
لم يعد تعامل الولايات المتحدة مع الإسلام السياسي يتحرك داخل الثنائية التقليدية التي ميزت بين حركات إسلامية يمكن إدماجها في العملية السياسية وأخرى مرتبطة بالعنف والجهادية. فإدارة الرئيس دونالد ترامب دفعت خلال الأشهر الماضية باتجاه مقاربة أكثر تشددًا تجاه جماعة الإخوان المسلمين وبعض فروعها، وصولًا إلى إجراءات تصنيف طالت فروعًا في مصر والأردن ولبنان، في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في طريقة النظر الأميركية إلى شبكة الإسلام السياسي العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه، تبدو واشنطن أمام اختبار مختلف في سوريا، حيث تتعامل مع سلطة جديدة خرجت من بيئة إسلامية مسلحة وتسعى إلى تقديم نفسها كحكومة دولة لا كامتداد لتنظيم سابق.
هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة وضعت كل الحركات الإسلامية في سلة واحدة، لكنه يشير إلى تضاؤل المساحة التي كانت تسمح لبعض الإسلاميين بتقديم أنفسهم كشركاء سياسيين منفصلين عن البيئة الأيديولوجية والتنظيمية التي خرجوا منها. ومن هنا تبرز ثلاثة اختبارات تساعد على فهم المسار الأميركي الجديد: الحرب في غزة، وسياسة تصنيف الإخوان، ثم تجربة الإسلاميين في الحكم بسوريا.
كانت الحرب في غزة نقطة مفصلية في إعادة ترتيب النظرة الأميركية إلى الإسلام السياسي. فقد ربطت إدارة ترامب في قراراتها الأخيرة بين بعض فروع الإخوان وشبكات دعم حماس، معتبرة أن بعض هذه الفروع لا تكتفي بالنشاط السياسي أو الاجتماعي، وإنما توفر دعمًا ماديًا أو سياسيًا لجماعات مسلحة. وفي يناير 2026، صنفت وزارة الخارجية الأميركية الجماعة الإسلامية اللبنانية كمنظمة إرهابية أجنبية، بينما صنفت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني ككيانات إرهابية عالمية، مستندة إلى اتهامات تتعلق بدعم حماس.
وكان ذلك امتدادًا لأمر تنفيذي وقعه ترامب في نوفمبر 2025، أطلق عملية للنظر في تصنيف فروع محددة من جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية أو كيانات إرهابية عالمية، مع تركيز صريح على فروع مصر والأردن ولبنان. ولم يذهب القرار إلى إعلان الجماعة كلها منظمة إرهابية، وهو تفصيل قانوني وسياسي مهم، لكنه نقل النقاش الأميركي من مستوى الجدل النظري حول طبيعة الإخوان إلى مستوى الإجراءات العقابية المباشرة ضد فروع بعينها.
ويكشف هذا التفصيل عن أحد أهم ملامح السياسة الجديدة: واشنطن لا تبدو مستعدة بالضرورة لتطبيق تعريف واحد على كل فروع الحركة، لكنها في المقابل أصبحت أكثر استعدادًا لملاحقة الفروع التي ترى أنها تتقاطع مع العنف أو توفر دعمًا لجماعات مصنفة إرهابية. وهذا يفسر جزئيًا استمرار النقاش داخل مراكز الأبحاث الأميركية حول ما إذا كان من الأفضل تصنيف الجماعة بأكملها أم التعامل مع فروعها بصورة منفصلة.
وكان معهد واشنطن قد حذر في دراسة سابقة من صعوبة تصنيف جماعة الإخوان ككل بسبب طبيعتها غير المركزية وتعدد فروعها واختلاف سلوكها من دولة إلى أخرى، مقترحًا التركيز على الفروع والمنظمات التي تمثل تهديدًا أمنيًا محددًا، خصوصًا تلك المرتبطة بتمويل حماس.
لكن غزة لا تفسر وحدها التحول الأميركي. فثمة إعادة نظر أوسع في مفهوم «الإسلام السياسي المعتدل» نفسه. خلال العقدين الماضيين، راهنت بعض المقاربات الغربية على إمكانية فصل المشاركة السياسية عن الأيديولوجيا الإسلامية، وعلى أن دخول الإسلاميين إلى الانتخابات والمؤسسات قد يدفعهم تدريجيًا إلى تبني قواعد اللعبة الديمقراطية.
غير أن تجارب المنطقة، من مصر إلى تونس وليبيا، ثم التحولات الأكثر تعقيدًا في سوريا، جعلت هذه الفرضية أقل بساطة. فقد أثبتت المشاركة السياسية أنها لا تؤدي بالضرورة إلى اختفاء البعد الأيديولوجي، كما أن الانتقال من المعارضة إلى الحكم يضع الحركات الإسلامية أمام أسئلة مختلفة تمامًا: علاقة الدين بالدولة، حقوق الأقليات، احتكار السلاح، شكل المؤسسات، الحريات السياسية، والقدرة على التعامل مع المجتمع الدولي.
وهنا تصبح سوريا الاختبار الأكثر أهمية.
فواشنطن اتخذت خلال 2026 خطوات كبيرة لفتح الباب أمام الحكومة السورية الجديدة، وصولًا إلى إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أغسطس، بعد أن رأت الإدارة الأميركية «إجراءات إيجابية» من حكومة أحمد الشرع والتزامات بتقليص الصلات بالجماعات الإرهابية.
وهذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع التشدد تجاه الإخوان، لكنها في الحقيقة قد تكشف معيارًا جديدًا أكثر براغماتية: الأيديولوجيا وحدها لم تعد كافية للحكم على الإسلاميين، كما أن المشاركة السياسية وحدها لم تعد كافية لمنحهم الشرعية. المعيار يصبح سلوك السلطة وقدرتها على إدارة الدولة والتزاماتها الأمنية والسياسية.
فالحكومة السورية الجديدة جاءت من خلفية مرتبطة بهيئة تحرير الشام، لكن واشنطن اختارت اختبار قدرتها على التحول من حركة مسلحة إلى سلطة دولة. ولذلك أصبح ملف المقاتلين الأجانب والجهاديين أحد الاختبارات الرئيسية لهذه التجربة. وتشير تحليلات أميركية إلى أن مستقبل هؤلاء المقاتلين يمثل اختبارًا لانتقال سوريا ولمدى استعداد الغرب للتعامل مع الحكومة الجديدة.
وهذا يضع الإسلاميين أمام معادلة مختلفة عن تلك التي عرفوها في السابق. فالوصول إلى السلطة لم يعد نهاية المسار، بل ربما أصبح بدايته الأصعب. الحركة التي كانت تستطيع أن تتحدث بلغة المعارضة والمظلومية والهوية الدينية تجد نفسها مضطرة عندما تصل إلى الحكم إلى تقديم إجابات عملية عن الاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية والسلاح والمؤسسات.
ومن هذه الزاوية، تبدو سوريا مهمة ليس فقط بالنسبة إلى السوريين، وإنما بالنسبة إلى مستقبل العلاقة الأميركية مع الإسلام السياسي كله. فإذا نجحت السلطة الجديدة في بناء دولة مستقرة، والحد من نفوذ الجماعات الجهادية، وإدارة التنوع، والحفاظ على قنوات مقبولة مع الغرب، فقد تقدم نموذجًا يمكن لواشنطن أن تتعامل معه براغماتية حتى لو جاءت جذوره من بيئة إسلامية مسلحة.
أما إذا فشلت، فقد يستخدم الفشل لتأكيد الاتجاه الأميركي الذي يرى أن الإسلاميين، حتى عندما يصلون إلى الحكم عبر مسارات سياسية، يصعب فصلهم عن بيئاتهم الأيديولوجية والتنظيمية.
ويضاف إلى ذلك اختبار ثالث يتعلق بالحرب داخل المعسكر الإسلامي نفسه. فقد أظهرت الحرب الإيرانية الأخيرة، بحسب تحليل لمعهد واشنطن، وجود انقسامات داخل حركة حماس بين اتجاهات أكثر ارتباطًا بإيران وأخرى أقرب إلى البيئة الإخوانية، وهو ما يعكس تداخلًا بين الانتماء الأيديولوجي والحسابات الجيوسياسية.
وهذه نقطة مهمة لأن واشنطن لا تنظر إلى الإسلام السياسي بمعزل عن الصراع الإقليمي. فالحركة الإسلامية التي تنخرط في شبكة إيرانية، أو تدعم جماعة مسلحة، أو تتقاطع مع حماس، ستجد نفسها في مواجهة مقاربة أميركية مختلفة عن حركة إسلامية تحاول تثبيت نفسها داخل مؤسسات الدولة وتقبل بقواعد العلاقات الدولية.
لذلك، فإن التحول الأميركي لا يبدو مجرد حملة على الإخوان، بقدر ما يمثل إعادة تعريف للعلاقة مع الإسلام السياسي. لم تعد كلمة «معتدل» كافية لتوفير مساحة سياسية، كما أن المشاركة في الانتخابات لم تعد وحدها معيارًا للقبول. ما تريده واشنطن بصورة متزايدة هو سلوك يمكن قياسه: نبذ العنف، قطع الصلات بالجماعات المسلحة، احترام الدولة ومؤسساتها، وإظهار قدرة على العمل داخل نظام إقليمي لا يقوم على إعادة صياغة المنطقة وفق مشروع أيديولوجي.
وهنا قد يجد الإسلام السياسي نفسه أمام مأزق جديد. فالفروع التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها حركات اجتماعية وسياسية قد تواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات استقلالها عن الأجنحة المسلحة والشبكات العابرة للحدود. أما الحركات التي وصلت إلى الحكم، فسيتعين عليها إثبات أن الدولة أقوى من التنظيم، وأن السلطة السياسية ليست مجرد امتداد للمشروع الدعوي أو الحركي.
وبذلك يصبح التحول الأميركي اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لواشنطن نفسها في قدرتها على التمييز بين الحركات الإسلامية بدل التعامل معها بصورة جماعية، واختبارًا للإسلاميين في قدرتهم على الانتقال من منطق الحركة إلى منطق الدولة.
وقد تكون سوريا هي المختبر الأوضح لهذا التحول، بينما تبقى غزة العامل الذي يعيد تشكيل الحسابات الأميركية تجاه الحركات المتصلة بحماس. وبين الاثنين، يظل ملف الإخوان نقطة التقاء الأمن بالسياسة والأيديولوجيا.
في النهاية، لا يبدو أن واشنطن أغلقت الباب أمام الإسلاميين، لكنها تضيق شروط الدخول إليه. وإذا كان العقد السابق قد انشغل بسؤال ما إذا كان الإسلاميون يستطيعون التعايش مع الديمقراطية، فإن المرحلة المقبلة قد تنقل السؤال إلى مستوى آخر: هل يستطيع الإسلاميون، عندما يصلون إلى السلطة، أن يصبحوا دولة قبل أن يكونوا حركة؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
