التعصب والتنمر.. هل من رابط؟

التعصب والتنمر.. هل من رابط؟

مشاهدة

15/07/2020

تخضع المجتمعات في العالم لأنظمة اجتماعية مختلفة، قد تكون صارمة في بعضها؛ تلك الأنظمة إمّا أن تكون سبباً في تقدم المجتمعات وتطورها وحماية حريات الأفراد وحقوقهم، وإمّا أن تسهم في تخلفها وجهلها، وأيّ نظام في العالم الإنساني محكوم بالأخلاق والقانون، لكنه لا ينقطع عن الفوضى والتعصب والعنف، وكذلك الحرية؛ أي إنّ الأنظمة تتأرجح بين التناغم والتنافر، أو بين التناغم والتناقض، وهما؛ أي التناغم والتناقض، مشتقّان من التطور الفكري للإنسان الذي يجمع بين العقلانية والجنون، والعنف والسلام، والحب والكراهية، والبناء والهدم، والحرية والتعصب، إذ لا يمكننا استبعاد الوعي والحرية في المجتمعات المتخلفة، أو استبعاد العنف والتعصب في المجتمعات المتقدمة.

الأنظمة الاجتماعية إمّا أن تكون سبباً في تقدم المجتمعات وتطورها أو أن تسهم في تخلفها وجهلها

والتنمّر، بوجه خاص، شائع في مختلف المجتمعات، المتقدمة منها والمتأخرة، حتى ليكاد يكون ظاهرة عامّة، كالتعصب، وعاهة أخلاقية من عاهات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والتلقين الإيديولوجي، إذ كثيراً ما تكون دوافع التنمّر إثنية أو عائلية أو عشائرية أو مذهبية طائفية، أو حزبية أيضاً.

يرى علماء النفس أنّ التنمّر هو سلوك عنفي عدائي، يمارسه شخص على آخر، أو جماعة على أخرى، أو جماعة على شخص، ويصدر هذا السلوك إمّا عن شعور بالقوة والقدرة على السيطرة، لتوكيد الذات، وإمّا عن عدم تقبل الآخر أو الأخرى. ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح عند الأطفال أكثر من البالغين، وعلى وجه الخصوص لدى التلاميذ والتلميذات في المدارس، وذلك لاستحواذ المتنمّر/ة على سلطة مصدرها الشعور بالتفوق على الآخر، أو الأخرى والقدرة على التحكم به/ـا.

اقرأ أيضاً: تنمر وسرقات وعنصرية... كورونا ينال من أخلاق البشر

حسب تعريف الطبّ النفسي للتنمّر، نستنتج أنه حالة مرضية قد تزول بالعلاج النفسي، أو الاهتمام الأسري بالمتنمر/ة وأقصد (الطفل/ـة)، ومن خلال التعريف السابق أيضاً؛ نستنتج أنّ للتنمّر علاقة وطيدة بالتعصب؛ أي إنّ الفوقية والاستعلاء والاستحواذ على السلطة هي علامات بارزة من علامات التعصب والتصلب بالرأي، وإقصاء الآخر المختلف، سواء كان هذا التعصب لفظياً، أو فعلياً، والفعل هنا هو العنف.

لا يقتصر التنمّر على الأطفال، إنما يتعداهم إلى الأفراد البالغين والبالغات وإلى الجماعات، في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والقومية والثقافية.

لا تنفصل الحياة السياسية عن الحياة الاجتماعية، ولا تقتصر السياسة على السلطة، التي تمارسها مؤسسات الدولة، بل تظهر في الأحاديث اليومية بين الأفراد والجماعات، والتفاعل في المجتمع، فالانتماءات السياسية والدينية والقومية والثقافية، تؤثر في وعي الأفراد وتحدد توجهاتهم وولاءاتهم، لكن، "يبقى الكيان السياسي الواحد هو الإطار الذي يتحرك فيه المواطنون في نضالهم من أجل الديمقراطية"، حسب رأي عالم الاجتماع الشهير "أنطوني غدنز".

تأخذنا مقولة "غدنز" إلى البحث في الوعي الاجتماعي عموماً والوعي السياسي بوجه خاص، للوقوف على معنى السياسة وموقع الديمقراطية وقيمتها في الوعي الاجتماعي، فالفارق بين الوعي في المجتمعات المتخلفة والمجتمعات المتقدمة، هو نفسه الفارق بين الفكر الحر، والفكر المقيد في ظل الاستبداد السياسي والتسلط الاجتماعي، والتسلط الديني، والتسلط الثقافي الذي ينتجه الاستبداد السياسي، والأحزاب السياسية الإيديولوجية.

يصدر التنمر عن شعور بالقوة والقدرة على السيطرة لتوكيد الذات أو عن عدم تقبل الآخر

إذن، كلّ استبداد هو تنمّر، وكلّ تعصب أو تطرّف هو تنمّر، وكلّ وصاية على الفرد الحر هي تنمّر، فوصاية الرجال على النساء واضطهادهن وتعنيفهن كلها من قبيل التنمّر، وتقسيم المواطنين إلى مواطنين وطنيين شرفاء وغير شرفاء، على نحو ما يتردد في خطابات الأنظمة الشمولية، والسلطة السياسية التي تتهم من لا يواليها بالعمالة والخيانة؛ فالإسلامويون يتهمون غيرهم بالزندقة والكفر، والقوميون يتنمّرون على الاشتراكيين، وهلمّ جرا.

إنّ ما يثير مخاوف المثقف، أو السياسي، أو المتعصب دينياً، واجتماعياً ــ وقد لا نعفي المتعصبة أيضاً ــــ هو انتقاص سلطته المتجذرة في أعماقه، فهو مهتم دوماً بالمحافظة على الأنا الذكورية التي لا تتحقق، في نظره، إلا بالهيمنة على المرأة، أو الأنا السياسية التي باتت هوية السياسيين وكينونتهم، أو الأنا الدينية؛ إذ يمارس الرجل سلطته على المرأة على نحو ما يستبطن سلطة المستبد السياسية أو الدينية، ويتماهى معه، فليس من فارق كبير بين المثقف الذي يتهم المرأة الأم بعدم أهليتها لتربية الأطفال بسبب استخدامها الهاتف المحمول على سبيل المثال، أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ وبين السلطة السياسية التي تعتبر التعبير عن الرأي من خلال تلك الوسائل جريمة إلكترونية يعاقب عليها القانون، ولا فرق بين الهيمنة الذكورية على المرأة أو التنمّر المستمر عليها، وبين السلطة الدينية التي تكفّر وتزندق الخارجين عن إرادتها.

اقرأ أيضاً: التنمر بين الأطفال.. ليس مجرد عنف لحظي.. هذه أضراره

هذا كله يشير إلى خطورة الأفكار والقيم البالية التي عشّشت في رأس الفرد في المجتمعات المتخلفة منذ نشأته الأولى، وعلى وجه الخصوص أصحاب العقائد العمياء، أو الإيديولوجيات الدينية والسياسية، التي يظن الفرد أنها خمدت بفعل ثقافته وانفتاحه على الفكر الحديث، إنما سرعان ما تقفز وتطفو على السطح لدى أول اختبار عفوي وغير مباشر، فيتضح ما يختبئ خلف الثقافة المزعومة التي يعبّر عنها خطاب إيديولوجي يتغنى بالحرية والديمقراطية، ويرضي العقل الجمعي الخاضع لعبودية النظُم الاجتماعية التقليدية، وإن صح القول، فإنّ هذا يشير إلى استبدال الهوية الثقافية بهوية جمعية تعاضدية تعتبر نفسها قيِّمة على المجتمع.

ما يثير مخاوف المثقف أو السياسي أو المتعصب دينياً واجتماعياً هو انتقاص سلطته المتجذرة في أعماقه

كلّ ما يقوم على غير النقد والحوار الندِّي بين المختلفين في الرأي، أو الدين، أو الذوق، أو في القومية، هو تنمّر، وكلّ ما يقوم على غير الفصل بين الإنسان وبين سلوكياته ومحمولاته السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية هو تنمّر وإهانة للإنسانية، وكلّ ما يقوم على تعيير الرجل وتعييبه بنسائه هو تنمّر على المرأة وإنقاص من قيمتها الإنسانية وكيانها الحر والمستقل، وقد لا يزول هذا التنمّر إلّا بزوال النظام الاجتماعي المتصلب، وتغيير الأنظمة السياسية الشمولية التي تدّعي الوصاية على مجتمعاتها، وتُجهض أي حراك ينهض بالدولة والمجتمع، ويساهم في تطويرهما، ويسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة بين جميع أفراد المجتمع، (إناثاً وذكوراً)؛ بأنظمة ديمقراطية تؤمن بإرادة الأفراد وحرياتهم، وتستمد شرعيتها من تلك الإرادة، فتتحقق المشاركة السياسية والثقافية والاقتصادية، وتتحقق الحريات الدينية والاجتماعية، من ثمّ، وإلّا ستبقى المجتمعات المتخلفة محافظة على تخلفها، ويبقى الآخر المختلف منبوذاً، ويكون التنابذ هو سيّد الموقف وطريق معبّدة إلى الهاوية.


الصفحة الرئيسية