
تمثل خطوة تكليف القيادي الإسلامي علي الصلابي مستشارًا لملف المصالحة الوطنية في ليبيا، بتكليف من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، نقطة محورية في مسار الارتباكات السياسية والتعقيدات الأمنية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد، شهد خلاله المشهد الليبي انقسامات وفوضى واسعة.
مناورات الإسلام السياسي في ليبيا: توازن الصلابي مقابل تشدد دار الإفتاء
يكشف هذا القرار عن خطورة تدخل رجال الدين في السياسة ودلالات تأثير قوى الإسلام السياسي على معادلات النفوذ والصراع، خاصة في ظل بروز تصريحات متشددة من بعض ممثلي تيار دار الإفتاء ضد قيادة الجيش في بنغازي شرق ليبيا، في حين يظهر خطاب الصلابي متوازنًا وناعمًا، متصالحًا مع جميع الفاعلين، وهو ما يبرز أدوارًا متوازية لانخراط الإسلام السياسي في المشهد السياسي والأمني.
في هذا السياق، قال القيادي الإسلامي الليبي علي الصلابي، في مقابلة تلفزيونية بُثّت نهاية الشهر الماضي: إنّ الليبيين يعانون ضيقًا اقتصاديًا واجتماعيًا نتيجة الابتعاد عن ذكر الله وتطبيق الشريعة، وذلك عقب تعيينه مستشارًا لملف المصالحة الوطنية في البلاد التي تعيش انقسامًا وحروبًا وفوضى منذ نحو خمسة عشر عامًا.
وأوضح الصلابي، أمين الاتحاد العام للمسلمين، خلال حديثه على قناة (ليبيا الأحرار)، التي تبث من إسطنبول بتمويل قطري، أنّ رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي طلب لقاءه أثناء زيارته إلى الدوحة للاستماع إلى رؤيته بشأن إدارة ملف المصالحة الوطنية.
بينما قال سامي الساعدي، القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة وأمين عام دار الإفتاء التي يترأسها الصادق الغرياني في العاصمة طرابلس: إنّ المصالحة الشرعية في ليبيا مشروطة بإقرار من وصفهم بـ "المعتدين" بأنّ قتلاهم في النار، إضافة إلى تجريدهم من قوتهم العسكرية.
ويُعرف الساعدي بمواقفه المعادية للجيش، فقد دأب في تصريحات سابقة على تصنيف القوات المسلحة الليبية ضمن ما يسمّيه "المعتدي الغادر".
إلى ذلك، قال عبد الله الغرياني: إنّ قرار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بتكليف علي الصلابي مستشارًا لشؤون المصالحة الوطنية لم يكن مفاجئًا، مشيرًا إلى أنّ خلفيات هذا التكليف معروفة منذ وقت طويل داخل المشهد السياسي الليبي.
وأوضح الغرياني في حديثه لـ (حفريات) أنّ علاقة المنفي بالتيارات الإسلامية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى مراحل سابقة، مبينًا أنّ أسماء بعينها، وفي مقدمتها علي الصلابي، كانت حاضرة بقوة منذ مرحلة تشكيل قوائم ملتقى الحوار السياسي، رغم إدارتها للمشهد من خارج الإطار الرسمي للملتقى.
جدل داخلي وإقليمي: العلاقات مع قطر وتركيا وأبعاد القرار
وأشار إلى أنّ هذه العلاقة ظهرت بوضوح خلال عضوية المنفي في المؤتمر الوطني العام، حيث انخرط في كتل سياسية عُرفت حينها باسم "الوفاء للشهداء"، وهو تحالف إسلامي متشدد، ولم يُخفِ دعمه لقراراتها.
وفي قراءته لكواليس القرار، يرى الغرياني أنّ تكليف الصلابي يأتي في سياق سياسي متحوّل، تزامن مع صعود دور القيادة العامة للجيش كفاعل رئيسي في المشهد. وبيّن أنّ اختيار الصلابي تحديدًا يرتبط بعلاقاته الإقليمية، خاصة مع قطر وتركيا، وهو ما يمنحه حضورًا في واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، وهو ملف المصالحة الوطنية.
وشدّد المصدر، الذي عايش تداعيات الإرهاب بشكل مباشر، على أنّ سجل الصلابي يثير كثيرًا من علامات الاستفهام، موضحًا أنّ مراحل سابقة شهدت انتهاكات جسيمة ارتبط اسم الصلابي بها، من خلال دعمه لتشكيلات مسلحة متطرفة، من بينها ما عُرف بـ "سرايا تجمع الثوار" التي كان يقودها شقيقه إسماعيل الصلابي، المطلوب إقليميًا.
وأضاف أنّ منح الصلابي صفة رسمية داخل المجلس الرئاسي يفتح أمامه مساحة أوسع للتحرك السياسي، ومحاولة تحقيق أهدافه عبر خطاب مرن قائم على إعادة التموضع داخل المشهد.
وعن موقف بنغازي، أكد الغرياني أنّ شريحة واسعة من الضحايا والمصابين من الإرهاب ترفض هذا القرار، معتبرين أنّ تكليف الصلابي يمثّل خطوة غير موفقة، لأنّه ـ بحسب تعبيرهم ـ يضع من كانوا طرفًا في الصراع على رأس ملف يُفترض أن يُدار بروح العدالة والإنصاف.
ولفت إلى أنّ رئيس المجلس الرئاسي يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنّه طرف غير محايد في الصراع السياسي، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد بدل تهدئته.
وأضاف أنّه تلقى دعوة من أحد المقربين من المجلس الرئاسي للانضمام إلى مشروع المصالحة الذي يستعد الصلابي لإدارته، لكنّه يرى أنّ هذا المسار، وفق المعطيات الحالية، متجه نحو الفشل.
وفي سياق موازٍ، أشار الغرياني إلى أنّ الحكومة والبرلمان في بنغازي أطلقا عدة مبادرات، من بينها مشروع إيقاف الاقتتال في مدينة مرزق جنوب البلاد. ونوّه إلى مبادرات القيادة العامة للجيش، حيث قامت وحدات رئاسة أركان الوحدات الأمنية، بالتعاون مع مكتب المحامي العام، باسترجاع المنازل والشقق التي تركها مناصرو مجلس شورى بنغازي خلال المواجهات المسلحة، في خطوة عُرفت برفع المظالم، وشكّلت بادرة حسن نية تجاه هؤلاء المواطنين.
وبيّن صاحب كتاب "اغتيال على طريق الحرية" أنّ رغبة المنفي في تحقيق استحقاق المصالحة الوطنية، كما ورد في مخرجات حوار جنيف، يمكن فهمها سياسيًا، غير أنّ تكليف الصلابي يذهب بالملف نحو مزيد من التعقيد بدل الحل.
من جانبه أكد الباحث الليبي صلاح العبار على خطورة ما قام به المجلس الرئاسي نحو اختيار شخصية الدكتور علي الصلابي كمستشار لملف المصالحة الوطنية. وقد أشار العبار إلى أنّ هذا القرار أثار جدلًا واسعًا في الرأي العام، وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، وكذلك في أوساط المثقفين والسياسيين، نظرًا لما تحمله هذه الشخصية من طابع خلافي واضح.
العبار : تكليف الصلابي يزيد الخلافات ولا يعزز المصالحة
بيّن الباحث في حديثه لـ (حفريات) أنّ أسباب هذا الجدل تعود إلى ما يُتداول عن انتماء الدكتور علي الصلابي إلى تيار يُعدّ الأقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى مواقف سابقة وتفسيرات فكرية اعتبرها البعض مخالِفة لنهج الحكومة في شرق ليبيا وبرقة، التي تخضع لقيادة القوات المسلحة العربية الليبية.
وأوضح أنّ الخطاب الصادر عن الدكتور الصلابي، المتعلّق بالسعي إلى مصالحة شاملة وعودة المهجّرين، تضمّن دعوات لإبرام صفقات صلح بين المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية، وبين بعض العائلات التي هُجّرت من بنغازي، بما في ذلك عائلات كانت، بحسب توصيف بعض الأطراف، مؤيدة لجماعات متطرفة.
وفي هذا السياق، أوضح العبار أنّ الساحة الليبية شهدت انقسامًا حادًا؛ إذ برزت تيارات عدّة، من بينها جماعات تكفيرية مثل أنصار الشريعة وداعش، إلى جانب تشكيلات مسلحة أخرى وُصفت بأنّها قريبة أو مدعومة من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. وفي المقابل ظهرت أيضًا أصوات رافضة للمصالحة من داخل بعض التيارات الإسلامية نفسها، وصلت إلى حد صدور فتاوى تُحرّم الصلح مع القيادة العامة للقوات المسلحة.
هذا الواقع، بحسب العبار، كشف عن تناقض واضح في موقف الدكتور علي الصلابي، الذي يشغل صفة مستشار للمجلس الرئاسي، بين دعوته إلى المصالحة من منطلق شرعي يقوم على التحاكم إلى القرآن والسنّة، وبين رفض أطراف إسلامية أخرى لهذا المسار.
وفي المقابل شدّد الباحث على أنّ القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية سبقت الجميع عمليًا في ملف المصالحة، حيث دخلت منذ سنوات في مشاريع تهدف إلى لمّ الشمل، وفتحت الباب أمام عودة كل من يرغب في الرجوع إلى بنغازي أو غيرها من مدن الشرق، مع السعي إلى معالجة قضايا الممتلكات التي صودرت أو تضررت خلال فترات الحرب.
وأوضح أنّ القوات المسلحة عملت على جمع الليبيين من مختلف القبائل في الشرق والغرب، تمهيدًا لعقد مؤتمر وطني شامل للمصالحة. وضمن هذه الجهود جاءت لقاءات رئيس الأركان الفريق خالد حفتر مع شباب من مصراتة، من مقاتلين وأفراد كتائب، في مدينة سرت، حيث وُصف الحوار حينها بالمثمر، وأسّس لعدد من نقاط الالتقاء، لا سيّما في الجانب العسكري.
إضافة إلى ذلك، أشار العبار إلى مبادرات فريق صدام حفتر في الجنوب الليبي، من خلال الاجتماعات مع القبائل، ودعم تلك المناطق اقتصاديًا واستثماريًا، بهدف إنهاء الخلافات، سواء كانت قبلية أو غيرها، وترسيخ مسار المصالحة الوطنية.
وبشكل عام، أكد الباحث الليبي أنّ مجهود القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية يعكس حرصًا حقيقيًا على لمّ شمل الليبيين، كان آخره تشكيل لجنة خاصة للمصالحة الوطنية، كُلّفت بمتابعة ملفات الراغبين في العودة إلى الشرق وبرقة، والعمل على إعادة الحقوق لأصحابها وحل الإشكاليات القائمة.
وختم العبار بالتأكيد على أنّ باب القيادة العامة مفتوح لكل الليبيين، ولكل من لديه مظلمة أو حق، في ظل حماية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في برقة. وأشار إلى أنّ صدور قرار من المجلس الرئاسي بشأن المصالحة ليس أمرًا جديدًا بحد ذاته، لكنّ الجديد ـ والمثير للجدل ـ هو اختيار شخصية ما تزال محل خلاف واسع في المشهد الليبي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B17_0.jpg.webp?itok=_NEWjZUr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)