البدون: 35 ألف فلسطيني محرمون من حقوق المواطنة

البدون: 35 ألف فلسطيني محرمون من حقوق المواطنة

مشاهدة

30/08/2021

داخل إحدى المستشفيات الحكومية في قطاع غزة ترقد الطفلة نور محسين منذ ثمانية أعوام، بعد أن تعثّر سفرها إلى الخارج لإجراء عملية جراحية لإنقاذها، نظراً إلى عدم توافر الإمكانيات الطبية في غزة، فهي محرومة وعائلتها من السفر؛ كونهم من حملة الهويات الزرقاء، والتي مُنحت للنازحين الذين قدموا إلى قطاع غزة مع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994.

ولا يمتلك هؤلاء بطاقة هوية، مثل باقي المواطنين الفلسطينيين، وما يمتلكونه فقط هو الهوية الزرقاء، للتعريف بأنفسهم داخل القطاع فقط، إذ إنّهم غير مسجلين بالسجلات المدنية الخاصة بالفلسطينيين، وتلك الهوية غير معترف بها خارج حدود غزة؛ وبالتالي لا يتمتعون  بشيء من حقوق المواطنة، و محرمون من السفر، وتلقي العلاج خارج قطاع غزة.

اقرأ أيضاً: تمكين السلطة الفلسطينية ومحاصرة حماس: قطاع غزة يختنق

وبدأت قضية أصحاب الهوية الزرقاء والجوازات المصفرة، والذين أطلق عليهم اسم" البدون"، في فترة  الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة عام 1967؛ إذ كانت ما تُعرف بالإدارة المدنية ترفض إصدار هويات للاجئين الفلسطينيين المقيمين بالخارج بين عامَي 1948 و1967، وكانت الذريعة لذلك أنّ هؤلاء غير مسجلين في السجلات التي تتضمّن أسماء المواطنين الفلسطينيين بالضفة وغزة.

ما يمتلكونه فقط هو الهوية الزرقاء، للتعريف بأنفسهم داخل القطاع فقط

وبعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، عام 2005، أبرمت اتفاقية المعابر بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتمّ حصر المسافرين عبر معبر رفح البري فقط بحاملي بطاقة الهوية الخضراء المعترف بها ضمن اتفاقية أوسلو، دون السماح لحملة بطاقة التعريف الزرقاء بالمغادرة إلا وفق استثناءات محدودة جداً، وأكدت الاتفاقية ضرورة أن يقوم الطرف الأول بإشعار الطرف الثاني بأيّ استثناء، ويلتزم الأخير الردّ على الطلب خلال 24 ساعة، وفي حالة الاعتراض يتم توضيح الأسباب.

بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة أبرمت اتفاقية المعابر بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتمّ حصر المسافرين عبر معبر رفح البري فقط بحاملي بطاقة الهوية الخضراء

وبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة صيف، عام 2007، تعطّلت الاتفاقية الخاصة بالمعابر، ولم يعد للاحتلال الإسرائيلي دور في معبر رفح، وأصبح الأمر متعلقاً بحركة حماس ومصر  التي لا تتعامل إلا بالأوراق الثبوتية الرسمية الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وترفض سفر المواطنين الفلسطينيين الذين لا يحملون بطاقة الهوية الخضراء من خلال معبر رفح ودخول أراضيها، إلا في حالات استثنائية.

ذلّ وحرمان

يقول كمال محسين، والد الطفلة نور، لـ "حفريات": "منذ قدومنا إلى قطاع غزة ونحن نعاني الأمرّين، فلا أحد يعترف بنا، ولا نحصل على وظائف، ولا نتمكن من السفر، وحتى بعض الخدمات لا نحصل عليها، والسبب عدم امتلاكنا بطاقة هوية، لقد عدنا إلى الوطن لنعيش على أرضه بكرامة، لا لنتعرض للذلّ والحرمان من أدنى حقوقنا بالحياة".

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": التصعيد هو السيناريو الأقرب في غزة

ويضيف: "طفلتي تصارع الموت، وتحتاج للسفر إلى الخارج لإجراء عملية جراحية، وطرقت الأبواب كافة لكن دون جدوى، فلم أتمكّن من السفر بها إلى مصر، أو الضفة الغربية عبر حاجز بيت حانون "إيرز"، والسبب عدم الاعتراف بنا كمواطنين درجة أولى، وتصنيفنا على أننا مواطنون درجة ثانية، بسبب عدم امتلاكنا هوية خضراء، أسوة بباقي سكان القطاع".

ويتساءل محسين: "في حال وفاة طفلتي المريضة من يتحمّل المسؤولية عن ذلك؟ حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ 15 عاماً، أم الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبب بمعاناتنا، أم السلطة الفلسطينية التي تتذرّع بالانقسام، ولا تستطيع الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لحل قضيتنا وإصدار جوازات سفر؟ نحن ضحايا التجاذبات السياسية؛ إذ إنّنا محرومون من الحقوق الأساسية التي يحظى بها المواطنون الفلسطينيون".

المتسبّب الرئيس بقضية "البدون" هو الاحتلال الإسرائيلي

ويشير إلى أنّهم في كلّ فترة ينظّمون وقفات احتجاجية ومظاهرات أمام المؤسسات الحقوقية والدولية للمطالبة بحقوقهم، ومعاملتهم كباقي المواطنين، لكن دون فائدة، لافتاً إلى أنّ الفعاليات التي ينظمونها تكون بجهود ذاتية ودون دعم من أحد، والهدف منها نيل حقوقهم كمواطنيين فلسطينيين.

أما إيمان أبو جازية، فتفاصيل قصتها تختلف تماماً عن سابقها؛ فهي لا تستطيع السفر للالتحاق بزوجها الذي غادر القطاع قبل عامَين لعدم حصولها على بطاقة هوية وجواز سفر فلسطيني، فزوجها خارج البلاد، وهي داخل غزة برفقة أبنائها تنتظر أيّ قرار من شأنه أن يجمع شمل عائلتها من جديد.

المتحدث باسم أصحاب الجوازات المصفرة، مثنى النجار لـ "حفريات": المتسبّب الرئيس بقضية "البدون" هو الاحتلال الإسرائيلي؛ وهناك قرابة  35 ألف فلسطيني ليس لديهم رقم وطني

أبو جازية أبلغت "حفريات": "كنت أقيم مع عائلتي بالسودان، وعام 2012، قدمنا إلى قطاع غزة بموجب تصريح زيارة على أن تكون لعدة أشهر، لكن، للأسف، لم نتمكن من العودة إلى السودان مرة أخرى، وذلك لعدم امتلاكنا جواز سفر، أو حتى بطاقة هوية فلسطينية، فكلّ ما نمتلكه بطاقة تعريف وجواز سفر دون أرقام لا قيمة لها".

وتردف: "بعد عدم تمكّني من السفر قرّرت أن أتزوج لأعيش حياة مستقرة، وتزوجت مواطن من غزة يحمل بطاقة هوية وجواز سفر، وبسبب تردي الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، غادر زوجي القطاع، وبعد استقرار أوضاعه حاولت اللحاق به، أنا وأبنائي، لكننا لم نتمكن من ذلك نتيجة التمييز التي نتعرض له، فأنا الآن محرومة من الحرية، وهو شعور أبشع من الغربة".

هناك معاناة أخرى بسبب عدم امتلاك إيمان أبو جازية بطاقة هوية، "فالبنوك العاملة في قطاع غزة لا تعترف بها، ولا تقبل فتح حسابات بنكية لنا؛ فلا نستطيع إنجاز المعاملات البنكية، كما أننا لم نتمكن من استقبال حوالات مالية من الخارج، وذلك بذريعة أنّ تلك البطاقة للتعريف فقط، وليست لإنجاز أيّة معاملات أخرى".

وتبيّن أنّها في كلّ ليلة تذهب بأحلامها بأنّها مجتمعة مع زوجها برفقة أبنائها، ويعيشون باستقرار، لكنّ هذا الحلم يتحول إلى كابوس بعد أن تصحو من النوم وتجد نفسها في غزة، لتردّد السؤال: كيف لي أن أحقق حلمي، وألتقي بزوجي وأنا صاحبة هوية زرقاء وجواز من دون أرقام؟

المتحدث باسم أصحاب الجوازات المصفرة، مثنى النجار، يرى في حديثه لـ "حفريات" أنّ "المتسبّب الرئيس بقضية "البدون" هو الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ إنّه يرفض إصدار جوازات سفر لهم، وهناك قرابة  35 ألف مواطن فلسطيني بالضفة الغربية وقطاع غزة ليس لديهم رقم وطني، و2000 منهم فقط حصلوا على الجواز المصفر، وتم منح الآخرين الهوية الزرقاء".

يضيف: "لا يوجد اهتمام رسمي بقضية أصحاب الهويات الزرقاء؛ إذ إنّه كان آخر حديث حول تلك القضية عام 2009، وبعد ذلك لم يتم التطرق لها على الإطلاق، فجميعهم محرومون من مغادرة القطاع، وإن كان لأغراض إنسانية أو أداء فريضة الحج والعمرة،  وحلّ تلك الأزمة يكون من خلال إصدار هوية فلسطينية "الهوية الخضراء" بدلاً من الهوية الزرقاء حتى يتسنى لهم إصدار جوازات سفر".

الصفحة الرئيسية