الإخوان ونيسان الأسود: تصعيد قضائي في تونس لطي صفحة الجماعة

الإخوان ونيسان الأسود: تصعيد قضائي في تونس لطي صفحة الجماعة

الإخوان ونيسان الأسود: تصعيد قضائي في تونس لطي صفحة الجماعة


29/04/2026

شهدت الساحة السياسية التونسية خلال شهر نيسان (أبريل) الجاري تحوّلاً كبيراً في طريقة التعاطي مع ملف جماعة الإخوان المسلمين، إذ لم يعد الصراع مقتصراً على التجاذبات السياسية أو السجالات الإعلامية، بل دخل مرحلة الحسم القضائي المباشر، مع صدور سلسلة من الأحكام الثقيلة التي استهدفت قيادات الصف الأول في حركة النهضة، في مؤشر واضح على انتقال الدولة إلى مقاربة أكثر صرامة في تفكيك التنظيم وشبكاته.

التطورات القضائية التي شهدها شهر نيسان (أبريل) الجاري تمثل نقطة فاصلة في مسار المحاسبة، حيث صدرت أحكام بالسجن في قضايا تتعلق بالتآمر على أمن الدولة، وهي من أخطر التهم في القانون التونسي، وهو ما يعكس حجم الملفات التي تم فتحها بعد سنوات من التعطيل أو التأجيل.

الغنوشي على رأس القائمة

وتصدّر هذه الأحكام رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي قضت المحكمة بسجنه مدة 20 عاماً، في واحدة من أقسى العقوبات التي تطال شخصية سياسية بارزة في البلاد خلال السنوات الأخيرة. وشملت الأحكام قيادات أخرى داخل الحركة، من بينهم رفيق عبد السلام ويوسف النوري وأحمد المشرقي وماهر زيد ومحمد الصامتي، في قضايا متشابكة تتعلق بالأمن القومي وشبهات إدارة تحركات سياسية خارج الأطر القانونية.

وفي سياق متصل، أصدرت المحاكم أحكاماً إضافية بالسجن مدة 3 سنوات فيما عُرف إعلامياً بقضية "المسامرة الرمضانية"، وهي قضية سلطت الضوء على اجتماعات مغلقة وتحركات غير معلنة داخل دوائر سياسية ضيقة، وهو ما كشف عن جانب من أنماط العمل غير الرسمي التي اعتمدتها بعض القيادات خلال الفترات الماضية.

ولم تتوقف الإجراءات عند حدود قيادات الجماعة، بل امتدت لتشمل حلفاء وشبكات مالية وسياسية مرتبطة بها، حيث صدر حكم بالسجن لمدة 14 سنة مع غرامة مالية ضد خيام التركي في قضايا غسل أموال، وهي قضية تُعدّ من أبرز ملفات التمويل السياسي غير المشروع في تونس. وطالت التحقيقات شخصيات أخرى، من بينها سهام بن سدرين وشوقي الطبيب، في ملفات مرتبطة بشبهات فساد وإدارة موارد خارج الأطر القانونية، ممّا يعكس توجهاً لتوسيع دائرة المحاسبة لتشمل منظومة أوسع من العلاقات والتقاطعات.

بالتزامن مع ذلك، وجّه القضاء التونسي ضربات قوية للتنظيمات الإرهابية التي نشطت في البلاد خلال السنوات الماضية، حيث صدرت أحكام بالإعدام بحق عناصر من "كتيبة أجناد الخلافة" الموالية لتنظيم داعش، على خلفية هجمات استهدفت قوات الأمن ومدنيين. ويُنظر إلى هذه الأحكام في سياق أوسع يربط بين البيئات الفكرية المتشددة وبعض أشكال العنف التي شهدتها تونس، خصوصاً خلال مرحلة ما بعد 2011.

تحولات سياسية وتشريعية

هذا التصعيد القضائي لم يأتِ بمعزل عن تحولات سياسية وتشريعية موازية، إذ يجري العمل على مبادرات تهدف إلى حظر جماعة الإخوان بشكل قانوني، إلى جانب مراجعة قانون الجمعيات، بما يسمح بتشديد الرقابة على مصادر التمويل، والحد من تدفق الأموال المشبوهة التي كانت تمثل أحد أعمدة النشاط التنظيمي. وتستهدف هذه الإجراءات تفكيك البنية المالية التي اعتمدت عليها الجماعة لسنوات في تمويل أنشطتها السياسية والاجتماعية.

وتتقاطع هذه التحركات مع إجراءات ميدانية مستمرة، من بينها إغلاق مقرات حركة النهضة في عدد من المناطق، وتجميد أرصدتها المالية، ومنع أنشطتها العلنية، وهو ما أدى إلى تراجع ملحوظ في حضورها داخل الفضاء العام. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على قدرتها على الحشد والتعبئة، حيث بات نشاطها محدوداً مقارنة بما كان عليه في السابق.

ويمكن القول إنّ ما يجري في تونس يمثل تحولاً استراتيجياً في إدارة ملف الإخوان، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بإقصاء سياسي ظرفي، بل بمسار شامل يجمع بين القضاء والتشريع والإجراءات التنفيذية، بهدف إنهاء نفوذ الجماعة بشكل تدريجي. 

وتأتي هذه التحولات الحادة بالتزامن مع ضعف التنظيم داخلياً، وتراجع الدعم الشعبي لحركة النهضة، ودخول جبهة الخلاص في سبات طويل، ممّا أسهم في تسريع وتيرة التحول نحو بداية النهاية لطي صفحة الإخوان.

وتبدو تونس أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس جديدة، مع تراجع واضح لدور جماعة الإخوان وأذرعها، وتقدّم مقاربة تعتمد على الحسم القضائي وتفكيك الشبكات، في محاولة لإغلاق أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث.

ويمثل طيّ ملف جماعة الإخوان وذراعها السياسية المتمثلة في حركة النهضة، خطوة مفصلية في تونس نحو إعادة بناء الاستقرار السياسي، بعدما ظل هذا الملف أحد أبرز مصادر التوتر والانقسام خلال السنوات الماضية. فحسم القضايا المرتبطة بالفساد أو التآمر أو التمويل غير المشروع عبر المسار القضائي يعزز من هيبة الدولة، ويؤكد مبدأ خضوع الجميع للقانون، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الحياة السياسية على أسس أكثر وضوحاً وشفافية، بعيداً عن شبكات النفوذ غير الرسمية أو توظيف الدين في الصراع السياسي.

كما أنّ إنهاء هذا الملف يسهم في تحرير المجال العام من الاستقطاب الحاد الذي عطّل مسارات الإصلاح، ويمنح المؤسسات فرصة للتركيز على أولويات اقتصادية واجتماعية ملحّة. فاستقرار المشهد السياسي شرط أساسي لجذب الاستثمار واستعادة الثقة داخلياً وخارجياً، إضافة إلى تقليص فرص عودة شبكات التنظيم للعمل بواجهات مختلفة. وفي هذا السياق يُنظر إلى الحسم القانوني باعتباره مدخلاً لإغلاق مرحلة وبداية أخرى تقوم على التنافس السياسي المدني ضمن قواعد واضحة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية