الإسلام والداروينية عند أمين خولي

الإسلام والداروينية عند أمين خولي

مشاهدة

01/11/2018

استطاعت النخبة العلمية العلمانية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، على يد شبلي شميل، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، أن تشرح وتنقل الداروينية، وكانت تنظر إلى نظرية التطور بوصفها فلسفة اجتماعية، وفلسفة للتنوير والتقدم، وكانت النظرية محلّ خلاف كبير بين تيارات الثقافة العربية، بين مؤيد ومعارض، لكنّ الغريب أن تستخدم مقولة التطور كأداة لتطوير الفكر الديني عند الشيخ أمين الخولي؛ حيث درّس أمين الخولي مقرّر الأخلاق في جامعة الأزهر، وألّف كتابه عن "الخير"، وأعطى فيه اهتماماً بارزاً لداروين، ورأى أنّ مذهب النشوء والارتقاء هو مذهب طبيعي للبحث في الحياة، ونشوء الأنواع، وكيف تمّ ذلك، وهو يقرر ذلك وفق نواميس مضطردة، تجري على المعنويات جريانها على الماديات؟ ولهذا عمّ تطبيقه في سائر فروع المعرفة، ومظاهر الحياة البشرية؛ فالمبادئ الأساسية للداروينية، وهي ناموس البقاء للأصلح، وانقراض ما عداه، وناموس الانتخاب الطبيعي الذي يعني استخراج التغايرات العرضية في العوالم العضوية كافة، نافياً ما كان منها مضراً، مبقياً على ما كان صالحاً، ولهذا فإنّ قوة الانتخاب الطبيعي تعمل في حركتها وسكونها عملها الدائم ما سنحت الفرصة في كلّ زمان ومكان، لتهذب الكائنات بما يلائم طبيعة حالات الحياة المحيطة بها، ما اتصل منها بالحياة العضوية، وما اتصل بغير العضوية، وفي ظلّ الانتخاب الطبيعي يكون هناك تنازع بين الأحياء للبقاء،  ولا يستمرّ إلّا ما هو صالح يملك مقومات الاستمرار.

النشوء وسنّة تطور الحياة

تتّضح أهمية نظرية التطور في دورها في الكشف عن دور الزمن، في سنّة النشوء والتدرج، ودور البيئة في تطور الحياة الإنسانية (المحيط العام)؛ لهذا رأى الشيخ أمين الخولي ضرورة أن تعمم هذه النظرية للنظر إلى الوجود ككلّ؛ فإنّ سنّة النشوء والارتقاء مضطردة تعمل في الوجود كله، وجميع الأفراد، والأعمال، والأمم، وتغير حاجاتها الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، تجري على هذا النظام باطراد؛ لهذا فإنّ نظرية التطور تنطبق على حياة الشعوب، ولا يوجد شعب يعيش في برج عاجي، ولا ينفذ إليه أثر ما حوله؛ فالعالم دائم التفاعل في حياته، وخاضع في ذلك لسنن النشوء والارتقاء والتدرج، والتأثير والتأثر، ولهذا يرفض الباحثون اليوم التسليم بأنّ أمة قد بدلت بين عشية وضحاها حالاً بحال، وانتقلت من ضلال إلى هدى، أو من جهل إلى علم، أو من تناحر إلى سلام، ما جعلها صالحة للبقاء، فلا بدّ من أن تسير في مجرى الحياة تدريجياً، جرياً على سنن النشوء والارتقاء.

نلاحظ أنّ الخولي يرفض التعارض المزعوم بين الإسلام والتطور، وأنّ هذا التعارض هو نتيجة للإسرائيليات المدخَلة في ثقافتنا

ويتّضح مدى تأثير الاتجاه العلمي العلماني في أمين الخولي في تأثره بالداروينية؛ حين نعرف أن الخولي قد اشترك مع سلامة موسى في تأسيس جمعية "المصري للمصري" للأهداف الوطنية، وكذلك فقد كان للخولي مناظرة مشهورة مع إسماعيل مظهر حول طبيعة الشخصية المصرية.

وقد حاول الخولي أن يقرب بين الإسلام والداروينية، ورأى أن ما يبدو من تعارض بين الإسلام ونظرية التطور، فإن ذلك لعمل أوزار الغير، كالتزامنا بتفاصيل التوراة في الخلق والنشوء والأحياء، مع تقرير تحريفها وبطلانها، وما هذا الالتزام إلا إكراه لآيات القرآن الكريم، أن تؤدّي معاني تلك التفصيلات، مضافاً إليها الشروح الإسرائيلية، وبهذا الالتزام نقرر مخالفة المذهب للإسلام، ومن هنا نلاحظ أنّ الخولي يرفض التعارض المزعوم بين الإسلام والتطور، وأنّ هذا التعارض هو نتيجة للإسرائيليات المدخَلة في ثقافتنا.

النزعة الداروينية عند أمين الخولي

يتّضح أثر الداروينية في فكر أمين الخولي، حين نرى أثر المنهجية التطورية في الفكر التجديدي لديه، وذلك في شتى القضايا التي اهتم بمعالجتها في كتاباته.

اقرأ أيضاً: ما أسباب أزمة البحث العلمي في العلوم الإنسانية بمصر؟

ومن خلال تأثر الخولي بالنزعة التطورية، سعى إلى تقديم محاولة في الإصلاح، والتجديد الديني، حتى يساير الدين حركة الحياة، والتجديد مهم للإسلام؛ لأنه ليس دين عبادة فقط، وإنما هو نهضة دينية ومدنية معاً، والإسلام يتسع من جهة هذه الغاية للتجديد في كلّ زمان؛ لأنه إذا كانت غايته النهوض العام بالإنسانية، فوسائل النهوض تسير في طريق الارتقاء، ولا تقف عند حدّ معيّن لا تتعداه، ولهذا كان من الضروري أن يساير الإسلام حركة الزمن والتاريخ، فيقول: "إنّه الدين الذي يصلح لكلّ زمان ومكان، فذلك لأنّه يساير كلّ زمان ومكان، ولن يصلح للمسايرة بصورة واحدة لزمان واحد، ومكان واحد، فكيف إذا كان هذا الزمان منذ مئات السنين!"، فكان أمين الخولي يرى أنّ أقوى الأشياء هو الزمن، فأيّ تغيير يستدعي تطوراً أكثر مما تستدعيه دعوة حياة تريد لنفسها أن تعمّر ذلك العمر الأبدي في الأمكنة كلّها، مع هذه الأزمنة على طولها.

من خلال تأثر الخولي بالنزعة التطورية، سعى إلى تقديم محاولة في الإصلاح، والتجديد الديني، حتى يساير الدين حركة الحياة

والتجديد عند الخولي هو حماية للدين، وجعله مسايراً لتغيرات الحياة، ويبدأ التجديد عند الخولي من استيعاب القديم وتجاوزه "فأول التجديد قتل القديم فهماً"، وضرورة التحرّر من الماضي، والتقيّد به، والوقوف عند حدوده التي وقفت بطبيعة الأمور عند المستوى العقلي والاجتماعي لأهل هذا الزمن الماضي، ويتجه التجديد بعد ذلك من خلال إدراك الكليات العامة التي جاء بها الإسلام، وتقديم رؤية مستنيرة لها، وفق ظروف المجتمع ومتطلبات الواقع.

اقرأ أيضاً: هل أسهم العقل الفقهي في إعاقة تأصيل الحداثة؟

ويرى الخولي أنّ هناك بعض الأسانيد التي تسهم في ربط الإسلام بحركة التطور الحادث في المجتمع، وتساعد في تجديده وفق كلّ زمن وهي:

1- أنّ الإسلام دين تخفَّف من الغيبيات، واهتمّ بإدراك السنن والنواميس الكونية.

2- عدم تورّط الإسلام في كتابه (القرآن) في بيان شيء عن نشأة الأرض والحياة عليها، ويدع ذلك لاكتشافات العلم.

3- عدم تورّط الإسلام في تفاصيل تاريخ الأمم والرسل، وعرضه لأحوالها جملة.

4- اقتصار الإسلام في تنظيم الحياة العملية على الأمور الكلية، والأصول العامة الشاملة دون التفاصيل المفردة، والجزيئات الصغرى.

5- أهمية مبدأ الاجتهاد في الإسلام؛ فالاجتهاد هو الانطلاق مع الحياة، وفاءً بجديد حاجاتها.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية