الإخوان والثقافة... آليات الهيمنة الفكرية ومحاولات وأد الإبداع

الإخوان والثقافة... آليات الهيمنة الفكرية ومحاولات وأد الإبداع

الإخوان والثقافة... آليات الهيمنة الفكرية ومحاولات وأد الإبداع


24/11/2025

مع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر عام 2012، بدأت ملامح توتر مبكر تظهر في العلاقة بين السلطة الجديدة والمجتمع الثقافي. فالمشهد الذي كان متنوعًا في توجهاته وتقاليده وجد نفسه أمام سلطة سياسية تميل إلى التعامل مع الثقافة باعتبارها مجالًا قابلًا لإعادة الضبط الإيديولوجي، وليس فضاءً مستقلاً للتعبير. ومع مرور أشهر قليلة تحوّل هذا التوتر إلى صراع علني كشف عن اختلاف جذري بين طبيعة المجال الثقافي وبين رؤية السلطة التي سعت إلى إدخال المؤسسات الثقافية ضمن مشروعها السياسي.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة بدأ المثقفون يلاحظون تحولًا في الخطاب الرسمي تجاه الفنون والآداب، يقوم على فكرة أنّ المؤسسات الثقافية مُسيطر عليها من التيارات العلمانية وأنّه ينبغي إعادة هيكلتها بما يتناسب مع الهوية الإسلامية. هذا الخطاب لم يأتِ من فراغ، بل كان جزءًا من رؤية داخل الجماعة تعتبر الثقافة مكوّنًا من مكوّنات التمكين التي يجب إعادة بنائها على أسس جديدة.

ورغم غياب وثيقة رسمية تحدد سياسة ثقافية متكاملة للجماعة، إلا أنّ خطوات متتابعة داخل وزارة الثقافة وقصور الثقافة والهيئات الفنية بدأت تشير إلى اتجاه واضح نحو تغيير البنية الإدارية والفكرية للمؤسسات.

بلغ الصدام ذروته بعد تعيين علاء عبد العزيز وزيرًا للثقافة. فبعد أسابيع قليلة من توليه المنصب بدأ بتنفيذ موجة قرارات بإقالة عدد من قيادات المؤسسات الثقافية الكبرى، بينها رؤساء هيئات وقطاعات لها تاريخ طويل داخل الوزارة. غابت عن تلك القرارات التبريرات المهنية الواضحة، وهو ما جعلها تُفهم في سياق محاولة لإعادة تشكيل البنية الإدارية بما ينسجم مع رؤية الجماعة.

وأصبحت هذه الخطوات علامة فارقة في علاقة المثقفين بالسلطة؛ إذ اعتبر قطاع واسع من العاملين في الحقل الثقافي أنّ القرارات تهدف إلى خلق جهاز إداري موالٍ سياسيًا، دون مراعاة الخبرة أو تراكم العمل المؤسسي.

عداء صريح للإبداع

إلى جانب الإجراءات الإدارية بدأ خطاب أخلاقي يتردد بكثافة في تصريحات مسؤولين ودوائر إعلامية قريبة من الجماعة، وهذا الخطاب قام على الدعوة إلى تنقية الفنون من المواد المخالفة للقيم الدينية، وإعادة ضبط نشاط المسرح والسينما ومنظومة الإنتاج الفني وفق معايير أخلاقية جديدة. وبدا أنّ هناك محاولة لإعادة تعريف ثقافة الدولة باعتبارها نشاطًا دعويًا أو تربويًا أكثر منها مجالًا للتجريب والخيال والحرّية.

وفي المحافظات نقل عدد من الموظفين والمثقفين مخاوف من تغيير توجه قصور الثقافة نحو أنشطة دينية أو خطاب تعبوي، بدل الدور التقليدي الذي لطالما أدته تلك القصور في دعم الفنون الشعبية والمسرح المحلي والأنشطة الفنية.

مع تراكم هذه المؤشرات، لم يتعامل المثقفون مع الوضع بوصفه تباينًا عابرًا في وجهات النظر، بل بوصفه تحولًا في علاقة الدولة بالثقافة. ولذلك شهد المشهد الثقافي واحدة من أوسع موجات الرفض العلني لسياسات حكومية منذ عقود.

بدأت النقابات الفنية والاتحادات الأدبية في إصدار بيانات تُعبّر عن القلق من محاولات الأخونة، وتدعو إلى احترام استقلال المؤسسات وعدم ربط العمل الثقافي بأجندة سياسية. ولعبت الصحافة الثقافية دورًا مهمًّا في كشف ما يدور داخل المؤسسات، عبر نشر شهادات العاملين وتفاصيل الإقالات والتحقيقات الإدارية.

هذا التراكم من الاعتراضات خلق حالة غير مسبوقة من التحالف بين المثقفين والفنانين والنقاد ضد السلطة القائمة.

اعتصام وزارة الثقافة لحظة مفصلية

بلغت المواجهة ذروتها مع اعتصام وزارة الثقافة في حزيران (يونيو) 2013، الذي تحوّل خلال أيام قليلة إلى حدث رمزي واسع التأثير. فقد احتشد مثقفون من مختلف التيارات، بينهم شعراء وروائيون ونقاد ومسرحيون وموسيقيون، أمام مقر الوزارة في الزمالك، اعتراضًا على سياسات الإقالات والتضييق الفكري.

الاعتصام لم يكن مجرد تجمع احتجاجي، بل تحوّل إلى مساحة ثقافية مفتوحة. قُدّمت عروض مسرحية في الشارع، وعُقدت ندوات فكرية، وأُلقيت قصائد، وأقيمت فعاليات فنية يومية. وبدا المشهد كأنّه استعادة لوظيفة الثقافة كمجال عام مستقل يمكنه أن يخاطب الدولة من خارج أطرها الرسمية.

هذا الاعتصام، إضافة إلى الخطابات والملفات التي نشرتها الصحف الثقافية، جعل من مقاومة الأخونة قضية رأي عام، وخلق ارتباطًا واضحًا بين وضع الثقافة ومسار الديمقراطية وحرية المجال العام.

وداخل وزارة الثقافة عانت الإدارات من حالة اضطراب واسعة، خصوصًا مع غياب رؤية واضحة للسياسات الجديدة، وتغيير المسؤولين بشكل متلاحق، ودخول موظفين في صدامات مع قيادات مُعيّنة حديثًا. وتكررت حالات الرفض العلني داخل بعض المؤسسات، وجرى التوقيع على عرائض تدعو إلى إلغاء قرارات الإقالة وإعادة فتح ملفات المسؤولية الثقافية.

هذا الوضع انعكس على العمل اليومي؛ فبرامج الفنون التشكيلية تعطلت، ومشاريع المسرح تراجعت، وبعض المشروعات القومية الثقافية دخلت مرحلة ركود بسبب غياب الاستقرار الإداري، وهكذا تشكّل فراغ إداري أثّر على القدرة التنفيذية للوزارة.

مع مرور الوقت اتسعت فجوة الثقة بين المثقفين والسلطة، فقد شعر القطاع الثقافي أنّ الحكومة لا تمتلك مشروعًا واضحًا للثقافة، وأنّ الهدف الفعلي هو تطويع المؤسسات لخدمة رؤية سياسية محددة، في تجاهل لطبيعة العمل الثقافي القائم على التنوع وحرّية الرأي والمنافسة الإبداعية.

وفي المقابل، بدا الخطاب الإخواني ينظر إلى المثقفين بوصفهم خصومًا سياسيين وليسوا شركاء في إدارة قطاع عام، وهو ما ضاعف حالة التوتر. وجرى تداول تصريحات تعتبر القطاعات الثقافية قلعة للنخبة العلمانية، وهي نبرة عززت الشعور بأنّ الدولة تتعامل مع الثقافة باعتبارها ملفًا أمنياً أو إيديولوجيًا.

مع اقتراب صيف 2013 كانت حالة الاستقطاب السياسي تتصاعد في البلاد، ووجدت الحركة الاحتجاجية في الوسط الثقافي نفسها جزءًا من المشهد الوطني الأوسع. فالقضية الثقافية لم تعد شأنًا قطاعيًا، بل أصبحت مرتبطة بمناقشة مستقبل الدولة وطبيعة السلطة وعلاقتها بالحريات العامة.

الاعتصام أمام وزارة الثقافة تحوّل تدريجيًا إلى أحد الرموز السياسية للاحتجاجات الأوسع ضد سياسات الإخوان، وأصبح جزءًا من الصورة العامة التي سبقت أحداث 30 حزيران (يونيو)، فقد مثّل دليلاً على أنّ قطاعات واسعة من المجتمع لا ترى في سياسات الجماعة توجهًا يعزز الحريات أو يعترف بتعدد الأفكار.

ومع انتهاء عام حكم الإخوان، بقيت تجربة الصدام الثقافي واحدة من أكثر المحطات التي أسهمت في تشكيل صورة الجماعة في الوعي العام. فقد رأى الكثيرون أنّ الجماعة لم تقدّم مشروعًا ثقافيًا واقعيًا أو تحديثيًا، ولم تتعامل مع الثقافة باعتبارها موردًا وطنيًا، بل نظرت إليها من منظور السيطرة وإعادة الهندسة الفكرية.

هذه التجربة أسهمت في تشكّل كتلة ثقافية واسعة رافضة لسياسات الجماعة. وقد كان لهذا الرفض دور واضح في مزاج الشارع قبل احتجاجات 30 حزيران (يونيو)، حيث أصبح المجال الثقافي واحدًا من دوائر المعارضة المدنية التي أسهمت في تشكيل مشهد سياسي جديد.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية