الاحتجاجات الإيرانية تكسر حاجز الخوف وتنتقل من التعبئة إلى الثورة

إيران

الاحتجاجات الإيرانية تكسر حاجز الخوف وتنتقل من التعبئة إلى الثورة

مشاهدة

04/07/2019

في ظل حالة التعبئة الاجتماعية التي تعيش على إثرها إيران، منذ نهايات العام قبل الماضي، والتي تحولت إلى انتفاضة شعبية، شملت العديد من المدن والمناطق، بلغت نحو 85 مدينة وبلدة، وجذبت فئات وقوى اجتماعية مختلفة، خرجت جميعها في حشود، تندد بالواقع المعيشي والاجتماعي القلق، وتنامي الفساد، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، التي وصلت لنحو 35%، بحسب أرقام رسمية، صادرة عن البرلمان الإيراني، فإنّ سؤالاً صعباً، يتردد، باستمرار، وسط هذا المشهد المعقد والمتداخل، حول مآلات وسيناريوهات تلك الأحداث، وتوصيفها السياسي الدقيق، وتحديد العناصر المنتمية لها، والتي يتحدد من خلالها مدى قدرتها على تغيير النظام، وتقديم رؤية وبديل مختلفين، وإلى أي حد تختلف تلك الانتفاضة عن سابقتها، سيما "الثورة الخضراء"، العام 2009.
ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب

تآكل شرعية النظام في طهران
"يسقط مبدأ ولاية الفقيه". كان هذا الشعار أحد هتافات المحتجين، والتي تبلورت ضد النظام وسياساته، بصورة كاملة، كما عبرت عن ذلك شعارات وهتافات أخرى، من بينها: "الملالي يعرفون ذلك.. سيتم إسقاطهم قريباً" و"الجمهورية الإسلامية.. لا نريد.. لا نريد". تبدو تلك المقولات الراديكالية، تحمل معارضة تامة للنظام، لعدم تلبية تطلعاتهم، والمتسبب في سوء الأحوال المعيشية، وضعف المستوى الاجتماعي، سواء فيما يتصل بغلاء الأسعار، وعدم توافر الوظائف للشباب، بالإضافة إلى تعرض بنية وخطاب النظام السياسي إلى التآكل وفقدان الشرعية، والتي لم تعد لها نفس التأثيرات على الأجيال الجديدة.

شرط اندلاع الثورة هو قدرة المحتجين على الانتقال من الطور الفئوي الذي يحدد مسار التعبئة الاجتماعية إلى عمل منظم

بيْد أنّ الجسم الاجتماعي للانتفاضة، يكشف عن أزمة بنيوية داخل الجمهورية الإسلامية، ويعري فجواتها العميقة، وبينما يمهد لحدث ثوري، وتغيير جذري، لكنه، حتى الآن، في مواجهة مفتوحة، وغير حاسمة، يقف في مواجهة نظام يبدو في شيخوخته، ويهدد بقاءه، بدون قدرة على عزله. 
وبحسب دراسة لآصف بيات؛ أستاذ الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط، بجامعة إيلينوي الأمريكية، فإنّ فقراء الطبقة الوسطى الذين يقعون في قلب العملية الاحتجاجية، هم من يمثلون الشريحة التي تتكون على تخومها حالة الغضب المستعرة، والتي نشأت بفعل الانفتاح الاقتصادي، ودخوله العصر النيوليبرالي، الذي ترتب عليه "ترك رفاه الشعب لرحمة السوق".
ثورة أم احتجاج.. ما طبيعة الطبقة؟
ويوضح بيات في دراسته التحليلية، التي يشرح من خلالها طبيعة الطبقة التي تؤثر على الأحداث، وتفرض مآلاتها ونتائجها، وتحدد مساراتها الأولية، أنّ تلك الطبقة الغاضبة، التي تقع في أدنى سلم الطبقة الوسطى، وعلى حدودها الدنيا، استفادت من التعليم، غير أنّها لم تحظ داخل سوق العمل إلا بالإخفاق، وفقدت في ميادينه كل توقعاتها، ما جعلها في حالة قلق وتململ، وعدم استقرار، الأمر الذي يجعلها مرشحة للصدام مع السلطة، بخلاف الشرائح الأخرى من الطبقة الوسطى.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. الشارع ينفجر في وجه الملالي
ويضيف: "ليست احتجاجات العمال أو المحرومين من الحقوق نادرة، ولا مستجدة في شوارع إيران. فمنذ التسعينيات، كان العمال يخرجون في احتجاجات بسبب الأجور، ومعاشات التقاعد، والتسريحات المؤقتة، وضد النقابات المستقلة، وآثار اللبرلة الاقتصادية، والتي جعلت العمل أكثر تشظياً وتهلهلاً وهشاشة، لكن نجد اليوم أنّ قرابة ٨٠ في المئة من مجموع العمال في إيران يعملون بعقود مؤقتة غير مضمونة".
لذا، تؤكد دراسة لكيفان هاريس في جامعة كاليفورنيا، أنّ ما يربو على٤٠٠ احتجاج تقريباً، قد وقع في العام ٢٠١٥، و٣٦٠ احتجاجاً حدث في العام ٢٠١٦، كما انطلق قرابة ٩٠٠ احتجاج منذ آذار (مارس) العام ٢٠١٧.
 أزمة بنيوية داخل الجمهورية الإسلامية

الشباب والملالي
ويشير بيات إلى مفارقة تتمايز بها تلك الفئة الطبقية، والتي نالت حظها من التعليم، حيث إنّ الطفرة الحقيقية جاءت من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، التي فرضت انفتاح هؤلاء الشباب، بعد حصولهم على الشهادات الجامعية، على عوالم مختلفة، وامتلاكهم معلومات عن العالم من حولهم، ومعرفتهم بأحوال الطبقة الوسطى، لكنه في ظل كل المقاربات المعرفية والخبرات التي اكتشفوها أو اطلعوا عليها، هيمن عليهم واقعهم الكابوسي، بفعل الحرمان الاقتصادي، واضطرارهم للانخراط في وظائف متدنية، وغير مستقرة، كسائق أو بائع.
يعيش هؤلاء الشباب في ضواحي المدن والعشوائيات، رغم ارتباطهم المهني بمركز المدينة، لكنهم يعيشون في أطرافها. لذا، تظل تلك الطبقة لاعباً محورياً في السياسة الراديكالية، بحسب تعبير الباحث الأمريكي.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. الخطوة المهدورة هل تتكرر؟
وفي العام 2014، كشفت دراسة أجرتها وزارة التنمية المدنية في إيران، أنّ عدداً كبيراً من المواطنين، يعيشون في المناطق العشوائية، بنسبة تقدر بنحو 20 في المائة، وهم في الأصل من سكان المدن، ويرزحون تحت ظروف اجتماعية وطبقية بائسة وفقيرة، من حيث الدخل المادي المتواضع الذي يحصلون عليه، ومواردهم الضعيفة، التي تتلاشى أمامها أي فرصة نحو الاستقرار، بحسب الجهة الحكومية الرسمية، والتي رصدت نحو أربعة ملايين متخرج جامعي إيراني، يبقون عازبين لمدد طويلة.
ومثلما كان في مصر في عقد التسعينيات، حين انخرطت شرائح من هذه الطبقة، في حركات تعبر عن سخطها وانحيازاتها، في تيارات قومية أو يسارية، وذلك قبل اللجوء إلى الميادين قبل الربيع العربي والنزول للشوارع، فقد وجدت تلك الطبقة من يمثلها سياسياً، ويعبر عنها، وهو الأمر الذي وقع مماثله العضوي، في تونس، لكن في إيرن فقدت الطبقة المتضررة أي تمثيل سياسي لها، وهو ما اضطرها إلى تمثيل نفسها في الشارع، عبر الاحتجاجات الجارية والمستمرة، منذ كانون الأول (ديسمبر) العام 2017، حيث لم يتوافر لهؤلاء الشباب أدنى تمثيل، لا من خلال الإسلاميين، كما يشير بيات، أو اليسار الذي اختفى تماماً.

 

فقدان التمثيل السياسي والتعبئة في الشارع
ومن جهته، يحدد الدكتور محمود أبو القاسم، الباحث في الشأن الإيراني، عدداً من السيناريوهات لهذه الاحتجاجات؛ إذ يرى أنّها مرشحة للاستمرار، في ظل الأوضاع المعيشية المتردية، وعدم الاستجابة لمطالب المحتجين، لكنها ستبقى في حدودها الفئوية، حيث سيعمل النظام على محاصرة الاحتجاجات، بحيث لا تنتقل العدوى لشرائح أخرى، كما أنّ النظام الإيراني مازال قادراً على المناورة، والتغلب على العقوبات الأمريكية، في ظل إصرار القوى الدولية على الالتزام بخطة العمل المشتركة، وهو ما يوفر لها الحد الأدنى الذي يحول دون انهيارها الاقتصادي، ومن جهته، يستثمر النظام تلك العقوبات بخلق خطاب سياسي، يعبر فيه عن وجود مؤامرة، وبالتبعية، تصبح ذريعة قوية، لمزيد من القمع وإعادة إنتاج شرعيته.

احتجاجات العمال أو المحرومين من الحقوق ليست نادرة في إيران فمنذ التسعينيات كان العمال يخرجون في احتجاجات بسبب الأجور

ويتوقع أبو القاسم، في تصريحه لـ"حفريات"، أن تتحول عملية التعبئة إلى "عملية ثورية، ترافقها تغييرات جذرية، على غرار ما تعرضت له إيران من ثورات خلال القرن العشرين، خاصة، في ظل العوامل المتراكمة على أكثر من مستوى، مثل: تراجع مستوى النمو الاقتصادي، والتكاليف الضخمة التي يتكبدها النظام، بسبب ما ينفقه على مشاريعه الخارجية في اليمن وسوريا، وتأثيراتها السلبية محلياً، وهروب الاستثمارات من السوق الإيراني، في ظل العقوبات الأمريكية، وتراجع قيمة العملة وسعر صرف الدولار، ناهيك عن تآكل الأطروحات الأيديولوجية للنظام، وهو ما يمكن تمثل جانب منها، في تململ البازار الذي اصطف إلى جانب المحتجين، وضعف روابط الصلة والتحالف مع رجال الدين، وبروز تصدع وخلافات عميقة بين الحلفاء الدينيين والسياسيين من داخل النظام".
والشرط الرئيس لحدوث هذا التحول، واندلاع الثورة، برأي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، هو قدرة المحتجين على الانتقال من الطور الفئوي، الذي يحدد شكل ومسار التعبئة الاجتماعية، إلى عمل جماعي منظم، يرفع الوعي العام بأهمية التغيير، وجذب شرائح شعبية مختلفة في الحراك؛ وفي الحالة الأخيرة، سيكون اللجوء لأنماط من العمل السياسي والثوري، كالعصيان المدني والإضراب، أكثر فعالية وتأثيراً، في الوصول لنتائج مختلفة، والحصول على أرض سياسية حقيقية.

الصفحة الرئيسية