الإخوان ودار الإفتاء وحكومة الدبيبة... هل تهتز تحالفات الضرورة على منابر المساجد؟

الإخوان ودار الإفتاء وحكومة الدبيبة... هل تهتز تحالفات الضرورة على منابر المساجد؟

الإخوان ودار الإفتاء وحكومة الدبيبة... هل تهتز تحالفات الضرورة على منابر المساجد؟


06/08/2026

بينما يبدو أنّ مساحات الخلاف بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، ودار الإفتاء الليبية بقيادة الصادق الغرياني، تتسع وتتزايد يومًا بعد آخر، وجّه الدبيبة رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية إلى تعميم ضوابط جديدة تُلزم الخطباء والوعاظ بالالتزام بخطاب ديني يقوم على الوسطية والاعتدال، وتعزيز المصالحة الوطنية ونبذ الفرقة، مع حظر الانخراط في التجاذبات السياسية أو الحزبية، وتجنب تناول الأزمات قبل صدور البيانات الرسمية، ومنع استغلال المنابر لطرح الآراء الشخصية أو الترويج لمشروعات خاصة، بحسب ما أوردته وسائل إعلام محلية. وجاءت هذه التوجيهات بعد أيام من الجدل الذي أثارته خطبة ألقاها الشيخ الزين الدردير في جامع الإمام القرافي بالعاصمة طرابلس، تناول فيها تردي الأوضاع المعيشية، وانقطاع الكهرباء، وسوء الخدمات، ممّا أثار ردود فعل واسعة بين مؤيدين اعتبروها تعبيرًا عن معاناة الشارع، ومعارضين وجهوا انتقادات حادة للخطيب. ويتزامن ذلك مع استمرار الصادق الغرياني في توجيه انتقادات لاذعة لأداء الحكومة، معتبرًا أنّ إدارتها للأزمات تقوم على "الترحيل والاحتواء والمسكنات" بدلًا من معالجة أسبابها الجذرية، وأنّ تجاهل الأولويات التي تمس حياة المواطنين أدى إلى تفاقم الأوضاع واتساع دائرة الأزمات، بحسب ما جاء في إحدى حلقات برنامجه التلفزيوني عبر قناة "التناصح"، وهو ما يعكس اتساع هوة الخلاف بين الحكومة ودار الإفتاء في هذه المرحلة، واحتمالات انتقال هذا الخلاف إلى مستوى أكثر حدة خلال الفترة المقبلة.

ضوابط جديدة للمنابر... هل يتجاوز الصدام بين الدبيبة ودار الإفتاء حدود الضوابط؟

في تطور ذي صلة، التقى وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة، محمد بن غلبون، الشيخ الزين العربي الدردير، حيث بحث الجانبان عددًا من الموضوعات ذات الاهتمام العام، وفي مقدمتها دور الخطاب الديني في دعم الاستقرار وتعزيز الوعي المجتمعي، وفقًا لما أوردته منصة "حكومتنا" التابعة لحكومة الوحدة الوطنية. وشهد اللقاء تأكيد أهمية تكاتف جهود العلماء والدعاة ومؤسسات الدولة لترسيخ قيم الاعتدال والوحدة الوطنية، ودعم الخطاب الديني المنظم بما يعزز الاستقرار، وتناول التوجيهات المنظمة للخطاب الديني الصادرة مؤخرًا، باعتبارها إطارًا عامًا ينبغي أن تسترشد به المؤسسات الدينية لترسيخ قيم الإسلام الجامعة. ومن جانبه، أعرب الشيخ الزين الدردير عن تقديره لهذه التوجيهات، مؤكدًا أهمية التعاون بين العلماء والدعاة ومؤسسات الدولة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وترسيخ القيم الإسلامية السمحة، مشيرًا إلى استمراره في أداء رسالته الدعوية والعلمية بما يخدم المجتمع، ويعزز الوعي، ويحافظ على وحدة الصف.

إلى ذلك، ينبغي التدقيق في طبيعة الخلاف بين الدبيبة والغرياني، من خلال آليات ترتبط بالنفوذ السياسي وتشابك المصالح وتوزيع مراكز القوة في غرب ليبيا، ولا سيّما في العاصمة طرابلس. ومن هذا المنطلق، برزت ملامح الخلاف إلى العلن على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء وتزايد تذمر المواطنين، في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، الأمر الذي دفع الصادق الغرياني إلى تصعيد انتقاداته للحكومة عبر المنصات التابعة لدار الإفتاء، وإعلان دعمه للمحتجين على تردي الأوضاع الخدمية.

وفي هذا الإطار، قد لا يبدو من المنطقي افتراض أنّ الخلاف، الذي تعمق خلال الأيام الأخيرة، سيشكل قطيعة نهائية بين الطرفين، خاصة أنّ تيار دار الإفتاء يمتلك خبرة في إدارة شبكة علاقاته السياسية والاجتماعية، وتوظيفها بما يخدم مصالحه وأهدافه، وهو ما يجعل من المرجح أن يبقى الخلاف محكومًا بحسابات النفوذ وتوازنات المصالح أكثر من كونه صدامًا مفتوحًا بين الجانبين.

إلى ذلك، قال الباحث الليبي عبد الله الغرياني إنّ الأزمة الأخيرة والخلاف الذي برز على خلفية خطبة أحد الخطباء في أحد مساجد العاصمة طرابلس لا يمكن فهمه بمعزل عن هوية الخطيب وخلفياته السياسية والتنظيمية. ولفت إلى أنّ الشيخ الزين الدردير يُعدّ، وفق معلوماته، عضوًا في حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ويُعرف بقربه من دار الإفتاء، فضلًا عن كونه عضوًا في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، حيث شغل مقعدًا بديلًا لأحد الأعضاء بعد وفاته.

وأضاف الغرياني، في حديثه إلى "حفريات"، أنّ تتبع مواقف الدردير يُظهر انحيازًا واضحًا إلى مواقف دار الإفتاء وتوجهاتها السياسية، مؤكدًا أنّه استخدم موقعه داخل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور للدفاع عن عدد من الطروحات والشعارات التي تتبناها دار الإفتاء.

وفي حديثه عن قرار وزارة الأوقاف، ذهب إلى أنّ القرار يندرج في إطار الصراع القائم بين دار الإفتاء ومؤسسة الأوقاف، موضحًا أنّ الأخيرة تتولى الإشراف على شؤون الوقف وتنظيم المساجد والخطب، بينما تخضع، بحسب وصفه، لتوازنات سياسية وأمنية داخل العاصمة طرابلس.

وتابع أنّ مؤسسة الأوقاف تُعدّ، وفق رؤيته، إحدى المؤسسات التي آلت إلى التيار السلفي في إطار ترتيبات المحاصصة، مشيرًا إلى أنّ قوى مسلحة، من بينها قوة الردع وبعض التشكيلات الأخرى، تنتمي إلى هذه الخلفية الفكرية، الأمر الذي جعل مؤسسة الأوقاف تمثل، من وجهة نظره، النقيض لدار الإفتاء.

وشدد الغرياني على أنّ الصراع بين المؤسستين ليس وليد اللحظة، وإنّما يمتد إلى سنوات، مستشهدًا بقضية اختفاء الشيخ نادر العمراني، التي ما تزال دار الإفتاء تتهم فيها قوة الردع بالوقوف وراء اختطافه، معتبرًا أنّ ما جرى أخيرًا يأتي امتدادًا لهذا الصراع التاريخي بين المؤسستين.

وأضاف أنّ الخطبة الأخيرة تمثل، في تقديره، محاولة لرفع الحرج عن موقف دار الإفتاء، التي دأبت على إبداء مواقف سياسية والتدخل في القضايا العامة والخدمية، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ ما جرى لا يمكن فصله عن حالة التجاذب السياسي بين دار الإفتاء وحكومة عبد الحميد الدبيبة.

ولفت إلى أنّ تردد الدبيبة، في تقديره، في المضي قُدمًا لإنجاح المبادرة الأمريكية الخاصة بالتسوية السياسية، أسهم في تغذية هذا التراشق السياسي، معتبرًا أنّ الخلاف الراهن لا يعكس قطيعة حقيقية أو صدامًا مباشرًا بين الطرفين.

واستدل باستقبال حكومة الوحدة للشيخ الزين الدردير بعد أيام من الجدل الذي أثارته خطبته، معتبرًا أنّ هذه الخطوة تؤكد أنّ ما يجري لا يتجاوز كونه مناورات سياسية متبادلة بين الحكومة ودار الإفتاء، أكثر من كونه خلافًا استراتيجيًا بينهما.

وأضاف أنّ دار الإفتاء تحاول، عبر هذه المناورات، توجيه رسائل إلى الأطراف الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه ممارسة ضغوط على حكومة الدبيبة فيما يتعلق بالاستحقاقات السياسية المقبلة، مؤكدًا أنّ العلاقات بين الجانبين ما تزال قائمة على التفاهم والمصالح المشتركة.

وحذّر الغرياني من تفسير ما يحدث باعتباره بداية صدام نهائي بين الحكومة ودار الإفتاء، مشيرًا إلى أنّ استمرار التواصل بين الطرفين، واستقبال الحكومة للخطيب الذي أثار الجدل، يعكس وجود مستوى مرتفع من التنسيق والتفاهم، رغم حالة التراشق الإعلامي والسياسي.

السياسة والدين... صراع النفوذ وحسابات المصالح بين الدبيبة والغرياني

واختتم الغرياني تصريحاته إلى "حفريات" بالتأكيد على أنّ جوهر الأزمة يكمن في الصراع التاريخي بين مؤسستي الأوقاف ودار الإفتاء، وليس في الخلاف الظاهر بين الدبيبة والغرياني، معتبرًا أنّ الحكومة لا تستطيع، في هذه المرحلة، الاستغناء عن تيار دار الإفتاء، الذي ما يزال يمثل، وفق تقديره، إحدى أوراق القوة التي تسعى إلى توظيفها في مواجهة خصومها السياسيين، وأنّ ما يجري لا يعدو كونه جزءًا من مناورات سياسية وإعلامية متبادلة بين مختلف الأطراف.

من جانبه، قال الكاتب الليبي حمد الخراز إنّ العلاقة التي جمعت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ودار الإفتاء خلال السنوات الماضية قامت، في الأساس، على تقاطع المصالح، لافتًا إلى أنّ الطرفين شكّلا تحالفًا في عدد من المحطات السياسية.

وأضاف الخراز، في تصريحاته إلى "حفريات"، أنّ الصادق الغرياني سبق أن دعا إلى التظاهر ضد حكومة الوحدة الوطنية في أكثر من مناسبة، سواء في العاصمة طرابلس أو في مدينة مصراتة، مشيرًا إلى أنّ الخلاف الحالي جاء، بحسب تقديره، نتيجة الضغوط التي مارسها جهاز الردع وما أعقبها من تفاهمات مع حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما أثار غضب الغرياني.

وأوضح الخراز أنّ الغرياني اتخذ من المنابر الدينية وسيلة لمهاجمة الحكومة تحت عنوان الأزمات الخدمية، رغم أنّ هذه الأزمات، وعلى رأسها انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، ليست وليدة المرحلة الراهنة، بل تعود إلى سنوات سابقة، مضيفًا أنّ موارد الدولة كانت تُهدر منذ فترة طويلة دون أن تشهد مواقف مماثلة من دار الإفتاء.

وأشار إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي، وفق رؤيته، لا تؤمن بمفهوم الدولة كشريك دائم، وإنّما تدخل في تحالفات مرحلية تخدم مصالحها، معتبرًا أنّ تحالفها مع حكومة الدبيبة جاء في إطار هذه الحسابات، بينما أدى التقارب بين الحكومة وجهاز الردع، الذي يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى التيار السلفي، إلى تصاعد الخلاف مع دار الإفتاء.

ورأى الخراز أنّ هذا الخلاف مرشح للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، إلى أن يتم التوصل إلى تسوية جديدة بين حكومة الدبيبة ودار الإفتاء، أو إلى أن تحسم الحكومة خياراتها بين الاستمرار في التقارب مع جهاز الردع أو إعادة بناء تفاهماتها مع تيار الإفتاء.

وفيما يتعلق بالتسوية السياسية، لفت الخراز إلى أنّ التحركات الدولية باتت تدور بصورة أكبر في فلك الإدارة الأمريكية، مع وجود تحفظات فرنسية وبريطانية على بعض المبادرات المطروحة، مشيرًا إلى أنّ الأطراف الدولية والإقليمية باتت أكثر اقتناعًا بضرورة الدفع نحو تسوية سياسية داخلية بعد سنوات من الصراع.

وأضاف أنّ جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بقية تيارات الإسلام السياسي، بما فيها دار الإفتاء، لم تعد تمتلك الأدوات الكافية للتأثير في أيّ اتفاق سياسي قد تفرضه أو ترعاه القوى الخارجية، معتبرًا أنّ الحراك الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة يعكس حجم التفاهمات التي بدأت تتشكل بين القوى الفاعلة على الأرض، بما قد يفضي إلى اتفاق لإدارة المرحلة المقبلة.

واختتم الخراز حديثه إلى "حفريات" بالتأكيد على أنّ عبد الحميد الدبيبة، في تقديره، لن يتجه إلى مواجهة مباشرة مع الصادق الغرياني، رغم أنّ الأخير معزول من منصبه بقرار صادر عن مجلس النواب عام 2018، مرجحًا أن يفضل الدبيبة الإبقاء على الأوضاع الحالية إلى حين الوصول إلى تسوية مع الأطراف المؤثرة داخل هذا التيار، بدلًا من الانخراط في صدام سياسي أو ديني مفتوح.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية