البطريرك الماروني يحشد المسيحيين ضد هيمنة حزب الله على لبنان

البطريرك الماروني يحشد المسيحيين ضد هيمنة حزب الله على لبنان

مشاهدة

07/07/2020

يقدر سياسيون لبنانيون أنّ تصريحات البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي، أول من أمس، خلال ترؤسه قداس الأحد، قد تكون بداية لحشد موقف مسيحي واضح تجاه سلاح حزب الله، فيما تتداول مواقع إعلامية تسريبات عن وجود دعوة ستطلقها الكنيسة خلال الفترة المقبلة، للكتل السياسية والشخصيات المسيحية المؤثرة في القرار اللبناني، للوصول إلى تشكيل جبهة مسيحية موحدة وأكثر قوة في مواجهة ما تشهده البلد الذي يعاني، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، من انقسام واستقطاب سياسي حاد، خاصة منذ تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة حسان دياب، في شباط (فبراير) الماضي، خلفاً لحكومة سعد الحريري.

الراعي: المسؤولون السياسيون لا يمتلكون الجرأة والحرية الداخلية للالتقاء وإيجاد السبل للخروج من أسباب معاناتنا السياسية التي هي أساس أزماتنا الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية

وخرج الراعي عن تحفّظه المعتاد، وطالب رئيس الجمهورية ميشال عون بالعمل على "فك الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر"، وضمان حياد لبنان. وقال إنّ "أسوأ ما نشهده اليوم هو أنّ معظم الذين يتعاطون الشأن السياسي، لا يعنيهم إلا مكاسبهم الرخيصة ومصالحهم وحساباتهم". وأضاف "هؤلاء السياسيون يريدون إخفاء مسؤوليتهم عن إفراغ خزينة الدولة، وعدم إجراء أي إصلاح في الهيكليات والقطاعات".

وأشار البطريرك الماروني إلى أنّ المسؤولين السياسيين، من مختلف مواقعهم، "لا يمتلكون الجرأة والحرية الداخلية للالتقاء وإيجاد السبل للخروج من أسباب معاناتنا السياسية التي هي أساس أزماتنا الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية".

تصريحات هي الأولى من نوعها

واعتبرت مصادر سياسية لبنانية كلام الراعي، الأولَ من نوعه منذ خلافته البطريرك الراحل نصرالله صفير على رأس الكنيسة المارونية في عام 2011، وفق صحيفة "العرب" التي أوضحت مصادرها أنّ "الراعي اختار توجيه اتهامات إلى حزب الله من دون تسميته، وذلك من أجل رفع هيمنته على مؤسسات الدولة اللبنانية، بما في ذلك رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة اللبنانية التي يرأسها حسّان دياب والتي يتحكّم بها الحزب".

واعتبرت الأوساط السياسية اللبنانية أنّ كلام البطريرك الماروني، الذي تفادى في الماضي أي مواقف حادة، جاء ليؤكد أن لا خيار أمام لبنان غير تحييد نفسه عن الصراعات الإقليمية والابتعاد عن المواقف التي تجعل منه حليفاً لإيران كما يرغب في ذلك حزب الله.

وأشار الراعي إلى أنّ "ثورة شعبنا الجائع والمحروم من أبسط حقوقه الأساسية تستحق الحماية الأمنية لا القمع"، مضيفاً أنّ "الخطر على لبنان ليس من شبابه وشاباته لكي يُردعوا ويُعتقلوا، فهم بناتنا وأبناؤنا وهم زخم التغيير وأمل المستقبل".

وسبق أن ردّ البطريرك الماروني على دعوة حزب الله إلى تغيير النظام اللبناني من منطلق أنّ الصيغة التي تأسّس عليها لبنان انتهت.

وقال في عظة سابقة "نرفض أن تتحول عملية تطوير النظام اللبناني إلى ذريعة للقضاء على لبنان، هذا الخيار التاريخي بخصوصياته. إنّ لبنان الدولة المدنية والشراكة والرسالة موجود منذ مئة سنة. فلا يُخترع (لبنان) اليوم من العدم والفراغ. كان لبنان قبل أن نكون، وسيبقى بعدنا. لبنان أمة موجودة في التاريخ والحاضر، وفي الجغرافيا والوجدان، وقد تأسست بالإرادة والنضال".

الأفق مسدود بين الراعي وحزب الله

مواقف البطريرك الماروني، في مجملها، تؤكد أنّ الأفق مسدود في ما خصّ العلاقة بين الراعي وحزب الله؛ إذ إنّ ردم الهوة يحتاج إلى الكثير من الجهد، كما قال الكاتب الان سركيس، فـ"في عزّ أيام المواجهة التي قادها البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير مع الاحتلال السوري والحلفاء في لبنان لم تنقطع العلاقة بين بكركي وحزب الله، فقد تشكّلت لجنة للحوار بينهما برئاسة المطران سمير مظلوم، لكن ما يحدث منذ مدّة هو أنّ العلاقة تشهد تراجعاً بشكل دراماتيكي".

قانون قيصر سيبقى مستمراً، وكذلك العقوبات على حزب الله. وهناك من يراهن على وصول الحزب إلى قناعة في هذا الموضوع، لكي يبدأ الحديث السياسي الجدي بعدها

ويقدّر الكاتب أنّ النقطة الأهمّ التي أثارت غضب حزب الله من بكركي، تتمثل في موقف الراعي الحاسم والحازم بخصوص عدم المسّ بحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، حتّى ذهب بعض القريبين من "الحزب" بعيداً في اتهام البطريرك بأنه أفشل الانقلاب على سلامة ووضع حرماً كنسياً لا يمكن لأحد تجاوزه، من ثمّ صعد إلى بعبدا مرتين وحذّر رئيس الجمهورية ميشال عون من مغبة المسّ بحاكمية مصرف لبنان.

محاولة الانقلاب على حاكم مصرف لبنان

وأكدت مصادر بكركي لـموقع "نداء الوطن" أنّ ما كان يُحضّر للبلد كبير جداً، إذ إنّ محاولة الانقلاب على سلامة لم تكن بهدف الإصلاح أو التطوير في حاكمية مصرف لبنان، بل إنّ الخطة كانت تقضي بتطيير سلامة ووضع اليد على الحاكمية وتغيير وجه لبنان المالي والاقتصادي، وتعريض البلد لمزيد من العقوبات والحصار، وبالتالي فإنّ الراعي وقف بالمرصاد وسيقف مجدداً إذا تتالت المحاولات.

الراعي ثابت على موقفه في هذا شأن حكم المصرف اللبناني، كما يقول سركيس، "ولن يتراجع لا أمام قوى تملك السلاح ولا أمام قوى حليفة للسلاح تملك مفاتيح السلطة، فموقف الراعي واضح وهو ممنوع المسّ بطبيعة لبنان وأخذه لاتجاهات لا يرضى أبناؤه عنها".

وفي هذا السياق ترى الكاتبة روزانا بومنصف في "النهار" أنّ الكثيرين توقعوا من الرئيس العماد ميشال عون أن يبني البلد لا العكس، فدفع اللبنانيون غالياً جداً ثمن هذه الرئاسة. "فاذا كان من إمكان للإنقاذ، أياً يكن ضئيلاً، فهذا هو الوقت المناسب؛ لأنّ اللبنانيين لا يودون أن يدفعوا ثمن سيطرة الحزب على لبنان، وغير قادرين في الوقت نفسه على إيجاد حل لتملكّه السلاح وفرض نفوذه، فيما أنّ الكباش الذي يقول إنه يجريه مع الخارج بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن إيران ودفاعاً عن نفوذها، قد تجعله يدفع أثماناً كبيرة حتى لو لم يهتم بالثمن الذي يدفعه اللبنانيون".

عقدة لبنان المستعصية

حزب الله عقدة لبنان المستعصية، فالمعطيات المتوفرة تفيد بأنّ تجربة قطبين يستحكمان بلبنان: قطب كبير هو حزب الله، وقطب أصغر هو التيار الوطني الحرّ.. أثبتت فشلها، في نظر الكاتب منير الربيع.

النقطة الأهمّ التي أثارت غضب حزب الله من بكركي، تتمثل في موقف الراعي الحاسم والحازم بخصوص عدم المسّ بحاكم مصرف لبنان، رياض سلامة

 في المقابل، فإنّ من بين ما قد يدفع الحزب إلى تغيير توجهاته بشأن الحكومة هو الاحتساب الدائم لديه لاحتمال الوصول إلى صدام كبير مع التيار الوطني الحرّ. فهو يحرص على التفاهم مع ما تبقى من الشارع المسيحي. حكومة دياب والخلافات حولها أصابت هذا التفاهم إصابات بليغة ومباشرة. ناهيك عن العقوبات الأمريكية والضغوط على التيار الوطني الحرّ التي قد تتزايد، فيما العلاقة مع التيار هي نقطة مركزية يتمسك بها الحزب ولا يمكن أن يضحي بها.

سياسة الحزم الأمريكية مستمرة لا تراجع فيها. وبعض المطلعين، يعتبرون أنّ الانتخابات الأمريكية لن تغيّر من مسار السياسة الأمريكية، مهما كانت النتائج. وبالتالي، فإنّ قانون قيصر، بحسب تقديرات الربيع في "المدن" سيبقى مستمراً، وكذلك العقوبات على حزب الله. وهناك من يراهن على وصول حزب الله إلى قناعة في هذا الموضوع، لكي يبدأ الحديث السياسي الجدي بعدها. فالرهان على أنه بفوز جو بايدن ستخفّ الضغوط، ثمة من يصفه بأحلام اليقظة، وأكثر من يعرف ذلك هو التيار الوطني الحرّ، وهو الذي لطالما راهن على تفاهم أمريكي إيراني يعيد القوة إلى التيار، كالتي أتت بعون لرئاسة الجمهورية. ولكن العاصفة التي يريدها التيار لا تهب مرتين، ومنطق ولايتين رئاسيتين مواليتين لحزب الله لن يتحقق. وهناك من يقول، والكلام للربيع، إنها ستدفن في القصَيْر بفعل قانون قيصر.


الصفحة الرئيسية