الإسلام بين الدين الكامل والنظام الشامل

الإسلام بين الدين الكامل والنظام الشامل

مشاهدة

25/06/2018

الإسلام نظام شامل يشمل كلّ مظاهر الحياة، فكرة مركزية يعتمد عليها الإخوان المسلمون في مشروعهم الفكري، للوهلة الأولى تبدو هذه الفكرة مدحاً للإسلام، باعتباره شاملاً، لكن في حقيقة الأمر هي لغم كبير من ألغام الإخوان المسلمين، فقد عدّ الإخوان الإسلام نظاماً، في حين أنّه دين، والفارق بينهم كبير.

إنّ أول من استخدم هذا المصطلح؛ كان حسن البنا في "رسالة التعاليم" التي كتبها عام 1937، كرسالة خاصة غير منشورة لأعضاء التنظيم السري المسلح، التي يقول فيها: إنّ الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.

أراد حسن البنا أن يؤسس لعمله السري، انطلاقاً من فكرة شمولية الإسلام، حتى يدفع أتباعه إلى قبول العمل المسلح، باعتباره طريقاً لتحقيق الإسلام الغائب، فأساء للإسلام أكثر مما أفاده، وانتقلت الفكرة من حسن البنا والإخوان المسلمين إلى كافة التيارات الإسلاموية، التي تلقتها دون تمحيص أو كشف، لما تحتويه من تناقضات، تبناها أعضاؤها وهم يظنون أنهم يخدمون الإسلام، فكثفوا حديثهم عن شمولية الإسلام واحتوائه كلّ الأنظمة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودبجوا الكتابات المختلفة والمتنوعة لإثبات الأنظمة الإسلامية.

أراد البنّا أن يؤسس لعمله السري انطلاقاً من فكرة شمولية الإسلام ليدفع أتباعه إلى قبول العمل المسلح

فكرة أنّ الإسلام نظام شامل، قد تبدو في ظاهرها لصالح الإسلام، والحقيقة أنها ضدّ الإسلام، وتنقصه ولا تزيده، فهي تذهب بالإسلام إلى مسار مختلف، فكون الإسلام نظاماً يعني بالضرورة أنّه يمتلك أنظمة واضحة ومحددة من عند الله، وهذه الأنظمة لا يجب أن يتجاوزها المسلم، وإلّا أثم، كما يعني امتلاك النص القرآني بالضرورة للتفاصيل الدقيقة لكل مفردات الحياة اليومية للإنسان والمجتمع والدولة، على مرّ العصور، وهذه التفاصيل لم ولن توجد في الإسلام المنزَّل (القرآن الكريم)، ولو وجدت لفقد الإسلام حيويته، فأهمّ ما يميز الإسلام ابتعاد القرآن الكريم عن التفاصيل واعتماده على العموميات، ولعلّ أصدق مثال على هذا؛ غياب تفاصيل النظام السياسي في الإسلام، والأخبار التي وصلتنا عن العهد الراشدي (الذي يعدّه المسلمون أفضل العهود على الإطلاق) يؤكد أنّه لم يكن هناك نظام سياسي واضح في النص القرآني، يمكن أن نطلق عليه شكلاً من أشكال الحكم، أو حتى شكلاً من أشكال انتقال السلطة؛ فالطريقة التي تولّى بها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ليست هي الطريقة التي تولى بها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولا هي الطريقة التي تولى بها عثمان بن عفان-رضي الله عنه- ولا تلك التي تولى بها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وليس أدلّ من أنّ النظام التشاوري في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكن نظاماً محدد المعالم والملامح، وواضح جداً غياب القيم الحاكمة والقواعد التي لا يمكن تجاوزها؛ فعند الحروب التي خاضها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في بداية الإسلام، تمسك أبو بكر برأيه أمام كثير من الصحابة الذين لم يوافقوا على هذه الحروب، وأشهرهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحتى عندما تولى عمر الحكم من بعد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- نفذ ما رآه صواباً، بعيداً عن منظومة التشاور المعتمدة وقتها، فقد أقرّ للقبائل بأن تحتفظ بالزكاة، شرط أن تصرفها في مصارفها، من المؤكد أنّ عمر بن الخطاب اختلف في طريقة حكمه عن أبي بكر الصديق، فقد أبطل عمر، بصفته حاكماً سهم المؤلفة قلوبهم، ومنع أبا بكر بعض الصحابة من كتابة الأحاديث، ومنع عمر الصحابة من الخروج من المدينة، والأمثلة أكثر من الحصر، كلّها قرارات فوقية دون وجود نظام يحكمها أو يديرها، فأين  النظام  المنضبط في كل هذا؟! لا نملك نظاماً متكاملاً محدد الأركان والملامح، ولا تحت أيدينا أية قواعد منظمة لاتخاذ قرارات مصيرية في الدولة، اذاً ما يمكن أن نخرج به؛ هو أنّ علينا أن نصنع نحن نظامنا، وأن نبتكر تلك القواعد، مسترشدين بالمقاصد العليا التي لن يختلف عليها البشر، إذاً أنظمة الدولة هي فقط نتاج احتياجات البشر، وهي اجتهاد إنساني محض، يتغير شكله وملامحه بتغير البشر وبتغير الظروف، وهي ملك البشرية جمعاء، يستفيد منها من يريد، وينحصر دور الإسلام في احتواء هذه الأنظمة الإنسانية وهضمها، وإخراجها بما يليق بالمجتمع، بحسب أوضاعه وتوجهاته وتحدياته.

المصيبة أنّ الإسلامويين يزعمون امتلاك كلّ التفاصيل مع الإيمان بأنّها صالحة لكلّ زمان ومكان

المصيبة؛ أنّ الإسلامويين يزعمون امتلاك كلّ التفاصيل، مع الإيمان بأنّ هذه التفاصيل صالحة لكلّ زمان ومكان، وهي فرض من الله، واتباعها واجب والتخلي عنها إثم، وهذه التفاصيل لو اتبعها المسلمون لصلح حالهم وحال مجتمعاتهم وحكوماتهم، وهنا مكمن الخطر، الإسلام يضمّ القيم العليا فقط دون تفاصيل، والقيم العليا تصنع للمسلم منظوراً للحياة، وهذا المنظور يرسم العلاقة بين الفرد وربّه، تأسيساً على الآية الكريمة: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29)، والآية: { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (مريم: 95)، والآية: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} (الإسراء: 13)، ويرسم العلاقة بين الفرد ونفسه تأسيساً على الآيات الكريمات: { وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21)، وفي الآية: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} (النازعات:40)، وبين الفرد والآخرين في الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: آية8)، فالإسلام (كدين) يعني أنه يضمّ الإرشادات الكبرى والقيم العليا للإنسان، وبهذا المنظور يمكن أن نؤسّس لمجتمع متسامح، يتقبّل الآخر، ويؤمن بالعدل والقانون، وينشغل ببناء نهضة جديدة، أما التماهي مع فكرة أنّ الإسلام نظام، فهذا يؤسس لدولة دينية يسيطر رجال الدين فيها على مناطق التفكير الجمعي، وإجبار المجتمع على تقبل منتجات الفقهاء الفكرية على أنها الإسلام، ويؤدي إلى تأسيس مجتمع متعصب ومتشدد متناحر، فالتفاصيل كثيرة ومتغيرة، لا يمكن الاتفاق فيها، وبالتالي كل فريق سيرى تفاصيله هي الدين، وهي الحق الذي بعده الضلال، ومن هنا ينشأ الصراع الداخلي بسبب التفاصيل التي عدّوها ديناً، لم يأتِ الإسلام ليعطينا تفاصيل، كما أنّ الإسلام لا يحتاج إلى أن يكون شاملاً؛ بل يحتاج إلى أن يكون كاملاً، من الواضح أنّ فكرة "الإسلام نظام شامل" جاءت لتقتل فكرة أنّ "الإسلام دين كامل"، أو على الأقل لتحلّ محلها.

القرآن انصبّ اهتمامه على إعداد الإنسان ليكون صالحاً لهذا ترك مساحة مفتوحة له ينظم بها حياته

وهذا الذي لم يفهمه حسن البنا؛ فالإسلام انصبّ اهتمامه، عبر النص القرآني، على إعداد الإنسان ليكون إنساناً صالحاً، لهذا ترك مساحة مفتوحة للإنسان ينظم بها حياته، وفق المبادئ العليا التي رسخها الإسلام فيه، فكان من السهل على المسلمين أن يجدوا نظاماً رومانياً في تنظيم الجيش، فيقتبسونه ويطورونه، أو يروا نظاماً فارسياً في تدوين الدواوين، فينقلونه حرفياً إلى المجتمع الإسلامي المبكر، ولا يجدوا غضاضة في هذا؛ فالمعيار كان دائماً منظور المسلم في استخدامه لهذا النظام أو ذاك.

الصفحة الرئيسية