الانتخابات المغربية: الدرس الأخير في مستقبل التيارات الإسلامية

الانتخابات المغربية: الدرس الأخير في مستقبل التيارات الإسلامية

مشاهدة

12/09/2021

في نتائج وُصِفت بالمدوية أطاح الشعب المغربي الأربعاء الماضي بحزب العدالة والتنمية المنتمي فكرياً للإخوان المسلمين، في الانتخابات التشريعية الأخيرة المغربية، فلم يحصل إلا على 13 مقعداً نصفها، على الأقل، حسب قواعد احتساب القاسم الانتخابي، مما يمثل هزيمة قاسية للحزب الحاكم لفترتين متتاليتين من 2011 إلى 2021.

وبالتزامن جرت انتخابات بلدية متزامنة، حصل فيها حزب "التجمع الوطني للأحرار"، على 102 مقعد في الانتخابات التشريعية، فيما تراجع حزب "العدالة والتنمية" ليحصل على 13 مقعداً بعد نيله 125 مقعداً خلال انتخابات 2016.

طارق البشبيشي: لم يستطع الناخب المغربي تجاوز حالة فشل "العدالة والتنمية" في ملفات تخص متطلبات المواطن

لم يكن سقوط "العدالة والتنمية" في الانتخابات أمراً مفاجئاً تماماً، فقد توقع كثير من المحللين خسارتهم لعدد لا بأس به من المقاعد لا تمكنهم من تكوين الحكومة، فالكاتب والباحث المغربي بلال التليدي توقع قبل الانتخابات بأيام خسارة "العدالة والتنمية" 50 مقعداً، على الأقل، من حصيلته السابقة التي كانت 125 مقعداً، وذلك بمقاله في "عربي بوست"، رغم الخسارة لكن لم يكن أحد يتخيل أنّ تسير الأمور بهذا الشكل، فرئيس الحكومة ورجل الحزب التاريخي سعد الدين العثماني لم يتمكن من الفوز بمقعده في هذه الانتخابات، وكثير من رموز الإخوان فشلوا في الحفاظ على مقاعدهم، ممّا يعني أنّ الأمر تجاوز الفشل السياسي إلى الرفض المجتمعي.

منذ أن أعلن وزير الداخلية المغربي عبد الوافي الفتيت النتائج النهائية، وتبين للجميع حجم السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية، والساحة المغربية مشغولة لفهم ما حدث وتحاول أن تتفهم مستقبل الواقع السياسي للمغرب، ممّا يعني انسحاباً إجبارياً للإخوان من الساحة السياسية، ولملمة جراحهم والاستعداد للمرحلة التالية التي من الواضح أنه لن يكون لهم وجود فيها ولفترة ليست قصيرة.

اقرأ أيضاً: باحث مغربي يكشف لـ "حفريات" الأسباب الحقيقية لهزيمة الإخوان

تُعدّ هذه الانتخابات من الأهمية بمكان، فقد استعدت لها كل الأحزاب المغربية تقريباً، وأنفقت في الدعاية لمرشحيها مبالغ طائلة، هذا وفق سياسة إفصاح تعتمدها شركة فيسبوك بشأن تمويل الإعلانات عبر شبكتها للتواصل الاجتماعي، وقد انتشر الإخوان (العدالة والتنمية) للترويج للحزب بكل قوتهم، لذا اتجهت الأنظار إلى الانتخابات كمحطة مهمة في تاريخ المغرب لها ما بعدها، لهذا حرص عدد كبير من المغاربة على المشاركة في التصويت، وحسب بيان وزارة الداخلية فقد وصلت نسبة الحضور والمشاركة 50.35%، مقابل 42% في عام 2016، أي بزيادة 2 مليون و152 ألفاً و252 ناخباً، ممّا يعني أنّ ثمّة حشداً قوياً واهتماماً بالغاً بهذه الانتخابات.

لم يكن سقوط العدالة والتنمية في الانتخابات أمراً مفاجئاً تماماً بعد أدائهم في السلطة

يرجع الكاتب والباحث المغربي منتصر حمادة هزيمة "العدالة والتنمية" إلى مجموعة أسباب مركّبة؛ منها أسباب خاصة بـ"العدالة والتنمية" وأسباب خاصة بباقي الأحزاب السياسية التي استفادت من أخطاء الماضي، ففي تصريحه لـ"حفريات" قال: "هناك تراكم لعدة أسباب تخص حزب العدالة والتنمية أفضت إلى ما وصل إليه، ومنها الخلافات التنظيمية داخل الحزب، وتأثير اطلاع الرأي العام على بعض القضايا الأخلاقية المرتبطة بمشروع "العدالة والتنمية" للحكم، وأيضاً التباين بين القول والممارسة في التعامل مع بعض القضايا المحلية والخارجية، وسوء تدبير ثنائية الولاء والكفاءة في معرض منح المناصب، والازدواجية في الفعل بين ممارسة العمل الحكومي على أرض الواقع".

اقرأ أيضاً: المغرب يطوي صفحة العدالة والتنمية.. كيف تبدو ملامح المستقبل؟

ويفصّل الباحث المغربي مرئياته التحليلية بقوله: "يُعدّ التصدع التنظيمي للعدالة والتنمية سبباً رئيسياً في الهزيمة، فقد اتضح بشكل كبير في انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2016، وبعد تعيين سعد الدين العثماني خلفاً لعبد الإله بنكيران، أنّ ثمة تيارين يتصارعان داخل الحزب، هذا الصراع شمل قياديي وقواعد الحزب، ممّا ترك آثاره السلبية على تماسك الحزب وسمعته وشعبيته".

الكاتب والباحث المغربي منتصر حمادة

ويضيف: "إنّ التباين بين القول والممارسة في التعامل مع بعض القضايا المحلية والخارجية، مثل "محاربة الفساد" و"تفعيل الديمقراطية"، كان سبباً في انخفاض شعبية الحزب، فهذه معضلة بنيوية عاينها الشعب المغربي مع حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" في فترة "التناوب التوافق"، وكانت أحد أسباب تراجع شعبيته لاحقاً، وأيضاً التناقض في مواقف الحزب وأعضائه من قضية تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية، لأنّ أمين عام الحزب كان ضمن طاقم المسؤولين المغاربة الذين وقعوا على اتفاقيات الشراكة بين البلدين، والحزب كان يتبنّى موقفاً مناهضاً للتطبيع من قبل، ومن النماذج الفجة أيضاً التناقض في موقف الداعية والباحث والبرلماني المقرئ أبو زيد الإدريسي، الذي أعلن عن تجميد عضويته على هامش  (قضية التطبيع)، ولكنه لم يجد في نفسه أي حرج أن يترشح في الاستحقاق الانتخابي الأخير باسم الحزب نفسه، الذي زعم منذ أشهر أنه جمّد عضويته فيه".

اقرأ أيضاً: موت الأيديولوجيا: نهاية تجربة العدالة والتنمية المغربي

أمّا الأسباب الخارجية عن "العدالة والتنمية" التي تعود إلى الأحزاب المنافسة، فيرجعها "حمادة" للحضور الرقمي أو استخدام الفضاء الإلكتروني، ويقول: "من أكثر الأسباب فاعلية والتي سمحت بفوز العدالة والتنمية في السابق سيطرتهم على الفضاء الإلكتروني، وذلك عبر كتائبهم الإلكترونية التي كانت تروّج لهم وتهاجم منافسيهم بضراوة، لكنّ الأمر أصبح مختلفاً في استحقاقات 8 أيلول (سبتمبر) بشكل واضح، فقد نافس حزب التجمع الوطني للأحرار عملياً الحضور الرقمي للعدالة والتنمية بل تفوق عليه".

اتجهت الأنظار إلى الانتخابات كمحطة مهمة في تاريخ المغرب لها ما بعدها

ويستكمل الباحث المغربي الأسباب الموضوعية لخسارة العدالة والتنمية، وهي دور الأعيان في مناطقهم وانصرافهم عن تأييد الحزب، وكذلك الجولات الانتخابية الناجحة التي نفذها حزب التجمع الوطني، بشكل لم ينافسه فيها أي من الأحزاب الأخرى، وكذلك قدرته على استقطاب الشباب".

أمّا الباحث السياسي، طارق البشبيشي، فيرى أنّ "أسباب سقوط العدالة والتنمية يعود أوّلاً إلى نجاح حزب التجمع في كسب ثقة الناخب ببرنامج قوي وممارسة ناجحة على الأرض، إضافة إلى فشل الخطاب الشعبوي لحزب العدالة والتنمية، والفشل في إدارة ملفات المواطن المغربي، لذلك تمّت معاقبته بالتصويت ضده"، مضيفاً في تصريحه لـ"حفريات" قال: "يجب ألّا نرجع هزيمة العدالة والتنمية إلى فشلهم فحسب، بل علينا أن ندرك أنّ ثمة لاعباً جديراً بقيادة الحكومة ظهر في أفق المغرب، وهو حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي استفاد من التجارب السابقة، وقدّم حالات من النجاح لمسها الناخب المغربي، مثل عزيز أخنوش الأمين العام للحزب الذي يتولى منصب وزير الفلاحة والصيد البحري، والذي حقق فيه إنجازات ملموسة".

ويستكمل البشبيشي: "إذا كان حزب التجمع الوطني قد نجح في كسب الناخب المغربي، فالمفارقة أنّ حزب العدالة والتنمية خسر الناخب المغربي بالقدر نفسه، لأنهم قدّموا له خطاباً شعبوياً إسلاموياً قائماً على تسطيح المشكلات، مع إيهام الناخبين أنهم قادرون على حل كل المشكلات من منظور إسلامي بحت وليس من منظور علمي، ممّا استدعى أن يقوموا بتسطيح المشكلات، فمثلاً المشكلة الاقتصادية تم تسطيحها بالادعاء أنّ سببها الفساد، لهذا رفعوا شعار "محاربة الفساد" والحلّ بالعودة إلى الأخلاق، دون تقديم خطة اقتصادية سليمة وحقيقية وواقعية تدرس الفرص والتحديات وتعمل وفق جدول زمني واضح.

يرجع الباحث منتصر حمادة هزيمة العدالة والتنمية إلى مجموعة أسباب مركّبة

 ويضيف الباحث السياسي: "لم يستطع الناخب المغربي تجاوز حالة الفشل في ملفات تخصه، فقد فشل الحزب في تدبير متطلبات المواطن، وتم الضغط عليه بقرارات جائرة، ممّا أثر على شرائح اجتماعية كثيرة، على وجه الخصوص بعد جائحة كورونا وانهيار القدرة الشرائية للمواطن المغربي، والزيادة في الضرائب مع انخفاض في أجور الموظفين، وجمود الترقيات والتوظيف بالتعاقد، والزيادة في أسعار المواد الغذائية والمحروقات، ورفع سن التقاعد وعودة ضرائب السيارات التي كانت تعفى منذ الاستقلال، كلّ هذا شعر بثقله الناخب المغربي وحمله على الحكومة الإخوانية".

اقرأ أيضاً: المغرب: أخنوش يبدأ بتشكيل حكومته... والإخوان يعقدون دورة استثنائية لتقييم الانتخابات

ويرى البشبيشي "أنّ البُعد الإقليمي الرافض للتيارات الإسلامية في مصر والسودان وتونس وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، وذلك بعد عدة تجارب فاشلة، كان دافعاً لإصرار الناخب المغربي على إسقاطهم في الاستحقاق الانتخابي الأخير، ولا ننسى أنّ الإخوان ظهروا مع شيوع فكرة لماذا لا نعطيهم فرصة، لماذا لا نجرّبهم؟ فأعطاهم الفرصة وها هو ذا يسحبها منهم، بعد فشل وسقوط مشروع الإسلام السياسي في المنطقة بالكامل".

تتعدد أسباب سقوط الإخوان في المغرب، ولا يمكن إجمالها نظراً لتراكمها، لكن المؤكد أنّ مستقبل الحياة السياسية المغربية ستسير بشكل مختلف بعد انزواء التيارات الإسلاموية  وخروجها من حلبة السياسة، والعودة إلى الخيار الآمن بقيادة "حكومة تكنوقراط"، فالتجمع يوصف في الحياة السياسية بأنه مخزن للكفاءات الإدارية التي هي بلا توجّه سياسي محدد.

يظلّ الدرس الأخير من المغرب ملهماً في قراءة مستقبل التيارات الإسلاموية في المنطقة العربية، فبعد مصر والسودان وتونس يأتي درس المغرب ليؤكد واقع الأحزاب الإسلاموية في الحكم، سواء حصلت على فرصة قصيرة عامين كما في حالة مصر، أو طويلة تصل إلى 10 أعوام كما في المغرب وتونس، أو طويلة جداً تصل إلى 30 عاماً كما في السودان، كلّ هذه التجارب انتهت بفشل ذريع على كافة الأصعدة، وتسببت في خسائر فادحة تتجاوز إهدار الفرص الاقتصادية لتهديد أمن واستقرار البلاد التي حكموها.

الصفحة الرئيسية