بوتفليقة؟

ولم يثنِ ذلك مؤسسة الجيش من التدخل مجدداً في خط الأزمة؛ حيث عقد قائد الأركان، نائب وزير الدفاع الفريق، قايد صالح، اجتماعاً لقادة القوات والنواحي العسكرية، والأمين العام لوزارة الدفاع، ورئيسَي دائرتي أركان الجيش، وأصدر الاجتماع بياناً غير معهود، طالب بتفعيل المواد الدستورية (102/ 8/ 7)، ووصف المؤسسة الرئاسية بـ "العصابة التي استولت على مقدرات الشعب الجزائري دون وجه حقّ"، محذراً من أنّ الرموز المحسوبة على الرئاسة "تحاول الالتفاف على مطالب الشعب المشروعة"، متهماً جناح الرئيس "بالفساد المالي والتكسب غير المشروع"، ليصدر عقب البيان بساعات قرار الاستقالة.

دخل "الحراك الشعبي" في الجزائر أسبوعه السادس

استقالة بوتفليقة... هل تنهي الأزمة؟

يبدو أنّ تحقق الهدف الأول من "الحراك الشعبي"، المتمثل في تنحي الرئيس، ليس بالضرورة هو نهاية حتمية للأزمة السياسية التي عاشتها البلاد، سيما منذ الثاني والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، فحالة الانسداد ما تزال قائمة، وأزمة الثقة تراوح مكانها، خاصة أنّ المسار الدستوري يفرض في حالة الاستقالة أن يعوض رئيس مجلس الأمة منصب الرئيس لفترة انتقالية لا تتجاوز الثلاثة أشهر، وهو المسار الذي يرفضه الحراك، باعتبار أنّ المجلس نتاج انتخابات مزورة، ورئيسه مرفوض شعبياً!

اقرأ أيضاً: جزائر ما بعد بوتفليقة.. كيف ستكون؟

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي، أحميدة العياشي، أنّ "مطلب الحراك في هذه اللحظة يتمثل في تشكيل هيئة رئاسية تتكون من عدة شخصيات، ذات مصداقية وكفاءة، لتسيير المرحلة الانتقالية، وتنتهي مهامها مع نهاية المرحلة الانتقالية التي قد تتراوح مدتها بين 6 أشهر إلى عام، على أن يتمّ تعيين حكومة وفاق وطني، يرضى بها الجزائريون".

اقرأ أيضاً: الجزائريون يصعدون..

وأمام رفض الحراك الثوري لكافة اقتراحات السلطة، التي أفضت إلى تولي عبد القادر بن صالح (رئيس مجلس الأمة)، منصب الرئيس، وانعدام "خريطة طريق" واضحة يتوافق عليها النظام مع المعارضة، يبدو المشهد أكثر ضبابية من أيّ وقت مضى.

زروال.. عودة "الابن المعتزل" للنظام

رغم التجاذبات القائمة بين أجنحة السلطة القديمة، فإنّ ثمة أمراً جديداً كان قد تم الترويج له، كمخرج قبل بيان الجيش، واستقالة بوتفليقة، وهو دعوة الرئيس السابق، اليمين زروال، لقيادة المرحلة الانتقالية، سيما أنّه يحظى باحترام عدد من التيارات والشخصيات السياسية، إضافة إلى رموز النظام، باعتباره أحد أبناء المؤسسة العسكرية ورئيساً سابقاً، ترك السلطة بمحض إرادته، ونظم انتخابات رئاسية لم يكن طرفاً فيها.

 الرئيس السابق، اليمين زروال

اقرأ أيضاً: 7 أسباب تجعل حراك الجزائر استثناءً

حيث أعلن زروال، في رسالة تلقت "حفريات" نسخة منها؛ أنّه اجتمع بالفريق المتقاعد محمد مدين (المعروف بتوفيق رئيس المخابرات العسكرية السابق)، بتنسيق مع مستشار الرئيس وشقيقه السعيد بوتفليقة؛ حيث عرضا عليه قيادة المرحلة الانتقالية، إلا أنّه تمنّع بشكل دبلوماسي، قائلاً: "لقد أكدت لمحدثي عن ثقتي الكاملة في الملايين من المتظاهرين، وكذا ضرورة عدم عرقلة مسيرة الشعب، الذي استعاد السيطرة على مصيره"، مضيفاً: "اليوم وأمام خطورة الوضعية يجب على أصحاب القرار التحلي بالعقل، والارتقاء لمستوى شعبنا، لتفادي أيّ انزلاق تكون له عواقب غير محسوبة على البلاد، وترك الجزائريين يعبرون بحرية، وفرض إرادة الشعب"، مما فهم أنّه يرفض الحلول المقترحة من أجهزة السلطة وانحيازه للشارع، أو اشتراط عودته بطلب من الحراك.

اقرأ أيضاً: إسلاميو الجزائر في سباق مع الزمن للحاق بالحراك الشعبي

وعن ترشيح زروال لقيادة المرحلة الانتقالية، يقول الكاتب الجزائري، سمير قسيمي، لـ "حفريات": "من الضروري في المرحلة الحالية الاستعانة بشخصية نزيهة، وبعيدة عن دوائر الفساد، من غير أن يهم الاسم"، متابعاً حديثه "أعتقد أنّ محاولة إيجاد شخصية لا تتم معارضتها الآن شبه مستحيل، نظراً إلى أنّ حسابات ذات علاقة بالمصلحة الآنية تلعب دوراً واضحاً في محاولة توجيه الحراك والرأي العام، كلّما شعر أصحاب هذه المصالح باتفاق الشعب على اسم ما".

اقرأ أيضاً: هكذا ردت الأحزاب الجزائرية على مقترح قائد الجيش

ويستدرك قسيمي بالقول:"الفكرة الآن هي الاتفاق، ولو بشكل جزئي، على شخصية أو مجموعة أشخاص لتسيير المرحلة القادمة، على الأقل حتى لا نضطر إلى الاحتكام إلى الحكومة الحالية، المتفق أنّها لن تكون حيادية، وإن حاولت ذلك، بسبب عدم كفاءتها"!
ويشير قسيمي إلى أنّ تمكين عبد القادر بن صالح من الرئاسة لن يضع خاتمة للأزمة السياسية القائمة، بقدر ما يؤججها.

تسع خطوات للخروج الآمن
وحول الحلول الممكنة للخروج من حالة الانسداد، يقول قسيمي: هناك مجموعة من الخطوات، أساسها تفعيل المادة (102) من الدستور، بشروط قبلية، تأخذ في الاعتبار مطالب الحراك الشعبي، بعيداً عن أيّة مزايدات سياسية، أو تصريحات شعبوية، بحسب وصفه، وهو الاقتراح القائم على هذه الخطوات التسعة.
الأولى: استقالة بدوي وحكومته.
الثانية: استقالة رئيس المجلس الدستوري.
الثالثة: تعيين حكومة تقنوقراطية توافقية.
الرابعة: تنصيب رئيس مجلس دستوري توافقي.
الخامسة: تفعيل المادة (102) من قبل المجلس الدستوري بالإجماع.
السادسة: موافقة غرفتي البرلمان بالثلثين.
السابعة: استقالة رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، المرفوض شعبياً.
الثامنة: تعيين رئيس المجلس الدستوري رئيساً لفترة انتقالية.
التاسعة: تنصيب هيئة للتحضير للانتخابات الرئاسية.

ويرى قسيمي أنّ تجاوز هذه الخطوات ومحاولات حرق المراحل قد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، من الفوضى وسيادة خطاب شعبوي على مستوى الحراك، أو تقويض مطالبه من قبل السلطة إذا استمرت حالة الانسداد.

وعلي: نحن بين نظام قديم وشائخ يرفض الموت، ونظام جديد يكابد ولادة قيصرية

بين قديم وجديد

من جهته، يرى الكاتب الصحفي حسان وعلي، أنّ الوضع الحالي يمكن قراءته بين مرحلتين "بين نظام قديم وشائخ يرفض الموت، وبين نظام جديد يكابد ولادة قيصرية".
ويضيف وعلي، في حديثه لـ "حفريات"، "إلى هذه الساعة هناك حالة انسداد تام، بين مسار ثوري نجح في الضغط لميلاد عهد سياسي جديد، وبين نظام قديم لم يقض عليه بشكل كامل، ويحاول بكل ما أوتي من قوة وضعف لإيجاد مخرج آمن له، دون أن يستجيب بشكل كامل لمطالب الحراك الشعبي".

اقرأ أيضاً: الجزائر: أزمة مركبة

ويؤكد وعلي: "حتى اللحظة لم يتبلور البديل السياسي الناجز، وفي رأيي؛ ليس مطلوباً من الحراك إنجاز بديل سياسي ناجز ومكتمل؛ فالشارع قام بمهمته على أحسن وجه، وأرغم السلطة على إنهاء حلم العهدة الخامسة، وكذلك قضى على مقترح التمديد، وأمام النُخب السياسية الآن مسؤولية تاريخية لضمان الانتقال السلمي والسلس للسلطة، لبناء الجمهورية الثانية... جمهورية ديمقراطية".

الجمهورية الثانية حلم ممكن
وفي ردّه على سؤال المقترحات الممكنة للخروج من حالة الانسداد القائم، يجيب وعلي: "هناك عدة سيناريوهات ممكنة، من بينها تشكيل مجلس رئاسي يحل مكان الرئاسة الحالية، التي انتهت شرعيتها منذ وقت مبكر، وجاءت خاتمتها بالاستقالة".

وعلي: حتى اللحظة لم يتبلور البديل السياسي الناجز، وأمام النُخب السياسية مسؤولية تاريخية لضمان الانتقال السلمي والسلس للسلطة لبناء جمهورية ديمقراطية

وبحسب وعلي؛ يمكن لهذا المجلس الرئاسي الانتقالي أن يضمّ عدداً من الشخصيات ذات المصداقية، والتي تحظى بتوافق الحراك، ولو بشكل جزئي منها مثلاً: المناضلة جميلة بوحيرد، رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، المحامي مصطفى بوشاشي، الرئيس زروال، أو غيرهم، وفق شروط وترتيبات معينة، ويشرف هذا المجلس الرئاسي على المرحلة الانتقالية في ظرف لا تتجاوز العشرة أشهر، يمارس خلالها اختصاصات الرئاسة بالتوافق ويشكل حكومة كفاءات وطنية، من شخصيات تحظى بالتوافق وتمثل الطيف السياسي في الآن نفسه، وفق وعلي.

ورغم أنّ هذا التشكيل الرئاسي، الذي اقترحه وعلي، قد لا يكون له سند دستوري، لكنّه يتواءم، برأيه، "مع السند الشعبي الكبير، الذي شكله الحراك الشعبي؛ حيث إنّ السيادة للشعب، وكذلك ينبغي أن يتوفر له السند المؤسساتي، المتمثل في المؤسسة العسكرية كضامن لسلاسة سير المرحلة الانتقالية، وليس كطرف ممارس للسلطة، باعتبارها المؤسسة الرسمية الوحيدة الباقية والمتماسكة"، منوهاً إلى أنّ "دور الجيش هنا ينبغي أن يقتصر على ضمان السير السلس للمرحلة الانتقالية، وألّا يكون طرفاً في التفاوض، أو في ممارسة السلطة بشكل أو بآخر".

اقرأ أيضاً: الجزائر: الدائرة تضيق حول بوتفليقة.. ما الجديد؟

وفي حديثه عن دور "المجلس الرئاسي"، يرى وعلي أنّ "المجلس ينبغي أن يسهر على إلغاء القوانين المقيدة للحريات السياسية والإعلامية، وكذلك سنّ مراسم رئاسية تساهم في خلق الأرضية الديمقراطية، من قبيل؛ إطلاق الحريات، وفتح ورشات نقاش سياسي واسعة، تساهم في نهاية النطاق، وخلق مناخ سياسي صحي، يفضي إلى تشكيل لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وضمان نزاهتها، للانتقال إلى الجمهورية الديمقراطية في أقرب الآجال الممكنة".


الصفحة الرئيسية