التطرف الرقمي: كيف يستغل الإرهابيون منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتواهم؟

التطرف الرقمي: كيف يستغل الإرهابيون منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتواهم؟

التطرف الرقمي: كيف يستغل الإرهابيون منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتواهم؟


08/09/2025

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا جذريًا في أساليب الجماعات الإرهابية والمتطرفة، إذ لم تعد تعتمد فقط على الوسائل التقليدية مثل المنشورات الورقية أو الاجتماعات السرية، بل أصبحت المنصات الرقمية الحديثة وسيلة رئيسية لنشر الأيديولوجيا المتطرفة والتأثير على الجماهير. 

هذا التحوّل الرقمي أتاح لتلك الجماعات الوصول إلى جمهور أوسع، من مختلف الفئات العمرية والجغرافية، في وقت قياسي، مع إمكانيات التفاعل المباشر والانتشار الفوري للأفكار والرسائل الدعائية. إضافة إلى ذلك، أصبح من الممكن قياس تأثير الرسائل الدعائية من خلال التفاعل والمشاهدات، مما يمنح التنظيمات الإرهابية مؤشرات حول فعالية استراتيجياتها.

كما أصبح الإنترنت أداة حيوية للجماعات المتطرفة في تجنيد الأفراد، وتعليم أساليب العنف، والتواصل السري، بل وحتى الترويج لأعمال إرهابية محددة، وقد أتاح استخدام الوسائل الرقمية لهذه الجماعات التوسع خارج نطاق مناطق النزاع التقليدية، ليصل تأثيرها إلى أوروبا، أمريكا، وأجزاء أخرى من العالم، في ظل محدودية قدرة السلطات على الرصد والملاحقة الفعلية. 

ولم يعد الشباب المستهدف في هذه الحملات مجرد متابع سلبي، بل يشارك في التعليقات والمناقشات، ويصبح جزءًا من شبكات مغلقة تتيح توجيه الأفكار وإشعال التطرف بطرق ممنهجة.

في السياق، أصدر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة مفصلة بعنوان: "مكافحة الإرهاب: كيف يستغل المتطرفون منصات التواصل لنشر محتواهم؟"، تناول فيها استخدام الجماعات الإرهابية، ولا سيما تنظيم داعش، للمنصات الرقمية لنشر أفكارهم، وإرشادات العنف، وطرق التجنيد، وتبيان تهديدات هذه الممارسات على المستوى الدولي.

ك 

استغلال منصة TikTok لنشر الدعاية الإرهابية

 

حسب الدراسة، أجرت وحدة البحث عينة من المحتوى المتطرف على TikTok في 27 آب / أغسطس 2025، وحددت 12 حسابًا نشر محتوى متنوعًا من تنظيم داعش. تضمنت المنشورات تعليمات لصنع المتفجرات، المكونات الكيميائية للقنابل، الأسلحة الحارقة، واستخدام الطائرات بدون طيار رباعية المراوح.

وقد وُجد أن بعض الحسابات تفاعلت مع مستخدمين مؤيدين للتنظيم، وخصصت محتواها لنشر رسائل دعائية تحث على العنف بشكل مباشر، بما في ذلك منشور يروّج لهجوم نيو أورلينز في كانون الثاني / يناير 2025، وحصل على أكثر من 900 مشاهدة خلال أربعة أسابيع، وأخرى دعت إلى شن هجمات منفردة في أوروبا والولايات المتحدة، محققة أكثر من 1100 مشاهدة بعد ثمانية أيام من نشرها.

كما أظهرت الدراسة وجود محتوى إضافي من وكالات إعلامية تابعة لداعش مثل "أعماق" و"ناشر"، بالإضافة إلى مقاطع فيديو دعائية ونشرات مكتوبة، ومعلومات عن التكنولوجيا والأمن السيبراني، بما يشير إلى محاولة التنظيم توسيع نطاق تأثيره عبر مختلف وسائل الإعلام الرقمية. 

وقد شمل المحتوى تسجيلات صوتية وأدلة رقمية للمتفجرات، ما يدل على انتقال واضح من الدعاية النظرية إلى التحريض العملي على العنف.

 

طرق المراوغة على المنصات الرقمية

 

وفقًا للدراسة، عمدت الحسابات المؤيدة لداعش إلى استخدام أساليب مراوغة لتفادي الحذف أو الإزالة من TikTok، مثل نشر تحديثات بزاوية 90 درجة، أو تقسيم المحتوى على حسابات متعددة. وكان لدى هذه الحسابات التسعة التي نشرت دعاية لداعش متوسط 665 متابعًا، تراوحت أعدادهم بين 60 و1766، ما يعكس حجم التفاعل مع المحتوى رغم محدودية الحسابات.

أظهرت الدراسة، أيضًا، أن بعض الحسابات أدرجت روابط أو إرشادات للتواصل عبر منصات مشفّرة أخرى مثل RocketChat، لتوفير تعليمات عملية حول تصنيع المتفجرات، أو نقل المواد الإرشادية بشكل سري.

 وقد حرص مستخدمو هذه الحسابات على تشفير الملفات واستخدام أنظمة تشغيل منفصلة للأنشطة القانونية وغير القانونية، ما يجعل عملية المراقبة الحكومية أكثر صعوبة.

 

منصات أخرى: Telegram وRocketChat

 

حسب الدراسة، تبيّن أن قناة Telegram مؤيدة لداعش احتفلت بالذكرى الرابعة لتفجير مطار كابول الدولي في 26 آب / أغسطس 2025، معتبرة الهجوم لحظة مؤلمة لمؤسسة الدفاع الأمريكية، مشيرة إلى استهداف القوات الأمريكية وقوات طالبان والأفراد المتعاونين معها.

كما كشفت الدراسة عن محادثات عبر RocketChat، حيث نصح أحد المستخدمين بتدمير الهواتف والأقراص الصلبة قبل الاعتقال، مع استخدام شبكات VPN مدفوعة أو العملات المشفّرة، وتشغيل أنظمة تشغيل منفصلة للأنشطة القانونية وغير القانونية، وتشفير الملفات، ما يوضح مستوى الوعي التقني لدى التنظيم وقدرته على حماية شبكاته من الاستخبارات. 

وأشارت الدراسة إلى تحذيرات من إمكانية اختطاف الحسابات بعد الاعتقال واستخدامها لنشر برامج ضارة، ما يزيد من خطورة هذه الشبكات الرقمية.

 

ضعف الرقابة على المحتوى الإرهابي

 

إلى ذلك، تشير الدراسة إلى وجود ثغرات كبيرة في قدرة TikTok على مراقبة وإزالة المحتوى الإرهابي، إذ إن 11 من أصل 12 حسابًا مؤيدًا لداعش ظل نشطًا بعد الإبلاغ عنها، وهو ما يعكس خللًا في استجابة المنصة لإشارات التبليغ.

ووفقًا للدراسة، فإن الحسابات لا تقتصر على نشر الدعاية، بل توفّر محتوى إرشاديًا لصنع المتفجرات، ما يجعل عملية الانتقال من التطرف الفكري إلى التحريض العملي أكثر وضوحًا، ويشير إلى الحاجة لآليات رصد أكثر فعالية.

 كما أكدت الدراسة أن استمرار نشاط هذه الحسابات بعد التبليغ يدل على ضرورة تحديث سياسات الرقابة على المنصات الرقمية لتشمل التحليل الذكي للمحتوى والذكاء الاصطناعي.

 

مستقبل التطرف الرقمي واستراتيجيات المواجهة

 

حسب الدراسة، من المرجّح أن تستمر الجماعات الإرهابية في الاعتماد على المنصات الشائعة لجذب المتابعين، مع استخدام تقنيات المراوغة، وتشفير المحتوى، ونقل الرسائل عبر منصات مغلقة.

وقد توصلت الدراسة إلى أن مكافحة هذا النوع من التطرف تتطلب استراتيجيات استباقية تشمل: التثقيف الرقمي لرفع وعي المستخدمين بالمحتوى الخطير، وتفكيك سرديات التطرف ونشر محتوى مضاد يحول دون التجنيد، إلى جانب مراقبة نمو "المجتمعات المغلقة" على تطبيقات مشفّرة مثل RocketChat، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنصات الرقمية.

كما تشير الدراسة إلى أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات المنصات على اكتشاف المحتوى المتطرف سريعًا، إلى جانب تبادل المعلومات بين الحكومات ومزودي الخدمات الرقمية لضمان رصد أفضل وتحجيم تأثير هذه الشبكات. 

وأضافت الدراسة أن زيادة التوعية الرقمية بين مستخدمي الإنترنت، خصوصًا الشباب، تعتبر خطوة أساسية لتقليل التأثر بالدعاية المتطرفة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية