التقية عند الإخوان المسلمين: من مبدأ ديني إلى سلاح سياسي

التقية عند الإخوان المسلمين: من مبدأ ديني إلى سلاح سياسي

التقية عند الإخوان المسلمين: من مبدأ ديني إلى سلاح سياسي


21/05/2026

 

يُعدّ مبدأ التقية أحد أكثر المفاهيم التي أثارت الجدل في الفكر الإسلامي، إذ نشأ في بيئات شيعية مضطهدة لحماية المؤمنين من القتل، لكنّه تحوّل لدى جماعة الإخوان المسلمين إلى أداة فكرية خطيرة لتبرير الكذب والمراوغة السياسية باسم الدين. فبينما كان الأصل في التقية حفظ النفس من الخطر، استغلها الإخوان لتصبح منهجًا منظمًا في الخداع والتلون، ووسيلة لإخفاء الأهداف الحقيقية للجماعة تحت ستار "الحكمة الدعوية" أو "المصلحة الشرعية." 

لقد أفرغت الجماعة المفهوم من معناه الروحي وحوّلته إلى سلوك مؤسساتي متعمد، لا يُمارس اضطرارًا بل قناعةً، بوصفه ركيزة في "فقه البقاء". فالتقية عندهم ليست مخرجًا مؤقتًا، بل استراتيجية مستمرة للبقاء في المشهد السياسي مهما تغيرت الظروف. إنّها الغطاء الذي يبرر الكذب، ويُشرعن الانقلاب على المواقف، ويحوّل المراوغة إلى فضيلة دينية.

 

من الحذر إلى المنهج: كيف شرعن الإخوان الكذب؟

منذ البدايات الأولى لحسن البنا، مؤسس الجماعة، وُضعت بذور هذا المنهج المزدوج. فعلى الرغم من رفضه المعلن للكذب، إلا أنّ ممارساته السياسية أثبتت العكس تمامًا. فحين اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا عام 1948 على يد أحد أعضاء التنظيم السرّي، سارع البنا إلى التنصل من الجريمة قائلًا عبارته الشهيرة: "هؤلاء ليسوا بإخوان وليسوا مسلمين". وبذلك دشّن البنا أوّل تطبيق عملي لفكرة التقية داخل الإطار الإخواني؛ أي إظهار البراءة العلنية مع التستر على الفاعل الحقيقي لحماية التنظيم.

هذه الازدواجية لم تكن استثناءً عابرًا، بل صارت قاعدة عامة تحكم سلوك الجماعة، ففي الثمانينيات مثلاً تفاوض قادة الإخوان سرًّا مع نظام حسني مبارك للحصول على مقاعد برلمانية، ثم نفوا علنًا أيّ صفقة سياسية، مبررين التناقض بأنّه "افتراء إعلامي". وهكذا صارت التقية بالنسبة إليهم جزءًا من تكوين الشخصية التنظيمية: خطاب ودّي مع السلطة في العلن، ومؤامرات وتجنيد وتخطيط في الخفاء.

ولا تتوقف خطورة هذا المبدأ عند الكذب السياسي، بل تمتد إلى التمويه العقائدي، حيث يقدّم الإخوان أنفسهم كجماعة إصلاحية وطنية، بينما يرسخون في أدبياتهم فكرة "الخلافة الإسلامية"، وإلغاء مفهوم الدولة الوطنية. هذا التناقض الممنهج بين الخطاب والمضمون هو جوهر التقية لديهم: التظاهر بالاعتدال لحين التمكين.

التاريخ يكشف أنّ الإخوان مارسوا التقية كمنهج دائم في فترات الضعف أو الملاحقة. ففي الأربعينيات والخمسينيات، حين واجهوا حملة قمع واسعة بعد تورطهم في الاغتيالات، لجؤوا إلى إخفاء نشاطهم الحقيقي تحت غطاء الجمعيات الخيرية والمدارس الدعوية. وفي العلن  رفعوا شعار "الإصلاح والمجتمع"، بينما احتفظت قياداتهم بالتنظيم السرّي في الظل. وبعد سقوط حكمهم عام 2013 عادت الجماعة إلى الخطاب المزدوج ذاته: لغة ناعمة مع الغرب عن "المصالحة" و"الشرعية"، مقابل خطاب تعبوي داخلي يصف الدولة بـ "الطاغوت"، ويدعو إلى الانتقام.

هذه الممارسات لم تكن وليدة الأزمة، بل هي جزء من "الكمون الاستراتيجي" الذي تبنّته الجماعة منذ تأسيسها، وهو الاسم الحديث للتقية السياسية. ويقوم هذا الكمون على الانسحاب المؤقت من الساحة عند الأزمات، مع الاستمرار في النشاط السرّي وبناء الشبكات من تحت الطاولة. وكلما ضعفت الجماعة، لجأت إلى "الكمون"، وكلما شعرت بالأمان، خرجت بوجه جديد أكثر نعومة.

إنّ هذه المنهجية المزدوجة جعلت التقية ركيزة بنيوية في فكر الإخوان، لا مجرد تكتيك مرحلي. فهم يُعلّمون أتباعهم أنّ "الحكمة" تعني إخفاء النية الحقيقية، وأنّ "المرونة" تقتضي قول ما يرضي الناس، لا ما يعكس قناعتهم. وبذلك تحوّل الكذب إلى فضيلة تنظيمية، يربطونها بالضرورة الدعوية و"فقه المحنة." 

 

المظلومية… الوجه النفسي للتقية

لا يمكن فهم إصرار الإخوان على التقية دون تفكيك خطاب المظلومية الذي يرافقهم منذ حسن البنا حتى اليوم. فالجماعة لا تبرر الكذب بوصفه خطأً أخلاقيًا بل هو "واجب شرعي" للدفاع عن الذات. ومن هنا تولد سرديتهم الأبدية عن الاضطهاد والمحنة، التي تُقدَّم للأتباع على أنّها امتحان إلهي لجماعة "ربانية مبتلاة." 

هذا الإحساس بالاضطهاد يصبح لدى الإخوان منظومة فكرية مغلقة، تبرر كل انحراف عن القيم الأخلاقية. فالسلطة ـ في تصورهم ـ عدو أبدي يسعى لإبادتهم، والمجتمع متآمر ضد دعوتهم، والإعلام أداة لتشويههم. لذلك يرى الإخوان أنّ الكذب لا يُعدّ خيانة، بل هو "جهاد مشروع" ضد الظالمين. إنّهم ضحايا مقدَّسون، وأعداؤهم شياطين، وهذه الثنائية تتيح لهم أن يمارسوا التقية وهم يشعرون بالبرّ والتقوى.

لقد عبّر حسن البنا عن هذا المعنى في مقولته الشهيرة: "دعوتكم مجهولة، وعند معرفتها سيلاقونها بخصومة وعداوة". بهذه العبارة شرعن البنا المظلومية كقدر تاريخي، يُحوّل الصراع مع الدولة إلى معركة أزلية بين الحق والباطل، ومن ثمّ يصبح التخفي والمناورة والكذب كلها أدوات مشروعة لمواجهة الظلم.

في ضوء هذه الفكرة يفسّر الإخوان كل إخفاقاتهم السياسية والأخلاقية بأنّها نتيجة "ابتلاء إلهي" لا نتيجة فشل ذاتي. وهذا الخطاب يمنحهم مناعة داخلية ضد النقد، ويُحوّل المحاسبة إلى اعتداء، والمعارضة إلى خيانة. والأخطر أنّه يُضفي على الكذب صفة القداسة، باعتباره جزءًا من الجهاد الروحي للدعوة.

وهكذا، تتداخل التقية والمظلومية في فكر الإخوان لتشكّلا معًا بنية مغلقة: فالمظلومية تبرر التقية، والتقية تغذي المظلومية. وكلما انكشفت أكاذيبهم، ازداد خطابهم عن "الاضطهاد"، وكلما اشتدت المحن، أعادوا استخدام الكذب كوسيلة للبقاء. إنّها دائرة مغلقة لا تنكسر، لأنّ التنظيم نفسه قائم على ازدواجية: وجه نقي للعلن، ووجه مظلم للسرّ.

حين يصبح الكذب عقيدة

تكشف التجربة التاريخية لجماعة الإخوان أنّ التقية ليست مجرد تكتيك دفاعي، بل عقيدة سياسية تُدار بها شؤون التنظيم من القمة إلى القاعدة. فالجماعة تدّعي الطهرانية الدينية وتمارس الكذب باعتباره وسيلة مشروعة "لنصرة الدين"، وتُعيد تأويل كلّ تناقض على أنّه حكمة ربانية.

لقد نجح الإخوان في تحويل مفهوم ديني كان هدفه اتقاء الخطر، إلى نظام متكامل للخداع، يُغلف المصلحة السياسية بغطاء شرعي، ويحوّل الانتهازية إلى "فقه دعوي." 

فالتقية عندهم ليست لحظة اضطرار، بل هي نهج بقاء. إنّهم يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يعلنون. يبتسمون في وجه المجتمع ويخططون لإعادة تشكيله من الخلف. وبينما يرفعون شعار "الإصلاح والديمقراطية"، يسعون إلى الاستيلاء على الدولة من داخلها.

وهكذا يتضح أنّ "التقية الإخوانية" ليست موروثًا فقهيًا، بل هي أداة فكرية أخطر من السلاح، لأنّها تهدم الثقة بين الدين والسياسة، وتُشرعن الخداع باسم الدعوة. إنّها ـ باختصار ـ مدرسة كاملة في صناعة الكذب المقدّس.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية