الاعتدال والتطرف: هل نعاني أزمة لغوية؟

الاعتدال والتطرف: هل نعاني أزمة لغوية؟

مشاهدة

10/09/2019

يحتاج الكاتب العربي دائماً إلى أنّ ينشغل بتحرير المفاهيم ليحدد لنفسه ولقارئيه ومحاوريه ومجادليه ما الذي يتحدثون عنه، وأن نكون جميعاً نتحدث عن الشيء نفسه، كما نفهمه جميعاً، وأن نكون في المحصلة مفهومين فهماً صحيحاً.
نستخدم على نطاق واسع مفاهيم ومصطلحات مثل؛ الاعتدال والتسامح والعيش معاً، والتطرف والتعصب والكراهية والإرهاب والقسوة، وفي سياق قريب نستخدم أيضاً الخير والشر والقبيح والحسن والحق والباطل، ويغلب على الفضاء العربي، في الكتابة والجدل، أنّ المفاهيم لها معانٍ متعددة ومختلفة لدى أطراف التلقي والمشاركة، ثم نتفق أو نختلف، لكنّنا، في غالب الأحيان، ننشئ حتى ونحن متفقون أفكاراً ونتائج مختلفة عن بعضها البعض، ليست أيضاً مختلفة الاختلاف المستمد من التنوع والتعدد، لكنه اختلاف مستمد من اختلاف المعاني والمفاهيم والدلالات للكلمة أو المصطلح المتداول.

اقرأ أيضاً: وسطيون متطرفون!
لقد درج جزء كبير ومؤثر من الأدب الفكري العربي على النظر إلى جماعات الإسلام السياسي والتي تعمل سلمياً على أنّها معتدلة، هي اعتبرت معتدلة؛ لأنها تتجنب العنف، أو لأنّها تشارك في الحياة العامة والسياسية تحت مظلة القوانين السائدة، وبالطبع فإنّه أمر جيد أن تتجنب الجماعات العنف، لكن الاعتدال ليس نقيض العنف! فأن تكون جماعة ما غير عنيفة لا يعني أنّها معتدلة، وأن تعمل جماعة وفق القوانين النافذة لا يعني أيضاً أنّها معتدلة؛ فالاعتدال ليس عدم مخالفة القانون!

يحتاج الكاتب العربي دائماً أنّ ينشغل بتحرير المفاهيم ليحدد لنفسه ولقارئيه ومحاوريه ومجادليه ما الذي يتحدثون عنه

ولسوء الحظ فإنّ المعاجم اللغوية العربية والفهم التاريخي والعملي للكلمات والمفاهيم لا تساعدنا اليوم في تحرير المفاهيم والمصطلحات ودلالاتها واستخداماتها وتطبيقاتها، والحال أنّنا نعيش في حالة من الفوضى والخوف "اللغوي"؛ فالمفاهيم المعاصرة حتى وهي منحوتة عربياً هي ترجمة لنظائرها في اللغات العالمية الحية، وخاصة الإنجليزية والفرنسية كما تشكلت في عالمها الأصلي، ثم إنّنا وفي منهجية غير ملائمة حاولنا أن نمنح المفاهيم التي توسعنا في استخدامها لتستوعب الاقتباس العالمي معانيها العربية القديمة التي استخدمت فيها وخاصة في القرنين؛ التاسع والعاشر الميلادي، عندما تطورت نهضة تأسيسية للفكر العربي مستفيدة من تطور صناعة الورق، واستقرت المعاني والاستخدامات للمفاهيم والمعاجم، ولم تتطور على مدى ألف عام، لقد كان ما فعلناه تعريباً يعمل ضد نفسه، ذلك أنّ المفاهيم والمصطلحات كائنات حية  تعكس البيئة والمرحلة التي نشأت أو استخدمت فيها.

اقرأ أيضاً: صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا
هكذا وببساطة لن تفيدنا كثيراً العودة إلى المعاجم اللغوية لتحرير المصطلحات والمفاهيم المعاصرة حتى لو كانت الأوعية اللفظية موجودة، ولن نستطيع تحرير معاني ودلالة "الاعتدال والتسامح والتعايش والعيش معاً، وما يقابلها من تعصب وكراهية وتطرف وقسوة وإرهاب" إلا باقتباس المعاني التي تطورت في عالم المنشأ نفسه، والحال أنّ العالم المعاصر يعيش منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثورة في المفاهيم والمعاني وما ينشأ حولها من تطبيقات وتشريعات وسياسات، وسوف نعزل أنفسنا في هذه الجدالات والمحاولات اللغوية والفكرية التي نلجأ إليها؛ لأنه وببساطة ووضوح لا نملك سوى أن نمنح المعاني والاستخدامات والدلالات التي نقتبسها من العولمة للكلمات العربية، منتبهين للمعاني الجديدة التي صرنا نستخدمها أو نقتبسها، ذلك أنّها استخدامات وتطبيقات ومعانٍ نشأت حتى في عالم الغرب في العقود القليلة الماضية. 

أن تكون جماعة ما غير عنيفة لا يعني أنّها معتدلة والاعتدال ليس عدم مخالفة القانون

ومن الأمثلة الصارخة والمحزنة كتاب "الإرهاب، تعريفه ونشأته وأنواعه" تأليف محمد أبو فارس، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وعضو مجلس النواب الأردني الأسبق؛ إذ يحاول أن ينشئ من الآية القرآنية "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" معنى محموداً للإرهاب، فيرى أنّ الإرهاب نوعان: محمود ومذموم، وقد يكون صحيحاً بالطبع أنّ الإرهاب كان في التطور التاريخي للكلمات والمعاني يحتمل معنى محموداً؛ فالأمم جميعها وعلى مدى القرون الماضية تمجّد العنف وتعتز به، وتبني حوله تراثاً وهويات وأمجاداً وأساطير وتاريخاً مقدساً، لكن هل يمكن أو يناسب في ظل سلطة المعنى التي تنشأ أن نظل متمسكين بالمعنى التاريخي، ونصرّ على تجاهل أو رفض المعاني المتشكلة؟ وبالطبع فإنّه مثال يمتد إلى مصطلحات أخرى كثيرة صارت تُستخدم في مجال الذم أو الاتهام، مثل؛ الأصولية والتطرف والتعصب.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تحويل جهادي إلى مكافح للتطرف
وعلى سبيل المثال، ولا بأس أنّ يكون مثالاً بعيداً عن الموضوع، فقد أخذت مصطلحات الحاسوب والحوسبة معاني جديدة واسعة لم تكن مستخدمة ولا معروفة في اللغة العربية، كما أنّها أيضاً لم تكن معروفة ولا مستخدمة في اللغات الأوروبية، فقد تشكلت للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية معانٍ وتطبيقات في العلم والمعرفة والتكنولوجيا، ولم تعد كلمات الحساب مستمدة من عمليات العدّ أو العمليات الرياضية كالجمع والضرب أو المهن القائمة حولها كالمحاسبة، وفي مستوى آخر حول الكلمة لم تعد مفاهيم الحسبة بالمعنى التنظيمي والديني كالاحتساب أو اليوم الآخر؛ تعكس المفهوم العلمي والتطبيقي المستمد من تحويل الأفكار والمهارات والمعلومات والبيانات إلى برامج آلية، فهل يكون مقبولاً أن يحاول أحد من الناس العودة بمفهوم الحاسوب إلى الاستخدامات اللغوية والدلالية للكلمة نفسها، ويعطي للحاسوب معاني من اليوم الآخر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!

الصفحة الرئيسية