"الإسلام السياسي" وتحوُّلات الأمن العربي: قراءة في مرحلة ما بعد الانحسار

"الإسلام السياسي" وتحوُّلات الأمن العربي: قراءة في مرحلة ما بعد الانحسار

"الإسلام السياسي" وتحوُّلات الأمن العربي: قراءة في مرحلة ما بعد الانحسار


27/05/2026

شهد العالم العربي، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تحوُّلات سياسية وفكرية عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة والدولة، ودفعت كثيرًا من الحركات الإسلامية إلى مراجعة خطابها وأدواتها التنظيمية وموقعها داخل المجال العام. فمنذ صعود تيارات "الإسلام السياسي" بوصفها أحد أبرز الفاعلين في المجالين؛ السياسي والاجتماعي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وصولًا إلى مرحلة "الربيع العربي"، وما أعقبها من صدامات وتحوُّلات وانقسامات، بات السؤال المتعلق بمستقبل هذه الحركات وعلاقتها بالأمن القومي العربي أحد أكثر الأسئلة حضورًا في الدراسات السياسية المعاصرة. في هذا السياق تأتي دراسة "مستقبل المنطقة العربية الأمني في ظل انحسار تنظيمات الإسلام السياسي (1990-2022)" للباحثين: هاني أحمد الشبول ومحمد سليم الرواشدة وأيمن صالح البراسنة، المنشورة في مجلة "دراسات للعلوم الإنسانية والاجتماعية" الصادرة عن الجامعة الأردنية عام 2024، بوصفها محاولة لقراءة التحوُّلات التي أصابت بنية الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وتحليل انعكاساتها على مستقبل الأمن والاستقرار السياسي في العالم العربي.  

تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أنَّ العقود الأخيرة شهدت تراجعًا نسبيًّا في حضور بعض تنظيمات "الإسلام السياسي" التقليدية، مقابل بروز أنماط جديدة من العمل السياسي الإسلامي تقوم على الانخراط في الديمقراطية، وقبول التعدُّدية السياسية، والمشاركة في الحكم، واحترام الحريات العامة، فضلًا عن إعادة التفكير في العلاقة بين المجال الدعوي والعمل الحزبي والسياسي. ومن هنا، تسعى الدراسة إلى الإجابة عن سؤال محوري يتمثل في: ما مستقبل المنطقة العربية أمنيًّا في ظل انحسار تنظيمات الإسلام السياسي؟  

ترى الدراسة أنَّ أهمية هذا السؤال لا تنبع فقط من الحضور التاريخي الواسع للحركات الإسلامية في المجال العربي؛ بل من كون هذه الحركات لعبت أدوارًا مؤثرة في إعادة تشكيل المجالين، السياسي والاجتماعي، خلال العقود الماضية، سواء عبر المعارضة السياسية، أو من خلال المشاركة الانتخابية، أو حتى عبر الوصول إلى السلطة في بعض التجارب التي أعقبت أحداث "الربيع العربي". واعتمد الباحثون في بناء الدراسة على المنهجين: الاستقرائي والتحليلي؛ إذ عملوا على تتبع نشأة حركات "الإسلام السياسي" وتطورها التاريخي وأسباب صعودها وانحسارها، إلى جانب تحليل أثر هذه التحوُّلات على الأمن القومي العربي ومستقبل الاستقرار في المنطقة. وحدَّدت الدراسة إطارها الزَّمني بين 1990 و2022، باعتبار أنّ هذه المرحلة شهدت بدايات التحوّل نحو ما يُعرف في الأدبيات، السياسية والفكرية، بمرحلة "ما بعد الإسلام السياسي"، وركّزت مكانيًّا على المنطقة العربية مع الاستعانة بعدد من النماذج العربية الأكثر ارتباطاً بهذه التحوُّلات.  

الإسلام السياسي بين المفهوم والإشكاليات  

تُخصّص الدراسة جانبًا مهمًّا من معالجتها لتفكيك مفهوم "الإسلام السياسي" بوصفه مفهومًا مُركّبًا ومتعدّد الدلالات، يجمع بين البُعدين؛ الديني والسياسي. وتشير إلى أنَّ المصطلح لا يُستخدم باعتباره مجرد "توصيف إعلامي"؛ بل باعتباره "إطارًا فكريًّا وتنظيميًّا" يقوم على توظيف المرجعية الإسلامية في المجال السياسي، والسعي إلى إعادة تنظيم المجتمع والدولة انطلاقًا من تصور ديني. 

وفي هذا الإطار، يُميّز الباحثون في الدراسة بين ثلاثة أنماط رئيسية: أوّلها "الإسلام الشعبي" المرتبط بالممارسات الدينية والاجتماعية التقليدية، وثانيها "الإسلام الرسمي" الذي تمثله المؤسسات الدينية التابعة للدولة، وثالثها "الإسلام السياسي" الذي يرتبط بفكرة الدولة الإسلامية وشعار "الإسلام دين ودولة"، والسعي إلى توظيف الدين في المجالين: السياسي والتشريعي. وتوضح الدراسة أنَّ مفهوم الإسلام السياسي ظلَّ محلَّ خلاف واسع بين الباحثين والحركات الإسلامية نفسها؛ إذ يرى بعض الإسلاميين أنَّ هذا المصطلح "ذو منشأ غربي، ويختزل الإسلام في بُعده السياسي"، بينما يعتبره آخرون "توصيفًا لحركات تسعى إلى تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع؛ سياسي وتنظيمي". وتتوقف الدراسة عند الجدل المتعلق بجذور الإسلام السياسي؛ فبعض الباحثين يرى أنَّ بداياته تعود إلى نشأة الدولة الإسلامية الأولى، بينما يربطه آخرون بظروف القرن العشرين، خصوصًا بعد سقوط الخلافة العثمانية وصعود الحركات الإسلامية الحديثة. وفي هذا السياق تستعرض الدراسة عددًا من المصطلحات المرتبطة بالظاهرة، مثل: "الصحوة الإسلامية"، و"النهضة الإسلامية"، و"الإسلاموية"، و"الأصولية الإسلامية"، و"الإسلام الراديكالي"، مؤكدة أنَّ الإسلام السياسي لا يقتصر على التنظيمات المتشددة أو العنيفة، إنّما يشمل تيارات إصلاحية وحزبية متعددة.  

أسباب صعود الحركات الإسلامية  

ترى الدراسة أنَّ صعود حركات "الإسلام السياسي" ارتبط بمجموعة من العوامل؛ الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي أسهمت في توسيع حضورها داخل المجتمعات العربية. في مقدمة هذه العوامل تأتي فكرة "شمولية الإسلام" التي رفعتها الحركات الإسلامية بوصف الإسلام نظامًا متكاملًا للحياة قادرًا على تقديم حلول للمشكلات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما منح هذه الحركات قدرة على مخاطبة قطاعات واسعة من المجتمعات العربية التي كانت تبحث عن بدائل للأنظمة السياسية القائمة. 

وتشير الدراسة إلى أنَّ سقوط الخلافة العثمانية شكّل محطة تاريخية مفصلية دفعت كثيرًا من الحركات الإسلامية إلى الدعوة لإحياء فكرة الدولة الإسلامية وإعادة الربط بين الدين والسياسة. وإلى جانب ذلك لعبت أفكار "الحاكمية" و"جاهلية المجتمع" التي ارتبطت بمفكرين مثل؛ أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، دورًا محوريًّا في تشكيل الخطاب الفكري لبعض الحركات الإسلامية، خاصة تلك التي اتجهت نحو التشدُّد أو تبنّي خطاب ثوري رافض للأنظمة القائمة. 

وتبيّن الدراسة أنَّ التدهور، الاقتصادي والاجتماعي، الذي شهدته بعض الدول العربية، إلى جانب اتساع الفجوات التنموية وضعف الأداء السياسي للأنظمة، وفّر بيئة مناسبة لصعود الحركات الإسلامية التي قدّمت نفسها بوصفها "بديلًا أخلاقيًّا وسياسيًّا قادرًا على تحقيق العدالة والإصلاح".  

تيارات الإسلام السياسي وتباين مساراتها  

توضح الدراسة أنَّ الإسلام السياسي لم يكن كتلة واحدة متجانسة، وإنّما ضم تيارات متعددة ومتناقضة، أحيانًا، في رؤيتها للعمل السياسي وآليّات التغيير. فمن جهة، برز تيار متشدّد تبنّى خطاب التكفير والعنف ورفض الأنظمة السياسية القائمة، واعتبر المجتمعات العربية مجتمعات "جاهلية" يجب تغييرها بالقوة. وقد ارتبط هذا التيار بتنظيمات اعتمدت المواجهة المسلحة ورفضت العمل السياسي التقليدي. ومن جهة أخرى، ظهر تيار إصلاحي سعى إلى الانخراط في العمل السياسي السّلمي، والمشاركة الانتخابية، والعمل داخل مؤسسات الدولة، والبحث عن صيغ توافقية مع المجتمع والسلطة السياسية. 

ويرى الباحثون في الدراسة أنَّ هذا التيار حاول التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، خاصة بعد التحوُّلات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة.  

لماذا تراجعت تنظيمات الإسلام السياسي؟  

يُعدُّ محور انحسار تنظيمات الإسلام السياسي من أبرز محاور الدراسة وأكثرها تفصيلًا؛ إذ يحاول الباحثون تفسير أسباب التراجع الذي أصاب عددًا من هذه الحركات، لا سيّما بعد تجارب الحكم التي أعقبت "الربيع العربي". 

وترى الدراسة أنَّ أحد أبرز أسباب هذا التراجع يتمثل في: غياب الواقعية السياسية لدى بعض الحركات الإسلامية؛ إذ اتسم خطابها، أحيانًا، بالاندفاع العاطفي وعدم القدرة على فهم تعقيدات البيئة السياسية المحلية والإقليمية والدولية. كما أخفقت بعض التنظيمات في بناء تحالفات سياسية مستقرة أو إدارة التوازنات المعقدة داخل الدولة.  

وتشير الدراسة إلى أنَّ "الغلوّ والتطرف أسهما في إضعاف صورة بعض الحركات الإسلامية"، خاصة تلك التي اعتمدت العنف أو مارست خطابًا إقصائيًّا تجاه المخالفين، أو استخدمت النصوص الدينية بصورة انتقائية لتبرير مواقفها السياسية. 

ومن الأسباب التي تركز عليها الدراسة أنَّ بعض الحركات الإسلامية، رغم تبنّيها شعارات الديمقراطية والتعددية، اتجهت بعد وصولها إلى السُّلطة نحو احتكار القرار وتهميش القوى السياسية الأخرى، وهو ما أدى إلى تراجع شعبيتها وفقدان جزء من شرعيتها السياسية. 

وتؤكد الدراسة أنَّ ضعف البرامج، السياسية والاقتصادية والإدارية، لدى عدد من الحركات الإسلامية شكّل عاملًا إضافيًّا في تراجعها؛ إذ لم تستطع تقديم رؤى واضحة لإدارة الدولة والاقتصاد والمؤسسات، خاصة في ظل الأزمات، الاقتصادية والاجتماعية، المتراكمة. 

ولا تُغفل الدراسة أثر الانقسامات، المذهبية والتنظيمية، التي تصاعدت بصورة لافتة بعد "الربيع العربي"، وأسهمت في تفكيك بعض الحركات الإسلامية وتراجع قدرتها على التأثير السياسي.  

الأمن القومي العربي وتحولات المنطقة  

ينتقل الباحثون في دراستهم إلى مبحث آخر تناول مفهوم الأمن القومي العربي وعناصره الأساسية، معتبرين أنَّ الأمن لا يقتصر على البُعد العسكري؛ بل يشمل مختلف الجوانب؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية. 

وتُعرّف الدراسة الأمن القومي بوصفه حالة تهدف إلى إزالة الخوف وتحقيق الاستقرار؛ النفسي والسياسي والعسكري، للدولة والمجتمع، مع الحفاظ على قدرة الدولة على حماية مصالحها ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. 

وتحدد الدراسة عددًا من العناصر التي تشكل قوة الأمن القومي، من أبرزها؛ العنصر الجيوبولتيكي المرتبط بالموقع الجغرافي وأهميته الاستراتيجية، والعنصر الديموغرافي المتعلق بحجم السكان وتركيبتهم البشرية، والعنصر السياسي الذي يشمل الاستقرار الداخلي وكفاءة المؤسسات والسياسة الخارجية والقيادة السياسية. 

وتتناول الدراسة العنصر الاقتصادي بوصفه أحد مرتكزات الأمن القومي، بما يشمله من أمن غذائي وطاقوي وصناعي وقدرة على إدارة الموارد الاستراتيجية، إلى جانب العنصر العسكري المرتبط بالقدرات الدفاعية والتسليح والتحالفات. 

وترى الدراسة أنَّ التحديات التي واجهتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك الصراعات الطائفية والانقسامات السياسية وتصاعد الحركات المتشددة، تركت آثارًا مباشرة على بنية الأمن القومي العربي، وأعادت طرح سؤال العلاقة بين الاستقرار السياسي وصعود أو تراجع الحركات الإسلامية.

"ما بعد الإسلام السياسي"... من الإيديولوجيا إلى البراغماتية  

تولي الدراسة اهتمامًا خاصًّا بمفهوم "ما بعد الإسلام السياسي"، الذي برز في الأدبيات الفكرية والسياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة لدى باحثين مثل؛ أوليفيه روا وآصف بيات. 

ويشير هذا المفهوم، بحسب الدراسة، إلى مرحلة بدأت فيها بعض الحركات الإسلامية مراجعة خطابها التقليدي، والتخلي التدريجي عن فكرة "الدولة الإسلامية" الصلبة، مقابل القبول بالدولة الوطنية الحديثة والانخراط في الديمقراطية والتعددية والعمل المدني. 

وتوضح الدراسة أنَّ هذه التحوُّلات لا تعني نهاية المرجعية الإسلامية أو اختفاء الدين من المجال العام، إنّما تعكس انتقال بعض الحركات الإسلامية من الإيديولوجيا المغلقة إلى البراغماتية السياسية، ومحاولة التكيف مع متغيرات الواقع السياسي والاجتماعي. 

وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى أنَّ بعض الحركات الإسلامية بدأت تتجه نحو الفصل النسبي بين الدعوي والسياسي، والتمييز بين النشاط الديني والعمل الحزبي، باعتبار ذلك جزءًا من عملية الاندماج في الدولة الوطنية الحديثة. 

ويستعرض الباحثون عددًا من النماذج العربية لفهم كيفية تعامل الدول والحركات الإسلامية مع التحولات التي أعقبت "الربيع العربي". ففي الحالة المصرية، تتناول الدراسة تجربة جماعة الإخوان المسلمين بعد عام 2011، ثم مرحلة إقصاء الجماعة وتصنيفها "تنظيمًا إرهابيًّا" في مصر وعدد من الدول الخليجية. 

وترى الدراسة أنَّ هذه التطورات أسهمت في محاصرة الجماعة؛ سياسيًّا وقانونيًّا وإقليميًّا، وأضعفت حضورها داخل المجال السياسي العربي. 

أمّا في الأردن، فتشير الدراسة إلى أنَّ الدولة اعتمدت سياسة تقوم على الاحتواء التدريجي والضغط القانوني والسياسي، بهدف دفع الحركة الإسلامية نحو مزيد من الاعتدال والاندماج في النظام السياسي، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي. 

وفي المغرب، تقدم الدراسة تجربة حزب "العدالة والتنمية" بوصفها "نموذجًا للإدماج السياسي للإسلاميين ضمن قواعد النظام والعمل المؤسساتي التدريجي، وهو ما سمح بمشاركة الإسلاميين في العملية السياسية دون الدخول في صدام مباشر مع الدولة"، وفق الباحثين في الدراسة. 

وتولي الدراسة اهتمامًا أوسع بالحالة التونسية التي تعتبرها "أقرب" النماذج إلى تجسيد مفهوم "ما بعد الإسلام السياسي"، خاصة بعد التحوُّلات التي شهدتها "حركة النهضة"، ومحاولات "فصلها النسبي بين الدعوي والسياسي، وقبولها بالتعددية والشراكة السياسية والعمل الديمقراطي"، وفق الباحثين.  

وتخلص الدراسة إلى أنَّ المنطقة العربية تشهد انتقالًا من نماذج "الإسلام السياسي التقليدي" إلى صيغ أكثر اندماجًا بالدولة الوطنية وآليات العمل الديمقراطي، ورغم تراجع بعض التنظيمات أو انحسار نفوذها، فإنَّ المرجعية الإسلامية ما تزال حاضرة بقوة في البنية الاجتماعية والثقافية العربية. 

وترى الدراسة أنَّ استعادة الأمن القومي العربي واستقرار الدولة يتطلبان ترسيخ التعدُّدية السياسية، واحترام الحريات العامة، وفصل الدين عن التوظيف السياسي، وتعزيز الاندماج ضمن إطار الدولة المدنية الديمقراطية.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية