التوافق السعودي-الإيراني.. رؤية طموحة وحصيلة واقعية

التوافق السعودي-الإيراني.. رؤية طموحة وحصيلة واقعية

التوافق السعودي-الإيراني.. رؤية طموحة وحصيلة واقعية


25/12/2025

في التاسع من ديسمبر 2025، عقد مساعدو وزراء خارجيّة كلٍّ من إيران والصين والسعودية اجتماعاً في العاصمة الإيرانية طهران لبحث آفاق التعاون الإقليمي، وسبل تأكيد الاستقرار وتنمية التبادل الاقتصادي والسياسي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية. وانتهى الاجتماع بإصدار بيانٍ مُشترك تضمّن الإشارة إلى محاور إقليمية عامّة، مثل: المطالبة بالوقف الفوري للتجاوزات الإسرائيلية على فلسطين ولبنان وسورية، وإدانة انتهاك السيادة الإيرانية، والمطالبة بالتعاون الإقليمي لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية. ويكشفُ هذا الاجتماع عن أنّ الجهود التي تبذلها الصين  لرأب الصدع بين البلدين المتنافسين لا تزالُ جاريةً، وأنّ بيجين تطمحُ إلى تحويل التوافق السعودي-الإيراني إلى مسارٍ مُستدامٍ للتقارب والتعاون بين الجانبين. لكنْ ماذا عن الحصيلة الواقعية لهذا المسار؟

 

التجربة الصينية الأولى للانخراط السياسي في منطقة الخليج

 

يُمثّل الاجتماعُ الذي انعقد في طهران مُؤخراً الخطوةَ الثالثة من جولات التنسيق المتفق عليها بموجب التوافق المُبرم بين الرياض وطهران بوساطة صينية في مارس 2023، والذي أنهى قطيعة دبلوماسية استمرت لعدة أعوام بين البلدين بعد اقتحام السفارة السعودية في طهران في يناير 2016. ويتجاوزُ التوافق الذي أبرمته إيران والسعودية برعاية صينيّة مُجرّد كونه توافقاً ثنائياً بين قوّتين إقليميتين مُتنافستَيْن في العديد من الملفات.

 

ويكتسي الدّور الصيني في هذا التوافق أهميته لا من كونه وساطةً استطاعت مدّ الجسور بين البلدين بعد أنْ فشلت جهود الوساطة التي بذلتها الأطراف الأخرى بما فيها العراق وباكستان، وإنما من كونه خطوة تُشير إلى طفرةٍ تكادُ تكون استراتيجيةً في السُّلوك الصيني في منطقة الشرق الأوسط؛ فالصين التي عُرِفت بالتركيز على تنمية العلاقات الاقتصادية، وتفادي الانخراط في المنافسات السياسية الإقليمية، قرّرت كسر الحاجز النفسي والتاريخي، ودخلت على خطّ الوساطة السياسية بين بلدين لا يتمثّل خلافهما في المحاور الاقتصادية بمقدار ما كان يتمثّل في المحاور الأيديولوجية والسياسية.

 

ومن هذا المنطلق فإنّ الوساطة الصينية بين الرياض وطهران مثّلت قفزةً استراتيجيّةً في سياسات الصين التقليدية من مرحلة "الحياد السياسي" إلى "مرحلة التأثير" في مجريات الأمور. وعلى الرّغم من أنّ هذه القفزة كانت حذرة، وتعمدت الصين بأنْ تكون ضمن حدود واضحة، لكنّها تعتبرُ مع ذلك طفرةً في سياسات الصين الدولية.

 

وكان من اللّافت أنّ الصين اتّخذت هذه الخطوة في منطقة الخليج، التي اعتُبرت على مدى عدّة عُقود منطقةً للنُّفوذ الأمريكي. وكانت الصّين مُلتزمةً باحترام هذا النُّفوذ وعدمِ المساس به. وبعد إعلان التوافُق، ذهب الكثير من المراقبين إلى أنّ الصين نقلت المواجهة مع الولايات المتحدة إلى منطقة الخليج رداً على جهود واشنطن في التدخُّل في بحر الصين ومضيق مَلَقا. وعلى الرغم من أنّ هذا الرأي بدا مُتسرّعاً بالنّظر إلى السياسات الصينية الحذرة في توسيع رقعة المواجهة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أنّ الانخراط الصيني في جيوبوليتيكا الشرق الأوسط كان بمثابة تلويحٍ صيني بالاستعداد لنقل المواجهة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة إلى مناطق نفوذ واشنطن التقليدية، وأنّ الصّين أرادت القول: إنّها تمتلك التأثير والقوة الكافيين للحضور والتأثير في منطقة النُّفوذ الأمريكي.

 

وتعمّدت الصّين في وساطتها بين السعودية وإيران تجاهُل الحكومة الإيرانية، وفضّلت بدلاً من ذلك الذهاب نحو الحوار والتوافق مع مؤسسات الدولة العميقة في إيران؛ فكان الطرف الإيراني المُفاوض في بيجين هو أمين عام "المجلس الأعلى للأمن القومي". وسلكت بيجن بذلك مساراً مُختلفاً في الحوار مع طهران لضمان التوصُّل إلى توافقات صامدة، خُصوصاً أنّ المُعطيات الظرفيّة كانت تُشير إلى أنّ الصين تمتلكُ تأثيراً قوياً على مؤسسات "الدولية العميقة" في إيران. وكانت تجارب القوى الغربيّة في التفاوض مع الحكومات الإيرانية المُتتالية تتمخّضُ غالباً عن توافقاتٍ هشّة، باعتبارها توافقاتٍ تجري مع حكومات لا تمتلكُ صلاحيات كافية في الملفات المطروحة، ولا تلتزمُ بها "الدولة العميقة" المؤثّرة في صنع القرار السيادي الإيراني. ومن هذا المنظور، يتجاوزُ التوافق بين الرياض وإيران كونه مجرّد خطوةٍ لرأب الصّدع بين قوّتين إقليميّتَيْن مُتنافستَيْن، ليكون خطوةً ضمنَ مسارٍ يبدو أنّ الصين تريد له أنْ يستمرّ في سياق مشروعها للتأثير على مُجريات الأمور في منطقة الخليج. 

 

أثر التوافق بين الرياض وطهران على العلاقات الثنائية

 

أدّت الوساطة الصينية في مارس 2023 إلى توافق وقّعه من الجانب الإيراني الأمين العام لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني" علي شمخاني، ومن جانب المملكة العربية السعودية وزير الدولة ومستشار الأمن الوطني السعودي المساعد بن محمد العيبان، ومن الجانب الصيني وزير الخارجية وانغ يي. واتفق بموجبه الجانبان السعودي والإيراني على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتفعيل "اتفاقية التعاون الأمني" الموقعة عام 2001، وتفعيل "الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والتجاري" الموقعة عام 1998. 

 

وبالفعل، أدّى التوافق إلى إعادة فتح السفارتين، وفتحَ البابَ أمام مستوىً لافتٍ من تبادُل الزيارات السياسية؛ إذْ شهدت الفترة التي أعقبت التوافق زيارةَ وزير الدفاع السعودي إلى طهران، كما شهدت زيارة الرئيس الإيراني إلى المملكة العربية السعودية، وزياراتٍ رسمية أخرى تبادلها الجانبان على عدّة مستويات كان يمكنُ لها أنْ تكون بوابةً لنموّ العلاقات بين البلدين.

 

لكنْ وراء هذه الزيارات فإنّ المعطيات الميدانية، لم تُظهر ترجمةَ الرّغبة السياسيّة إلى خطواتٍ ميدانيّة لتحكيم أواصر التعاون الثنائي؛ فعلى صعيد التبادل التجاري لم يتجاوز التّبادل بين البلدين 25 مليون دولار في عام 2024، وهو رقمٌ متواضع للغاية من إجمالي 130 مليار دولار، هي حجم إجمالي التبادل التجاري الإيراني في العام ذاته. هذا برغم التأكيد المُتكرّر من الجانبين على ضرورة بلوغ التبادل نحو 800 مليون دولار. ويبدو هذا الرقم متواضعاً أيضاً، بالنظر إلى حجم التبادل التجاري الإيراني مع دول خليجية أخرى. وعلى سبيل المثال، استقرّ التبادل التجاري مع قطر في العام ذاته عند 200 مليون دولار، ومع الكويت عند 300 مليون دولار، ومع عُمان عند 2.3 مليار دولار. وتُظهِرُ التجربة التاريخية أنّ التبادل التجاري بين السعودية وإيران بلغ ذروته في عام 2007؛ حين بلغت الواردات الإيرانية من المملكة العربية السعودية نحو 600 مليون دولار، فيما استقرت الصادرات الإيرانية إليها عند 390 مليون دولار. 

 

وعلى الصعيد السياسي، لم تتمخّض الزيارات التي تبادلها الجانبان على مُختلف المستويات عن ترتيباتٍ ملموسةٍ للتنسيق الأمني والسياسي، بل كشفت تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين أنّ الجانب الإيراني غير راضٍ عن حصيلة التوافق مع الرياض؛ فبرغم المناورة التي قام بها الجانب الإيراني بادئ الأمر حين اعتبر إحياء العلاقات مع الرياض خطوةً في سبيل إثبات فشل السياسات الأمريكية لعزل طهران، كانت الخيبة الإيرانية سريعة حينَ أعلنَ مُستشار رئيس البرلمان الإيراني أنّ "إيران حاولت تحسين العلاقات مع الجانب السعودي خلال الفترة الماضية، لكنّ النتائج في اليمن وسورية وفي لبنان على وجه الخصوص كانت مخيبة للآمال".

 

ويشيرُ الجدل الذي تصاعد في طهران غداة زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، بشأن إمكانية قيام السعودية بالتوسُّط بين طهران وواشنطن، إلى تردُّد طهران الواضح في منح الرياض دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة.

 

ثمار التوافق: الابتعاد عن حقل الألغام ومآرب أخرى

 

بالرغم من تواضُع النتائج المُتحصّلة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، يبدو الجانب السعودي راضياً عن نتيجة التوافُق مع إيران؛ فمن الواضح أنّ الرياض لم تكُن تتطلّع إلى حصيلةٍ كبيرة من وراء إحياء العلاقات مع طهران خلافاً لتوقُّعات الجانب الإيراني. ويمكنُ القول بأنّ الرياض حصرت توقُّعاتها من التوافق مع إيران في كونه جزءًا من استراتيجية "صفر المشاكل" التي يبدو أنّ الرياض بدأت تطبيقها منذ أعوام على الصعيد الإقليمي. وفي هذا السياق، فقد أدّى التوافق ما هو مُتوقعٌ منه في المنظور السعودي بالرغم من أنه لم يؤدِّ إلى إبرام اتفاقياتٍ أمنيّة أو اقتصاديّة كبيرة، ولا حتى إلى إحياء الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية السابقة.

 

وكان "النأي بالنفس" من أبرز ثمار التوافق الميدانيّة، وأكثرها وضوحاً للمُراقبين؛ إذْ استطاعت المملكة العربية السعودية على مدى العامين الماضيين، وخُصوصاً خلال فترة "حرب الاثني عشر يوماً" على وجه التحديد، البقاء بعيداً عن تداعيات المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية/الأمريكية. وكذا الحال، في ظل المواجهة المستمرة بين إسرائيل وتنظيمات ما يسمى "محور المقاومة" الذي شكّل فيه الحوثيون طرفاً فعّااًا في الصّراع؛ إذْ استطاعت الرياض المحافظة على أمن حدودها البرّية والبحرية، كما حيّدت سماءها من الهجمات والهجمات المضادّة التي كانت تجري بين جماعة الحوثي وإسرائيل. ولا شكّ في أنّ التوافق مع إيران أسهم في تحقيق هذه الغاية؛ فالتأثير الإيراني على قرار جماعة الحوثي في اليمن لا يحتاج إلى الاستدلال. وحتى على مستوى التصعيد الخطابي الذي انتهجه المتشددون في إيران خلال الحرب، ظلّت السعودية بعيدة إلى حدٍّ كبير عن التصريحات العدائية والتهديدات التي كان يطلقها المتشددون في إيران تجاه أطراف إقليمية مُتعدّدة بدعوى "المشاركة في العدوان على إيران".

 

ولكنْ على مستوى القيمة الاستراتيجية، تبدو تداعيات التوافُق الذي أبرمته الرياض مع طهران بوساطة صينية أبعد من ذلك؛ إذْ يمكنُ القول: إنّ التوافق أخرج المملكة العربية السعودية من مكانة "العدو الإقليمي" في المنظور الإيراني، فقد كانت السياسة الإقليمية الإيرانية ترتكز على اعتبار المملكة الخصم الإقليمي الذي ينبغي التّصدي له، والتفوُّق عليه من خلال شبكة الوكلاء، وعلى مدى أكثر من عقدين. ولعلّ من أبرز علائم خروج الرياض من موقع "العدو الإقليمي" في المنظور الإيراني هو الموقف الإيجابي الذي أبداه الإيرانيون حيال "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" التي أبرمتها المملكة مع الجارة باكستان في سبتمبر 2025؛ إذ لم يلحظ الإيرانيون في هذه الاتفاقية تهديداً للأمن الإيراني، ولا إخلالاً بالتعاون العسكري والأمني بين إيران وباكستان. وإنما رحبوا بها، مُعتبرين الاتفاقية "خطوةً في الاتجاه الصحيح"، وجاء ذلك على لسان المستشار العسكري للقائد الإيراني الأعلى يحيى صفوي. بل إنّ رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عبّر عن رغبة إيران في الانضمام إلى هذه الاتفاقية.

 

الخلاصة: الاكتفاء بـ "درء المفاسد"

 

أعادت الجولة الثالثة من اجتماعات التنسيق بين إيران والسعودية والصين التأكيد على حقيقة أنه لا يُمكن توقُّع الكثير من النتائج الاقتصادية والسياسية للتوافُق الذي أبرمه الجانبان، السعودي والإيراني بوساطة صينية في 2023. إلّا أنّ الخطوة التي أقدمت عليها الصين تُعدُّ بحد ذاتها خطوة لافتة، ويمكنُ أنْ تكون ذات تداعيات استراتيجية تتجاوزُ كونها محاولةً لرأب الصدع بين خصمين إقليميين، خصوصاً إذا اعتبرنا أنّ الصين راغبةٌ في مواصلة هذا المسار، فقد أكّد الجانب الإيراني أنّ الأطراف الثلاثة قرّرت عقدَ الجولة الرابعة من هذا الحوار في الصين.

 

وحتى هذه اللحظة، لم ينتج عن هذه المنصّة للحوار الإيراني-السعودي تفعيلٌ لاتفاقياتٍ أمنيّةٍ أو اقتصاديّةٍ سابقة، كما لم تتمّ بلورةُ اتفاقياتٍ أُخرى جديدة، ولم يُؤدِّ التوافق إلى توسيعِ التبادل التجاري الذي بقيَ خجولاً جداً، حتى مقارنةً بالتبادل التجاري بين إيران وباقي جيرانها في الخليج. 

 

ويبدو أنّ الرياض حصلت على ما تُريد من هذا التوافق الذي جاء في سياق سياستها الإقليمية التي انتهجتها على مدى الأعوام الماضية للوصول إلى "صفر مشاكل" مع الأطراف الإقليمية، وذلك في سياق مواكبة المملكة عمليةَ التحوُّل الجارية في المشهد الدولي، من عصر التنافس الجيوسياسي إلى عصر التنافس الجيواقتصادي. ومن هذا المنظور، وفّر التّوافق مع إيران للملكة "نأياً بالنفس" عن الصّراعات العسكرية التي انخرطت فيها إيران وحلفاؤها على مدى العامين الماضيين، وعبوراً بأقصى ما يُمكن من درجات السّلامة من نفق المواجهة بين إيران وحلفائها الإقليميين من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وعلى الصعيد الاستراتيجي، أمّن التوافقُ للمملكة الخروجَ من موقع "العدو الأول" في المنظور السياسي/الأيديولوجي الإيراني للمنطقة، وذلك بعد أكثر من عقدين من علاقات التنافس/الصراع المحتدمة بين الجانبين، والتي تخلّلتها مواجهاتٌ داميةٌ في ساحاتٍ إقليميٍّ عديدة.

مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية