التراخي القانوني يؤجج الصراعات الطائفية في مصر ويهدد العدالة

مصر والطائفية

التراخي القانوني يؤجج الصراعات الطائفية في مصر ويهدد العدالة

مشاهدة

20/03/2018

انفجر الشعب المصري غاضباً في الخامس والعشرين من يناير، عام 2011، ومثّل ميدان التحرير صورة مثاليّة،  التحم فيها المسلم مع المسيحي، في وحدة وطنية نادرة الحدوث، في وطن مثقل بصراعاته الطائفية، مثلت ملحمة المواطنة تلك أبلغ ردٍ على انفجار كنيسة القديسين في ديسمبر 2010، فثار الشعب حالماً بمجتمع يضمن لهم حق المواطنة، والعدالة والمساواة.

إشكالية التمييز الديني والعنف الطائفي
قريتا الجلاء وفرج الله، بمركز سمالوط محافظة المنيا، كانتا مسرحاً مميزاً لجرائم العنف الطائفي، حيث جاء العام 2016، زاخراً بالأحداث التي شهدتها تلك القرى، بدأت بإحراق 4 منازل للأقباط من قِبل جيرانهم المسلمين، وكذلك إفساد نصف فدان من محصول الفول الصويا للمواطن"موريس شحاتة"، فيما تمّ حرق أكثر من قيراطين من محصول الذرة، لمواطن آخر يُدعى"ملاك مينا"، حُررت المحاضر، وجاءت السلطات لعمل إثبات حالة، فيما اعترف الجُناة بفعلتهم، إلا أنّ الجهات المُختصة لم تحرك ساكناً تجاه الجناة، مثلما يحدث  في كل الأحداث الطائفية، في مختلف محافظات مصر، حسبما قال المحامي والناشط محمد رمضان لـ"حفريات"، الذي ذكّر بوقوع أحداث طائفية، "وخاصة في مدن الصعيد، المتخمة بالصراعات الطائفية، وذلك بسبب تفشي التيار الإسلامي المتشدد في تلك البيئة، التي وجدت حاضنة اجتماعية ملائمة، فالنظام القبلي السائد هناك والأعراف الاجتماعية التي تحكم العائلات، تعتبر ملاذاً آمناً لأصحاب تلك الممارسات، كذلك حالة العداء مع السلطات الأمنية، التي تقف حائلاً دون تنفيذ القانون، في كل حادث، يتم تحرير محضر، ويثور المسيحيون، ويحاولون المُطالبة بحقوقهم، أو تعويضهم عمّا فقدوه، من منازل أو أراضي، إلا إنّ أحداً من المسؤولين لا يحرك ساكناً، ولا توجد قوانين نستطيع الاحتكام إليها، وتنفيذها، فالنصوص موجودة، لكن من يستطيع التنفيذ؟".

أحكام القانون عاجزة عن تكريس مفهوم المواطنة في مصر، في مجتمع لا يزال يحظى بطائفية، داخل مجتمع قبلي عشائري

إذا استطعنا السيطرة على أحداث العنف الطائفي، بتفعيل القوانين، والنصوص الدستورية، يمكننا التساؤل إلى أية درجة سنتمكّن من السيطرة على التمييز الديني في مصر، وبإمكاننا التفرقة بين المفهومين، فالتمييز الديني، لا يشترط أن يحمل عنفاً طائفياً، لكنه يتواجد من خلال البنية الاجتماعية، ولا يوجد نص دستوري يحمل تمييزاً دينياً صريحاً، فلا يوجد مادة دستورية تشترط أن يكون وزير الداخلية أو أي وزير لجهة سيادية مسلماً، ولكن العرف السائد يمنع المسيحيين من تقلد تلك المناصب، لذا فإن العنف الطائفي يعتبر أحد أشكال التمييز الديني، وليس تمييزاً في جوهره، ويقع العنف الطائفي نتاجاً طبيعياً للبنية الاجتماعية والأيديولوجية للمجتمع، ويدفعه النظام السياسي قُدماً، وكذلك التراخي القانوني الذي يجعل المجتمع حاضناً لتلك الجرائم، ولا يجد منها حرجاً، فتضيع الحقوق من أصحابها بين جدران"بيت العائلة المصرية"، وتدور دائرتنا المفرغة كما هي، فالمتتبع الجيد للواقع، سيجد الجرائم الطائفية في زيادة، والقانون متخاذل في تحقيق مبدأ المواطنة.

جاء العام 2016، زاخراً بالأحداث التي شهدتها تلك القرى، بدأت بإحراق 4 منازل للأقباط من قِبل جيرانهم المسلمين

بيت العائلة مقبرة الحقوق

في أعقاب حادثة كنيسة القديسين من العام 2010، وقبيل ثورة يناير، أعلن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، عن إنشاء"بيت العائلة المصرية"، مستهدفاً بذلك إنشاء مؤسسة مستقلة، تهدف لإرساء قواعد المواطنة، وتحفز من مفهوم الوحدة الوطنية، والتي ستتكون بدورها، من قيادات كنسية وقبطية، وقيادات مسلمة، دون أن يكون هناك إستراتيجية واضحة لتلك المؤسسة أو ربطها بضوابط دستورية، تسهم في الحفاظ على النسيج الوطني، ولكن ماحدث في أعقاب حكم الإخوان المسلمين، وتوغل تيار الإسلام السياسي في مصر إبّان الربيع العربي يدفعنا للتساؤل: لماذا تتصاعد وتيرة الفتنة الطائفية في مصر دون ضابط؟ هذا ما أجاب عنه الدكتور عمرو عبدالرحمن، أستاذ القانون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة قائلاً:"كانت جلسات الصلح العرفي التي تنعقد لاحتواء النزاعات الطائفية، موضوعاً لانتقاد الأطراف المسؤولة، من السلطات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، ويكمن السبب وراء تصاعد أزمات الصراع الطائفي وزيادة عددها، في عدم تفعيل القانون، وحلول القانون العرفي محل أحكام الدستور. وتلجأ العائلات دائماً إلى ذلك الحل، لما له من ضمانة اجتماعية، طبقاً لأعراف المجتمع القبلي الذي لا زال فارضاً سلطته على صعيد مصر، من هنا يمكننا القول، إنّ الأحكام العرفية وجلسات الصلح، لا تمثل سوى زيادة في وتيرة العنف الطائفي، وفي انتهاك حقوق الإنسان".

أستاذة في علم الاجتماع السياسي لـ"حفريات": جلسات الصلح ساهمت في تعميق الصراع الطائفي وزيادة حدته

تعد جلسات الصلح، بمثابة سد لفجوات عمل أجهزة الأمن والقضاء المتعثرة في مصر، وزاد تعثرها منذ قيام ثورة يناير، إلا أن هذه الآلية كثيراً ما تساهم في تعميق النزاعات الطائفية، خاصة إذا توغلنا في صعيد مصر، الذي يحكمه قانون الثأر، في غياب قانون يساوي بين المواطنين جميعاً، هذا ما أكدّت عليه الدكتورة هدى زكريا أستاذة علم الاجتماع السياسي لـ"حفريات" إذ لفتت إلى أنّ "جلسات الصلح ساهمت، في تعميق الصراع الطائفي، وزيادة حدته، ولعلّ الواقع يخبرنا بذلك، فبينما تتزايد أعداد جلسات المصالحة، تتزايد بالتوازي معها جرائم جديدة، وكأنّ الأمر يولد دوفع انتقامية، لدى أطراف النزاع، ويعطي إشارة خضراء للجناة، بأنّ شيئاً لم يكن، ولن تنالوا عقاباً تخشونه، ومن أمِن العقاب أساء الأدب، فعلى الرغم من الجرائم المتعددة التي شهدتها مصر، في حق مواطنين أقباط، ومنذ عهد مبارك، نجد أنّ هناك تراخياً أمنياً يبدو وكأنّه متعمد، وفي بعض الأحيان"، حين نسترجع ذاكرة العنف الطائفي نجد عام 2010 كان العنف الطائفي قد بلغ ذروته، ففي محافظة قنا، أثناء تجمع للأقباط أمام كنيسة نجع حمادي، عقب قداس عيد الميلاد، مما أوقع 7 قتلى، تبع ذلك الاعتداء، هجوم الأمن على مجموعة من الأقباط، في حي العمرانية بالقاهرة الكبرى، يتجادلون بشأن تحويل مبنى خدمات دينية إلى كنيسة، مما أسفر عن مقتل اثنين من المواطنين.

قبيل ثورة يناير، أعلن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، عن إنشاء"بيت العائلة المصرية"

غياب المساواة

لا يلجأ الناس لجلسات الأحكام العرفية، لأجل سد فجوة أجهزة الدولة فحسب، بل إنّ هناك ضغطاً يقع على الأقباط، من قبل الأغلبية المسلمة، التي ربما تهددهم بمزيد من أعمال العنف، إن استمروا في لجوئهم للقانون، فتخضع الأقلية، للأغلبية الحاكمة، وترتضى صلحاً ظالماً في كثيرٍ من الأحيان، والشاهد على هذا ما حدث في محافظة المنيا، في العام 2013، حين اندلعت اشتباكات بين أبناء قرية الحوارتة(غالبية مسلمة)، وقرية نزلة عبيد (أغلبية مسيحية)، على خلفية رفض مسلمي الحوارتة، السماح لمواطن مسيحي، ببناء منزل على أرض يمتلكها على مشارف القرية المجاورة.
وقع على أثر ذلك الخلاف، 4 قتلى من الجانبين، وعشرات المصابين، فضلاً عن إضرام النيران في عدد من منازل الأقباط، وعقدت جلسة صلح، بحضور مدير أمن المنيا، وتم استدعاء أحد كهنة من محافظة أسيوط، لإعطاء انطباع لحضور الكنيسة، مما دفع الأنبا مكاريوس أسقف المنيا، بإصدار بيان، بأنّ القيادات الدينية المسيحية ترفض الجلسة ولم تشارك فيها، لأنها تعتبر إهداراً للقانون،  في هذا الإطار فُرض على العديد من الأقباط المشاركة في الجلسات العرفية، التي تتحيز في غالب الأحيان للجانب الأقوى، مهما كان شكل الخلاف التي تنعقد لأجله، حيث الخلافات بين المسلمين والمسيحيين دينية، اجتماعية، سياسية، وقضايا الشرف التي تتعلق بالعلاقات بين الجنسين مسلمة مع مسيحي أو العكس.
تظل عدالة القضاء، وأحكام القانون عاجزة عن تكريس مفهوم المواطنة في مصر، في مجتمع لا يزال يحظى بطائفية، داخل مجتمع قبلي عشائري، الحكم فيه للأغلبية والعصبة ذات القوة، والتي ينحاز لها القانون في غالب الأحيان، وتبقى الأقلية المسيحية، منذ انتشار تيار الإسلام السياسي، تصراع الأمواج المتلاطمة، التي جلبها لنا هذا التيار الذي لا يؤمن، كما يرى خصومه، بمفهوم الوطن، ولا يستطيع التعايش إلا مع أشباهه من المستنسخات التي يجلبها الفكر المتطرف.

الصفحة الرئيسية