التطرف.. من الممارسات إلى الجذور

التطرف.. من الممارسات إلى الجذور

التطرف.. من الممارسات إلى الجذور


05/10/2025

حسين القاضي

تتشكل جماعات التطرف في تصوراتها وتصرفاتها ضمن ثلاثة مستويات متداخلة، يمكن من خلالها فهم بنيتها الفكرية، وهذا التقسيم مستمد من دراسة أدبياتها، ومن شهادات وتجارب الذين عاشوا داخلها، ثم قاموا بمراجعات فكرية.

1- (مستوى السطح): ويمثل ما يظهر من ممارسات يومية لهذه الجماعات، مثل القرارات التي تصدرها، والاجتماعات التي تعقدها، والبيانات التي تنشرها، إضافة إلى التعليقات والأحداث.

2- (مستوى القناعات)، وهو أعمق من مجرد الممارسات، لأنه يشير إلى المعتقدات التي صنعت تلك الممارسات والأفعال الظاهرة، فهي القاعدة النفسية والفكرية التي تفسر السلوك اليومي للتصرف.

3- (مستوى المنطلقات)، وهو الأعمق والأخطر، لأنه يمثل الجذور الفكرية والأسس المرجعية التي انطلقت منها القناعات، ومن خلالها يمكن تفسير البناء بكامله، إذ إن الممارسات والقناعات ما هي إلا ثمار لتلك المنطلقات الأصلية.

أمثلة:

* الهجوم على الجيش

السطح: كتابة منشورات أو خطب يهاجم فيها المتطرف الجيش ويتهمه بالخيانة ويحرض عليه.

القناعات: اعتقادهم أن الجيش يحارب الإسلام، لأنه ليس داعماً لتنظيمهم.

المنطلق الفكرى: الحاكمية والتمكين التي ترى أن أي سلطة خارج الجماعة سلطة طاغوتية يجب إسقاطها.

* التفجير أو العمليات الانتحارية

السطح: تنفيذ تفجير في مسجد أو كنيسة أو منشأة عامة.

القناعة: الإيمان بأن من في الداخل مبتدعون أو مشركون أو موالون للطاغوت.

المنطلق: الفهم المغلوط لفكرة الجهاد.

* الهجوم على العلماء:

السطح: إصدار بيانات أو خطب أو منشورات تتهم علماء الأزهر بأنهم علماء السلطان وعلماء الطاغوت ومنافقون ويجاملون الحاكم في الفتوى، وقبوريون ومبتدعة.

القناعة: الاعتقاد بأن هؤلاء العلماء يبررون الظلم، ولا يفقهون الدين بفهم السلف.

المنطلق: إنكار المرجعية العلمية التاريخية للأزهر الشريف، لتكون الجماعة هي البديل.

وقد جمع العالِم الأزهري الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، هذه المنطلقات وردَّ عليها وفنّدها، حيث توصل إلى أن تيارات التطرف بنت أطروحتها على ثمانية مفاهيم أساسية، تفرعت عنها عشرات المفاهيم الجزئية، والمفاهيم الأساسية هي: قضية الحاكمية، وقضية الجاهلية وحتمية الصدام، وقضية دار الكفر ودار الإسلام، وقضية احتكار الوعد الإلهي والاستعلاء بالإيمان، وقضية الجهاد، وقضية التمكين، وعقيدة الولاء والبراء، وقضية الوطن.

وهذه المجموعة من الأفكار إذا غزت العقل: تحول من متدين إلى متطرف، ثم من متطرف إلى تكفيري، ثم من تكفيري إلى حامل للسلاح.

وعند التفتيش عن المنجم الفكري الذي تولدت منه هذه الأفكار -بعد بذرة وضعها حسن البنا مؤسس الإخوان- نجده كتاب: (في ظلال القرآن) لسيد قطب، وقد اعترف بذلك الدكتور يوسف القرضاوي -في مذكراته- حيث قال: «إن فكرة التكفير أصلها سيد قطب في كتاب (في ظلال القرآن) وفي كتب أخرى أهمها كتاب (العدالة الاجتماعية)»، واعترف الدكتور محمد سليم العوا -وهو أحد منظري الحركات الإسلامية- بأن فكر «قطب» أدى إلى نشوء جماعات العنف المسلح المنتمية إلى الإسلام، ومن باب «الجاهلية والحاكمية» لـ«المودودي» و«قطب» أُدخلت إلى الفكر السياسي الإسلامي وإلى العمل الحركي جميع أفكار المقاطعة، والتكفير، والاستحلال، واستباحة الدماء والأموال، وعشرات النتوءات الفاسدة الأخرى التي نسبت إلى الإسلام ظلماً وبهتاناً (كتاب: المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر).

ومن رحم كتاب (الظلال) خرجت كتب العنف والتكفير، والحاصل أن هذه الجماعات لن تموت مهما قلّ تأثيرها ما لم يكن هناك تفكيك قوي ومستمر لهذه المنطلقات الكبرى.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية