التفكير "المتدين" كنمط عابر للتيارات الحزبية العربية!

صورة محمد جميل أحمد
كاتب سوداني وباحث في قضايا الإسلام السياسي
719
عدد القراءات

2018-03-20

ربما كان ما وصفه محمد عابد الجابري ، ذات مرة، بـ "قياس الشاهد على الغائب" كنمط موحد لنظام إدراك التيارات الفكرية العربية المعاصرة، سواءً أكانت إسلامويةً أم حداثوية، حيال تعاطيها مع قضايا الفكر والنهضة، هو أصدق توصيف للكشف عن تجليات نمط التفكير "المتدين" لتلك التيارات جميعها. ذلك أنّ البنية الدكتاتورية المتحولة عن الأوتوقراطية في طبقات نظم الإدراك التقليدية هي التي لاتزال تحكم منطق "التفكير" لكل تلك التيارات التي تعيد إنتاج آلياته باستمرار، ما يفسر مأزق الانسداد في المنطقة العربية ومجتمعاتها!؟ 

وإذا ما بدا اليوم، أنّ التيّار الإسلاموي هو الأكثر عرضة للنقد، لجهة منعكسات التفكير المتدين الفج والماضوي في ممارساته التقليدية من ناحية، والاغتراب الذي ظل يشهده الدين في الأزمنة الحديثة من ناحية ثانية؛ فإن تلك الحالة الاستثنائية للإسلامويين لا ينبغي أن تعمينا عن ملاحظة نمط التفكير "المتديّن" لدى التيارات الفكرية العربية جميعها. والحال، أنّ قياس الشاهد على الغائب، الذي لايزال الإسلامويون يختبرون تجريبه العقيم (لاسيما السلفيون منهم) من خلال السعي وراء إعادة إنتاج حياة إسلامية تاريخية ولَّت ولا يمكن أن تعود، والإصرار على جعلها مثالاً عصياً لإعادة التجريب والاحتذاء بها في زمن حديث ومغاير، لا يناظره إلا قياس التيار "الحداثوي" في المنطقة العربية، ومحاولاته تمثَّل زمن حداثي  غربي، وإعادة دمجه، باستمرار، كمعيار للتمثل في زمن وحياة عربيتين (وهي حياة يحكمها زمن راكد وعلاقات بينية معطوبة في تصورها للذات والآخر) وكانت النتيجة  التي لاتزال ماثلةً، هي: الاستمرار في إعادة تجريب المجرب دون كلل أو ملل! 

أغفل التيار الحداثوي أن يختبر أو يكترث حتى إلى معالجة معرفية فكرية دولية لقضية الدين في المجتمع العربي

ففيما كان الاستعصاء، الذي حكم نمط تفكير الإسلامويين في الأزمنة الحديثة، يعكس إصراراً  على رمي مولود الحداثة الكونية مع الماء القذر، تحول ذلك الاستعصاء إلى عجز بنيوي؛ حيث لم تكن ضريبة ذلك العجز، الذي تعامى عن ملاحظة فرز عقلاني ضروري بين قيم الحداثة، إلا مساراً مديداً من المآزق التي لاتزال تحكم بنية التفكير لدى الإسلامويين.

هكذا، فيما كان التيار الحداثوي العربي يكتشف، في كل نهاية للتقليد، أنه صار أبعد مدى عن صناعة النهضة والتحول الحضاري، عن النقطة التي كان فيها، رغم تقليده المستمر للغرب، أصبحت الإشكالية التي يحيل إليها نمط التفكير "المتدين" عبر آلية قياس الشاهد على الغائب، تبدو أكثر شبهاً بالجميع!

لقد أغفل التيار الحداثوي، تحت الخضوع لقوة الإيمان التقليدي الذي راهن عليه للحاق بالغرب، (وكان هذا التيار هو الأعلى قدرة وصوتاً في الفضاء العام منذ بدايات القرن العشرين) أغفل أن يختبر  أو يكترث حتى إلى معالجة معرفية فكرية دولية لقضية الدين في المجتمع العربي (التفكير في الإصلاح الديني) ؛ فيما كان يحسب، متوهماً، أنّ الدين صار وراءه كجزء من بقايا العالم القديم (ولن يعود ثانيةً) بعد أن تجاوزته الحياة العربية الحديثة، ما أدى، نتيجة لذلك الإغفال، إلى انفجار نزعات التدين التي سميت منذ أواسط السبعينيات الميلادية للقرن العشرين بـ"الصحوة الإسلامية" والتي لاتزال تتفاعل سلبياً وتفتح مآلات المنطقة العربية على مصائر إرهابية عدمية وكارثية، في غياب ذلك الإصلاح الديني الضروري. إنّ من طبيعة التفكير "المتدين": البحث عن مثال أو نموذج  لقياس حيثية الأفكار والأشياء ولاشك أنّ تلك الطبيعة كانت متمثلة في جميع تيارات الفكر العربي المعاصر.

فإذا ما أخذنا الجانب السياسي نموذجاً، سنجد أنّ تجربة الإخوان المسلمين لسنة واحدة في حكم مصر العام 2013 بعد ثورة 25 كانون الثاني (يناير) العام 2011 كانت أكثر من كافية لتبين ذلك النمط من التفكير المتدين ذي الطابع الأوتوقراطي في مقاربة واقع  ثوري معقّد ومتحول، كان في أمسّ الحاجة لتفكير مشترك من جميع القوى السياسية، كأولى  مقتضيات النظر العقلاني.

لكن، في الوقت ذاته، دل تشتت القوى السياسية الأخرى (حيث شوّش عليها ذلك التشتت رؤية المصير السياسي في مواجهة النزوع الأوتوقراطي للإخوان) أيضاً، على ذات نمط التفكير "المتدين" الذي يظهر هنا، مرة أخرى.

حتى اليوم، لاتزال تيارات النخب والقوى السياسية العربية تتعاطى بذلك النمط من التفكير "المتديّن" دون أدنى عبرة يمكن أن تستفاد  من تجارب الماضي المرير، ما دل، بعد ذلك، (إلى جانب الطبيعة المتدينة لنمط التفكير ذاك) على قابلية التماهي مع انعكاسات زمن الاستقطاب والحرب الباردة؛ أي ذلك الزمن الذي ضخَّ ايماناً  جديداً، لليمين واليسار نحو إعادة آليات إنتاج النماذج المأزومة ذاتها.

هكذا يمكننا، على سبيل المثال العثور، على سبب وجيه لغياب ترجمة كتاب مهم مثل كتاب "أسس التوتاليتارية" للفيلسوفة السياسية الكبيرة "حنة آرندت"، الذي لم يترجم إلا بعد نهاية الحرب الباردة العام 1991 لأن التحديق في إمكانية مستقلة لمحاكمة الحقبة السوفياتية وتأطيرها ضمن نقد سياسي في زمن الحرب الباردة، لم يكن متصوراً في سياق النسق الأيدلوجي لليسار العربي. وإذا ما بدا أن الإشكالية راهنة، حتى اليوم ، في مسار إعادة تجديد الانسداد والتمانع الذي تخضع له الحياة في المنطقة العربية؛ أي امتناع السياسة (الذي بدوره يتسبب في امتناعات كثيرة محايثة لجوانب الحياة الأخرى) فإن سبب ذلك، في تقديرنا، يرجع إلى استمرار نمط التفكير "المتدين"  في مقاربة الأفكار عبر البحث عن مثال للقياس، إما من الماضي، كما يفعل الإسلامويون، أو من الحداثة كما يفعل الحداثويون.

في غياب التأسيس لسياق حداثة عربية خاصة بزمن عربي خاص، ستظل الانسدادات تعيق سوية الحياة في المنطقة العربية 

لقد بدا الأمر كما لو أن العرب أصبحوا لا يملكون القدرة على اختبار زمن عربي يؤسس لحداثة عربية خاصة بهم (حتى الحداثات في الدول الأوربية المختلفة جرت من خلال سياقات خاصة).

وبكل تأكيد، أنّ التفكير في مشروع عربي للحداثة الذاتية  يعني، بالضرورة، التفكير في نمط معرفي مشترك ومغاير لنمط الأيديولوجيا، وبالتالي سيحيل، بالضرورة أيضاً، إلى سياق عربي مشترك لامجال فيه للتمانعات التي تفرضها الأيديولوجيا بين يسار ويمين؛ لأن نتائج المعرفة لا علاقة لها بالأيديولوجيا.

وبالتأكيد، كذلك، أنه في غياب التأسيس لسياق حداثة عربية خاصة بزمن عربي خاص، ستظل الانسدادات التي تعيق سوية الحياة في المنطقة العربية مقيمةً في التمانعات، كما لو أنها ضربة لازب.

اليوم، تعيش بعض المناطق العربية زمنا سياسياً يتفسخ، باستمرار، وصولاً إلى الفوضى الشاملة التي لا يمكن الخروج منها إلا باستفاقة نظام الدولة العربية من توهم إمكانية استمرار الوضع، على ما هو عليه وكيفما اتفق، إلى ما لانهاية! فذلك النمط المدمر من التفكير "المتدين" للنخب الفكرية والسياسية، وممارسات الأنظمة العربية وصل اليوم إلى الجدار الأخير الذي ليس بعده إلا الفوضى الشاملة!؟

ذات مرة كتب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح مقالاً مخيفاً في العام 2002 بعنوان  "الانحلال حلاًّ"  ويبدو أن مساراً شبيهاً كالذي تنبأ به ياسين الحاج صالح، سيكون، في ظل هذه التمانعات التي تحكم سقف الحياة العربية المعاصرة!؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: