الاهتمام السلفي بالمرأة... بين المعارك الآمنة وقلق الحضور

الاهتمام السلفي بالمرأة... بين المعارك الآمنة وقلق الحضور

الاهتمام السلفي بالمرأة... بين المعارك الآمنة وقلق الحضور


12/02/2026

يركز ما يُسمّى بتيار السلفية العلمية أو الدعوية في خطابه الديني على عدد من القضايا، وتُعدّ المرأة أحد أبرز القضايا التي يهتم بها هذا التيار بدرجة كبيرة وملحوظة، فمنذ بدايات انتشاره وتمدده خلال عقد السبعينات من القرن الماضي نلاحظ أنّ "المرأة" وكل ما يتعلق بها من قضايا فرعية أخرى تستحوذ على نسبة كبيرة من الخطاب السلفي، مثل علاقة المرأة بالرجل، واختلاطها بالمجتمع، ولباسها وعملها، إلى غير ذلك من موضوعات يدور حولها ذلك الخطاب. 

وما نودّ تناوله هنا هو البحث عن تفسير لهذ الاهتمام، وما إذا كان يعود إلى اختيار هذا التيار لما يُسمّى بـ "المعارك الآمنة" التي يفضلها عن تلك التي تتطلب صراعًا مع السلطة واشتباكًا مع قضايا أكثر حيوية وأهمية؛ ممّا قد يعرّضه لتداعيات هو في غنى عنها، أم أنّ ذلك يعود إلى نظرة التيار السلفي للمرأة على أنّها مصدر للغواية والشرور في العالم؛ وهو ما يسبب له قلقًا من حضورها؟

معارك التيار السلفي الآمنة

تتعدد مكونات التيار الديني ما بين تنظيمات وتيارات مختلفة، تشترك في عدد من الأفكار، لكنّها تختلف في الأدوات والمناهج التي تعبّر عن هذه الأفكار وتحقق هذه الأهداف، ومن بين هذه المكونات تيار السلفية الدعوية الذي كان يمثله بعض الهيئات مثل الدعوة السلفية بالإسكندرية، قبل تأسيسها حزبًا سياسيًا بعد ثورة كانون الثاني (يناير)، ويمثلها بعض الرموز مثل محمد حسان ومحمد حسين يعقوب والعديد من الدعاة الآخرين، وهذا التيار يشترك مع التنظيمات الدينية الأخرى في أنّ هدفه إقامة مجتمع مسلم ودولة إسلامية وفق نموذج متخيل لديه، لكنّه يختلف عنها في أنّه لا يتخذ من العمل السياسي ولا استخدام القوة أداةً ومنهجًا للتغيير، ولكنّه يعتمد على أسلوب الدعوة والتربية حتى يصل بشكل هادئ ومتدرج إلى الهدف المنشود.

لذلك يركّز الخطاب الديني لهذا التيار على عدد من القضايا الخاصة بالعبادات والأخلاق وبعض المظاهر الشكلية، مثل حجاب المرأة ولحية الرجل، وكل القضايا المتعلقة بالمرأة مثل الزواج والتعدد والقوامة والطاعة والعمل والاختلاط وغير ذلك من أمور.

ويتخذ هذا التيار السلفي منهج الدعوة والتربية لأنّه يرى فيه، رغم طول أمده، الوسيلة المثلى لتحقيق هدف المجتمع المسلم والدولة المسلمة، ومن جانب آخر يرى فيه مسارًا آمنًا يحميه من تبعات العمل السياسي والصدام مع السلطة؛ وهو ما يوفر له المساحة والفرصة اللازمة لتحقيق هدفه ويحقق له في الوقت نفسه حضورًا مستمرًا وتأثيرًا دائمًا في المجتمع، ويسمح له بتكوين قاعدة شعبية كبيرة من راغبي التدين ممّن لا يفضلون نمط التدين الذي يجلب المشكلات والصدامات مع الأنظمة الحاكمة وما يترتب عليها من تبعات، وبذلك يمثل هذا المنهج للتيار السلفي نوعًا من "المعارك الآمنة" التي من خلالها يطرح نفسه كمتحدث باسم الدين وداعيًا إليه ومدافعًا عنه؛ فيكسب بذلك شريحة كبيرة من الجمهور تزداد مع الوقت حتى يحقق أهدافه المتمثلة في المجتمع المسلم والدولة المسلمة، وفي الوقت نفسه يبقى في مأمن من بطش السلطة ومن إجراءاتها تجاه التنظيمات الدينية الأخرى.

المرأة مصدر للغواية 

تصوّر التيار السلفي عن المرأة ونظرته إليها سبب آخر يفسّر ذلك الاهتمام الكبير بها في خطابه؛ فالمرأة وفق المنظور السلفي كائن أدنى درجة من الرجل بحكم الخِلقة والطبيعة، حيث إنّ تكوينها البيولوجي يجعلها أضعف وأقلّ في القدرات والإمكانات من الرجل. يقول أحد الكتّاب الإسلاميين، وهو الأستاذ أنور الجندي، في ذلك: إنّ "المرأة حظها من العقل الذي لم تبلغ به مبلغ الرجل، فُصّل على قدر ما تفهم به نفسها وواجبها ومكان وظائفها في الحياة"، ويقصد بذلك أنّ فهمها قاصر على حدود دورها داخل البيت ولا تستطيع أن تقوم بالأعمال التي يقوم بها الرجل لأنّ عقلها ذو قدرات محدودة، ويوضح ذلك، فيقول: "فما من عمل زاولته المرأة من غير وظائفها الأصلية في البيت وخارجه، إلا وكان الرجل متفوقًا عليها فيه، وخاصة في أمرين من أهم الأمور التي تتميز بها المرأة: إعداد الطعام والتطريز"، ويرى الجندي أنّ المرأة هي المسؤولة عن فساد الأخلاق في المجتمع، وأنّ نوع الملابس التي ترتديها ومدى التزامها بالحشمة هو الذي يضمن الحفاظ على الأخلاق، فيقول: "ولمّا كانت مسؤولية كل مسلم هي المحافظة على أخلاق المجتمع كله، فقد وضع الإسلام ضوابط للزّي: ألّا يكون كاشفًا للعورة، وعورة المرأة الحرة جميع بدنها، وعلى ذلك فإنّ أيّ لباس ينكشف معه شعر المرأة أو ساعدها أو ساقها يُعتبر لباسًا ممنوعًا محرّمًا، لما فيه من دعوة ضمنية إلى الرذيلة والتحلل الخلقي الذي لا يستطيع معه الآخرون الحفاظ على أخلاقهم وأخلاق أسرهم وأبناء مجتمعهم"، وبالتالي يرسخ هذا التصور فكرة مفادها أنّ لباس المرأة وزينتها يتوقف عليهما صلاح المجتمع واستقراره وسيادة الأخلاق الحسنة فيه.

ومن النماذج على النظرة للمرأة كمصدر للغواية والفتنة ما قاله الشيخ الشعراوي في أحد الدروس الموجودة على شبكة الإنترنت: إنّ "من يتآمرون على الإسلام يريدون إخراج المرأة إلى العمل لتكون فتنة، بل إنّهم يرون أنّ ذلك هو السبب في تفكك الدول". وفي كتاب "حراسة الفضيلة" للداعية السعودي بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية سابقًا يرى أنّ "الاختلاط من أسباب انهيار الحضارات وزوال الدول"، وأنّه "سبب لكثرة الفواحش والزنى، ومن أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة". ويرى الداعية السلفي محمد إسماعيل المقدم أنّ المرأة "قابلة لأن تكون أخطر أسلحة الفتنة والتدمير".

من هنا يأتي الاهتمام المبالغ فيه بالمرأة، وما يتعلق بها من لباس واختلاط وعمل... إلخ، من جانب هذا التيار السلفي، نتيجة شعور بالخوف من حضورها كونها مصدرًا للغواية والأخلاق السيئة إذا لم تلتزم بالضوابط المقررة في شكلها وسلوكها.

ونستخلص من هذا أنّ اهتمام التيار السلفي بالمرأة وتركيز خطابه الديني عليها، هو نتيجة الأمرين معًا؛ اختيار مريح لمعركة آمنة ليس لها تبعات، ولكن لها مكاسب كبيرة أبرزها بناء قاعدة شعبية واسعة ناتجة عن صورة ذهنية لهذا التيار بأنّه يدعو إلى الفضيلة ويدافع عن الدين، وكذلك قلق سلفي من حضور المرأة، ناتج عن نظرة سلفية لها على أنّها مصدر للغواية والفتنة! 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية