الارتباط البنّاء: قصة دوران الإخوان في فلك واشنطن

الارتباط البنّاء: قصة دوران الإخوان في فلك واشنطن

مشاهدة

08/11/2020

ظلّ أغلب الرأي العام المصري والعربي يرى أنّ الصراع بين تيارات الإسلام السياسي والغرب أزلي؛ بناءً على تصريحاتهم وخطبهم في المساجد ومظاهراتهم الحاشدة المتوعدة، وقد تعاطف كثيرون مع مقولات تلك التيارات ضد الغرب، والتي لا تختلف كثيراً مع التيارات المحافظة في الغرب التي تردد مقولة الشاعر البريطاني روديارد كيبلنج: "الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا"، وأنهما  سيلتقيان، ولكن في ساحات القتال.

هيرمان أيلتس: كان يوجد قناة اتصال منتظمة بين زملائي من الدبلوماسيين الأمريكيين في القاهرة والبنا

لكن غاب عن الرأي العام أنّ مساحة التآلف والانجذاب بين القطبين المتنافرين يزداد، وأنّ التعاون بينهما ممكن والشراكة قد تصبح واقعاً، وستسقط الشعارات المرفوعة والضحايا في سبيل كرسي السلطان؛ شريطة أن ترضى الولايات المتحدة الأمريكية عن تلك التيارات، لتسمح لهم بأن يمرّوا على جثث القتلى وصولاً إلى الحكم.

كيف أسس البنّا العلاقات مع الأمريكان؟

سيزداد عجب القارئ عندما يقرأ كتاب "الوحي الأمريكي، قصة الارتباط البنّاء بين أمريكا والإخوان"، للكاتب الصحفي المصري عبد العظيم حماد؛ إذ سيدرك أنّ العلاقات بين التيارات الإسلامية والولايات المتحدة ليست وليدة الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي، وإنما تعود إلى مقابلة بين الدبلوماسي الشاب هيرمان أيلتس والشيخ حسن البنا في منزل الشيخ محمد سرور صبحان وكيل وزارة المالية السعودية في جدة، كما أكد أيلتس أنه كان يعلم بوجود قناة اتصال منتظمة بين زملائه من الدبلوماسيين الأمريكيين في القاهرة وبين البنا.

غلاف الكتاب

في عام 1953 استقبل الرئيس الأمريكي حينئذ إيزنهاور في البيت الأبيض الدكتور سعيد رمضان ذا الـ27 عاماً، عضو مكتب الإرشاد، وزوج ابنة المرشد الراحل حسن البنا، مع مجموعة من العلماء والناشطين والإسلاميين، وكان السبب الخفي للاجتماع، كما كتب عنه كافري سفير الولايات المتحدة في مصر حينئذ: "إنّ الإخوان المسلمين في مصر، وحلفاءهم في جماعة الإسلام في باكستان، يمكن أن يكونوا حلفاء جيدين ضد الشيوعية، وضد الحركة القومية العربية ذات المنحى اليساري كحزب البعث"، هذا وقد حرص إيزنهاور على وقوف رمضان بجواره تكريماً له.

الإخوان المسلمون وحلفاؤهم بباكستان كانوا حلفاء جيدين ضد الشيوعية والحركة القومية العربية

ويبدو أنّ أروقة وزارة الخارجية قد شهدت جدلاً حاداً حول من هو القادر على التعاون مع الولايات المتحدة لمنع تمدد الاتحاد السوفييتي إلى العالم العربي؟ حيث صرّح برنارد لويس عميد المستشرقين أنّ أرض الإسلام لن تكون تربة خصبة للشيوعية، وأنه يجب على أمريكا ألّا تتوقع ديمقراطية علمانية في العالم الإسلامي، ولكنها يجب أن تساند مستبداً مستنيراً.

أمريكا تُشجع الإسلام السياسي على الاندماج

وبسبب عدم اقتناع الرأي العام بالعداء غير المبرر للاتحاد السوفييتي السابق، فقد برّرت التيارات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، أنّ مقاومة الشيوعية هي مقاومة للصهيونية، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه ورفع أمريكا يدها عن دعم تلك الجماعات وقيامها بحصار ثمّ احتلال العراق، اخترعت تلك الجماعات ما عُرف بـ "الصليبية الجديدة" نكاية في الغرب ورغبة في الحفاظ على التوازن النفسي والسياسي والاستمرار في حشد المؤيدين والمتعاطفين.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهرت كتابات صمويل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما التي تتحدث عن صراع الحضارات ونهاية التاريخ، وقد ظهر إلى السطح سؤال: كيف يمكن تشجيع انخراط  الإسلام السياسي في القيم الليبرالية العالمية؟ وما هي بدائل نظم الحكم الحالية التي شاخ منها الكثير على مقاعدهم؟ ولأنّ الإسلام السياسي هو القوة المؤهلة للحكم بحكم شعبيتها وخطابها العاطفي والحماسي ضد الغرب، لذا وجب استيعاب هذا التيار وتوعيته بقواعد للعبة، وتأتي على رأس تلك القواعد أنّ إسرائيل خط أحمر لن تسمح أمريكا لأحد بالاقتراب منه لعدة دوافع سياسية وتاريخية وثقافية.

استراتيجية الارتباط البنّاء بين أمريكا والإخوان

 ليبدأ مشروع في تموز (يوليو) من العام 2007 بين أمريكا والإخوان المسلمين عُرف بـ"استراتيجية الارتباط البنّاء"، وقد عقد الطرفان عدداً من الاجتماعات ونظّما عدداً من المؤتمرات التي انتهت إلى عدة نتائج؛ أهمها تأسيس الائتلاف الإخواني الكبير الذي يضمّ كل فروع الجماعة في أمريكا تحت مظلة واحدة أُطلق عليها اسم: "المسلمون الأمريكيون للارتباط البنّاء"، وأطلق التجمع مبادرة للتعاون مع الحكومة الأمريكية في مكافحة الإرهاب الدولي بصياغة كل من المعهد الدولي للفكر الإسلامي، والمركز الدولي للدين والدبلوماسية.

واستمرت العلاقات تتوطد مع كل اجتماع يتم ولقاء يُجرى، وبدت الفكرة واضحة في عقول الإخوان المسلمين في أمريكا، وهي تأسيس لوبي إسلامي يحمي مصالح الإخوان المسلمين برضا الولايات المتحدة، ودعم شخصيات بارزة فيها مثل السناتور ماكين الذي أصبح المدافع الأول عن "الارتباط البنّاء" في أروقة الكونغرس، والذي زار مصر بعد ثورة 25 يناير أثناء حكم الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي لإطلاق سراح المحبوسين الأمريكيين على ذمة قضية التمويل الأجنبي الشهيرة.

 برّرت التيارات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان مقاومة الشيوعية بوصفها مقاومة للصهيونية

استطاع الائتلاف الكبير أن ينال عدة توصيات من مجلس الشيوخ؛ منها تسمية الجماعات الإسلامية مثل الإخوان بالناشطين الإسلاميين، وتصنيف جماعة الإخوان كجماعة تنبذ العنف، وكان الذي أعلن تلك التوصيات هي السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة، بالإضافة إلى اعتماد عدد من المراكز الإسلامية الإخوانية كمراكز مؤهلة لتمثيل المجتمع المسلم في أمريكا، وتصعيد عدد من الشخصيات المحسوبة على الإخوان المسلمين في مناصب سياسية بالإدارة الأمريكية.

توأمة المسجد والمعبد

لم يكتفِ الإخوان المسلمون بما يجري، كما أرادت أمريكا المزيد، وكان الأهم طمأنة إسرائيل على أنّ الإخوان، برغم ضجيجهم السياسي فيما يتعلق بفلسطين، سيلتزمون بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولن يتورطوا في مغامرات ضد إسرائيل، وبدأت بالفعل أولى الخطوات في 19 كانون أول (ديسمبر) 2007 بتوأمة بين الجمعية الإسلامية لشمال أمريكا واتحاد اليهود الإصلاحيين في أمريكا وكندا، وقد نصّ الاتفاق على التزام الطرفين بمقاومة إنكار الهولوكوست النازي وظاهرة الإسلاموفوبيا، وعقد منتدى سنوي يجمعهما، ثم تطور الأمر لتنضم مساجد الإخوان المسلمين في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 إلى اتفاقية التوأمة، وتتويجاً لتلك المبادرة فقد نظمت الخارجية الأمريكية رحلة إلى معسكرات الاعتقال النازية لليهود في داخاو بألمانيا وأوشفيتز في بولندا، وشارك في الرحلة 8 من زعماء الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة، وفي نهاية الرحلة وقّع المشاركون على بيان مشترك يدين إنكار الهولوكوست، والاضطهاد الديني، وقد خلا البيان من أي إشارة لمجازر إسرائيل بحق الفلسطينيين.

كيري يبارك الإخوان المسلمين

مع كل خطوة يقترب بها الإخوان المسلمون من أمريكا وإسرائيل، فإنهم يدنون أكثر من كرسي السلطان، وذلك ما حدث بالفعل بعد ثورة 25 يناير من العام 2011 ، حينما أسرع السيناتور الأمريكي جون كيري إلى القاهرة ليقابل محمد مرسي وسعد الكتاتني وعصام العريان في ليلة 10 كانون الأول (ديسمبر) 2011، خاصة بعدما علم أنّ التيار السلفي سوف يكون له مرشح في الانتخابات الرئاسية، وقد يفوز، وهو ما أقلق أمريكا؛ ليحمل معه وهو عائد إلى واشنطن ضمانات إخوانية تتعلق باحترامهم لاتفاقية السلام، لترسو الصفقة على الإخوان التي سيباركها رئيس أمريكا السابق باراك أوباما، واللذان عملا سوياً في الخفاء حتى يجنوا ثمارها، وسيندفع الإخوان في اتجاه المغالبة لا المشاركة ليضربوا بتعهداتهم للمصريين عُرض الحائط.

الصفحة الرئيسية