الدائرة المُغلقة: كيف فشل الإخوان باختبار الديمقراطية الغربية؟

الدائرة المُغلقة: كيف فشل الإخوان باختبار الديمقراطية الغربية؟

مشاهدة

16/11/2020

منذ أربعينيات القرن الماضي تمدد تنظيم الإخوان المسلمين شرقاً نحو العالم العربي والإسلامي، قبل أن يحوّل بوصلته غرباً إلى أوروبا وأمريكا الشمالية في الخمسينيات والستينيات، حيث هاجر الكثيرون من أعضاء الجماعة بعد صراع دامٍ مع الدولة القومية واستقروا في الغرب، وكانت أول تجربة لهم للاحتكاك بتلك المجتمعات وثقافتها المنفتحة.

حاور فيدينو في كتابه شخصيات انشقت عن الجماعة كشفوا عن طريقة تجنيدهم وماذا اكتشفوا داخلها

 غادرت تلك العناصر أوطانها وفي جعبتها أفكار حسن البنا التي استحال تطبيقها على تلك المجتمعات الغريبة، واكتفوا في المرحلة الأولى بتدعيم الهوية الإسلامية؛ مستفيدين من قدراتهم على التكيف مع الظروف السياسية والاجتماعية، وإن جنّدوا نشطاء من الطلاب المسلمين المنتمين إلى الطبقة الوسطى الحضرية.

شيوخ الإخوان ينقذون الجماعة

بسبب الفجوة الثقافية بين المجتمعين؛ أصيب العقل الإخواني حينئذ بصدمة ثقافية لم يعالجها سوى اجتهادات الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة"، حيث ناشد المسلمين الانخراط في مجتمعاتهم وإحداث التوازن بين المحافظة بلا عزلة والانفتاح بلا انصهار كامل، وكان كتابه طوق نجاة لهم وسيقدّم لهم مفهوم "دار الدعوة" كدار ثالثة تختلف عن دار الإسلام ودار الحرب، بحيث تسمح لهم بالعمل الدعوي في تلك المجتمعات.

غلاف الكتاب

سيلعب القرضاوي دوراً مهمّاً عبر كتبه التي سيدرسها أعضاء جماعة الإخوان في أوروبا وأمريكا، مع كتب السوري سعيد حوى واللبناني فيصل مولوي وغيرهم، وستمنح الحكومات الغربية الإخوان المسلمين فيما بعد الثقة في إدارة شؤون الجاليات الإسلامية بتعيين مدرّسي الدين وأئمة المساجد، وسيتلقون المنح والهبات من تلك الحكومات أيضاً.

اقرأ أيضاً: هجمات فيينا توقظ الوحش النائم.. هل بدأت أوروبا حربها ضد الإرهاب؟

تجربة طويلة خاضتها الجماعة في الغرب لتصل إلى تلك المكانة التي كان يمكن لها أن تستمر لولا اندلاع ثورات الربيع العربي التي كشفت عن ماهية الجماعة وأزماتها التي ظهرت للعلن،  وبالتالي أدت إلى انشقاقات داخلها، وسلطت الضوء على تاريخ الانشقاقات داخل الجماعة، وأثارت أسئلة تتعلق  بطريقة إدارة الجماعة لسياساتها وتحيزاتها وخلافاتها.

تشابهت أسباب التخلي من الجماعة فهي وفق الخارجين أقرب إلى تنظيم سرّي تسيطر عليه قيادات عجوز

هذا ما سعى إليه الباحث لورنزو فيدينو مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأمريكية في كتابه "THE CLOSED CIRCLE, Joining and Leaving the Muslim Brotherhood in the West" أو"الدائرة المُغلقة، الانضمام والخروج من جماعة الإخوان المسلمين في الغرب"، حيث حاور فيدينو شخصيات انشقت عن الجماعة كشفوا عن طريقة تجنيدهم في الجماعة، وماذا اكتشفوا داخلها، ولماذا خرجوا، وقد شغلت الشخصيات مناصب مختلفة في الجماعة، من كبار القادة إلى المتملقين الذين عملوا في دول مختلفة وفي أوقات مختلفة.

اقرأ أيضاً: النمسا دقت ناقوس خطر الإخوان في أوروبا

برغم أنّ الشخصيات من بلدان مختلفة وينحدر بعضهم من أصول عربية والبعض الآخر من أبناء الحضارة الغربية، فإنهم يشتركون في عدد من السمات التي دفعتهم للانضمام إلى الجماعة، منها على سبيل المثال الفراغ، والبحث عن معنى، والرغبة في الاندماج في جماعة تخدم المجتمع، وإعجابهم بالطبع بالدين الإسلامي.

خطوات تجنيد العضو

وتنقسم عملية اختيار العضو إلى 3 خطوات: نشر الدعوة، والربط العام عبر التواصل في أنشطة عامة مثل لعب كرة القدم، والصلاة في المسجد وحضور الدروس الخاصة مع الحديث عن الحلال والحرام، ويتم انتقاء الأطفال والشباب الأقرب للجماعة من الأبناء والأقارب، ثم الدعوة الفردية بالتعرف على آرائه واتجاهاته وحياته الخاصة مع ترشيح كتب، وتستمر عملية التجنيد لمدة تصل إلى 3 أعوام.

بسبب دخول الكثير من أبناء القيادات الإخوانية إلى التنظيم سيتم خلق نخبة أرستقراطية تسيطر على كل شيء، مثل عائلات ندى، وهمت، والزيات، والصغير، والقدوس، والحداد. وفي حين أنّ العديد من الآباء مؤهلون، فإنّ هذه الدينامية ستُحبط العديد من النشطاء الذين لا ينتمون إلى أي من هذه الأسر البارزة ورأوا أنفسهم، من وجهة نظرهم، أنّ الجماعة المركزية تجاوزتهم ظلماً.

تفاؤل يعقبه إحباط

رأت تلك الشخصيات وجه الإخوان الهاشّ الباشّ، وتفاءلوا بما يجري داخل المسجد، وبالخدمات التي يقدمها للجالية الإسلامية، وبمرور الوقت تعرضوا لاختبارات غير مباشرة لم يشعروا بها دعمتهم للانضمام للجماعة، حتى جاءت لحظة البيعة حين أقسم الأعضاء على المصحف على السمع والطاعة للمرشد، وقد تدرجوا في العضوية من محب إلى مؤيد إلى منتسب ثم منتظم، وأخيراً إخواني عامل.

بمرور الوقت سقط القناع عن وجه الجماعة وكشف عن ازدواجية تعاني منها

وكانت أسباب الخروج من الجماعة والانتقادات ضدها متشابهة، فالجماعة أقرب إلى تنظيم ماسوني سرّي تسيطر عليه قيادات عجوز من الجيل الأول القادم إلى الغرب، وتفتقد الشفافية والديمقراطية، كما أنّ الجماعة تطبق مبدأ "السمع والطاعة" تطبيقاً صارماً، حيث يمكن للقادة الكبار أن يقرّروا ما يرون بمكالمة هاتفية، متجاهلين الانتخابات والإجراءات واللوائح الداخلية الأساسية، وتسعى تلك القيادات لتسويق نموذج إسلامي عربي يفرض اللغة العربية فرضاً حتى في اجتماعات الأسر الإخوانية، مع سيطرة الاتجاه القطبي على الجماعة، كما أنها تتسم بالبراجماتية الشديدة والهوس بالسرّية، وإنشاء مؤسسات إسلامية تدّعي الاستقلال وتنفي أي علاقة لها بالتنظيم في حين أنها تابعة للجماعة؛ ممّا أصاب الأجيال الجديدة بالإحباط ودفعهم  للدخول في صراع مع الأجيال القديمة والانشقاق عنها.

هوس السرّية

ويرى الكثيرون أنّ الجماعة سوف تتمتع في الواقع بمزيد من النجاح في جهودها للانخراط في المجتمعات، إذا قدمت نفسها على ما هي عليه، ذلك لأنه يُنظر إلى التكتم والسرّية على أنها تخفي جريمة أو تشكل محاولة لإخفاء أجندات خطيرة، ويتفق الجميع على أنها نقطة ضعف استراتيجية كبرى وسلوك مُنفّر، ما يساهم بشكل كبير في إحباطهم وفك الارتباط بالجماعة.

وبمرور الوقت سقط القناع عن وجه الجماعة وكشف عن ازدواجية تعاني منها، فإمام المسجد الإخواني يرفض استقبال ضيوف من كبار السن بحجة أنهم ليسوا شباباً، وبالتالي فالدعوة بينهم لن تكون مفيدة، والكوادر من الإخوان تتصارع على المناصب برغم حديثها الدائم عن الزهد، وتتعالى على باقي المواطنين بحجّة أنهم أصحاب رسالة، كما أنهم ينظرون إلى باقي الجالية الإسلامية نظرة عنصرية.

اقرأ أيضاً: أوروبا وإرهاب الإخوان

وعندما قرر هؤلاء الأعضاء الخروج عن الجماعة أصيبوا بصدمة عميقة من هول ما رأوا من مقاطعة الجماعة تماماً لهم، والدعاة من المنشقين تمّ إلغاء محاضراتهم ودروسهم في المساجد التابعة للجماعة، كما بادرت الأخوات إلى محاولة إقناع زوجات المنشقين بالانفصال عن أزواجهم نكاية فيهم.

ويبدو أنّ المتشائمين على قدر كبير من الصواب، حينما اتهموا الإخوان أنّ هدفهم إضعاف المجتمعات الغربية، والتسلل إلى المؤسسات العامة، وتدمير المجتمع من داخله، وأنهم يتظاهرون بالإيمان بالديمقراطية ظاهرياً فقط.

الصفحة الرئيسية