
شهدت سوريا، أواخر آب/ أغسطس الحالي، نقطة تحول مفصلية بعد إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع أنه لا ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدًا أنه كان أحد المتضررين الرئيسيين من تنظيم داعش، وقد جاءت هذه التصريحات في مرحلة حساسة، حيث تسعى الحكومة الانتقالية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من النزاع المسلح، وإرساء قواعد واضحة للعمل السياسي والمدني.
الإعلان لم يكن مجرد موقف شخصي، بل يمثل إشارة واضحة إلى أن الدولة الجديدة لن تسمح بنفوذ أيديولوجي خارج نطاق القانون والمؤسسات الرسمية.
وأثارت تصريحات الشرع موجة من التحليلات داخل سوريا وخارجها، إذ رأى المحللون أنها تشكل اختبارًا لقدرة جماعة الإخوان على التكيف مع واقع سياسي جديد يضع قيودًا صارمة على النشاط السياسي والدعوي.
الجماعة، التي ظلت على هامش العملية السياسية خلال السنوات الماضية، تجد نفسها الآن مضطرة لإعادة صياغة خطابها، والتوازن بين الحفاظ على هويتها التاريخية والمشاركة في الدولة المدنية الجديدة.
هذه المرحلة تعكس أيضًا إعادة تعريف العلاقة بين الجماعات الإسلامية والسياسات المدنية الحديثة في سوريا.
هذا ويرى محللون أن قدرة الإخوان على التكيف ستحدد موقعهم في المشهد السياسي والاجتماعي الجديد، سواء كمكون شرعي ضمن العملية السياسية أو كقوة هامشية تحاول الحفاظ على نفوذها الاجتماعي عبر المبادرات التعليمية والخيرية، بعيدًا عن السياسة المباشرة.
تصريحات الشرع وتأثيرها على الإخوان
تصريحات أحمد الشرع لم تكن مجرد موقف شخصي، بل خطة استراتيجية لإعادة رسم حدود العمل السياسي في سوريا، حيث شدد على أن الدولة المدنية الجديدة تقوم على سيادة القانون، وأن أي جماعة سياسية أو دينية يجب أن تعمل ضمن إطار الدولة الرسمية.
في صفوف الإخوان، أحدث الإعلان انقسامًا بين جناح يرى ضرورة الانصياع لتوجيهات الدولة لتجنب الإقصاء، وجناح آخر يريد الحفاظ على الهيكل التنظيمي التقليدي مع تعديل الخطاب السياسي لتجنب التصادم المباشر. هذا الانقسام يعكس صراع الهوية بين الالتزام بالمرحلة الانتقالية والحفاظ على الإرث التاريخي للجماعة، مما يجعل القرارات الاستراتيجية صعبة ومعقدة.
أما على المستوى الدولي، فقد وضعت تصريحات الشرع الإخوان أمام ضغط إضافي، حيث باتت العلاقات مع الدول الغربية والإقليمية التي تصنف الجماعة كمنظمة متطرفة أكثر صعوبة.
يترتب على ذلك إعادة تقييم العلاقات والتحالفات السابقة، ومحاولة إيجاد مساحات سياسية محدودة ضمن القانون السوري الجديد، لتجنب أي إجراءات قاسية من السلطات.
كما أن التصريحات أظهرت أن الحكومة الانتقالية لن تتسامح مع أي محاولات لإعادة نشر نفوذ الإخوان في مناطق استراتيجية، ما يفرض على الجماعة إعادة صياغة نشاطها السياسي والاجتماعي بما يتوافق مع القوانين الجديدة، دون المساس بمصالحها الطويلة الأمد في المجتمع السوري.
الضغوط السياسية والقانونية على الجماعة
في أعقاب تصريحات الشرع، وجه مستشاره أحمد موفق زيدان رسالة رسمية إلى جماعة الإخوان، داعيًا إياهم إلى حل الجماعة أو إعادة هيكلة نشاطهم بما يتوافق مع المرحلة الانتقالية.
هذه الرسالة وضعت الجماعة تحت ضغط مزدوج: داخليًا لإجبارهم على إعادة هيكلة أنشطتهم، وخارجيًا لقطع أي روابط تمويلية أو دعم استراتيجي قد يعيد لهم النفوذ التقليدي. أثارت الرسالة جدلاً واسعًا بين أعضاء الجماعة، حيث حاول كل جناح إيجاد التوازن بين الحفاظ على الهوية التاريخية ومواكبة المتطلبات الجديدة للمرحلة الانتقالية.
وقد تم ،على المستوى القانوني، فرض رقابة صارمة على التمويل والأنشطة الدعوية، مما دفع الإخوان إلى تعديل برامجهم التعليمية والخيرية لتجنب أي تصنيف كمؤسسة غير قانونية.
التحليل يشير إلى أن هذا التكيف يمثل خطوة استراتيجية للبقاء ضمن العملية السياسية دون مواجهة مباشرة مع السلطات، ويؤكد أهمية إعادة صياغة الأهداف والوسائل لتحقيق نفوذ مستدام.
الصراعات الداخلية واستراتيجيات التكيف
رغم الضغوط، حافظت الجماعة على بعض مؤسساتها، أبرزها "المجلس الإسلامي السوري"، الذي أعلن حله رسميًا في يونيو 2025 تمهيدًا لدمج مؤسسات المجتمع المدني ضمن الدولة الجديدة، فيما يعكس هذا الانقسام الداخلي صراعًا بين جناح تقليدي يصر على الهوية التاريخية وجناح إصلاحي يسعى للتكيف مع الواقع السياسي الجديد.
ويشير خبراء إلى أن هذه الصراعات تؤثر على إدارة النشاط الاجتماعي والسياسي، وتجعل اتخاذ القرارات الاستراتيجية للجماعة أكثر تعقيدًا.
استراتيجية التكيف الجديدة تعتمد على التركيز على المبادرات التعليمية والخيرية غير المثيرة للجدل، بهدف تحسين الصورة العامة أمام الرأي العام وتجنب أي صدام مباشر مع الدولة الانتقالية، إذ يشير التحليل السياسي إلى أن هذه الخطوة تعكس رغبة الجماعة في الحفاظ على النفوذ الاجتماعي والسياسي بطريقة متوازنة، مع الاستجابة لضغوط السلطات.
النشاط الدولي والتحركات الإقليمية
هذا وتسعى الجماعة لإعادة بناء علاقاتها الدولية، لكنها تواجه قيودًا من دول عدة تصنفها كمنظمة إرهابية أو متطرفة. بعض الدول الإقليمية تسمح لهم بمساحات محدودة للتنسيق الاجتماعي والسياسي، بهدف الحفاظ على وجود محدود دون استعادة النفوذ التقليدي.
وتركز الجماعة على التعاون مع منظمات المجتمع المدني والمبادرات التعليمية والدعوية، كجزء من تحسين صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي، والابتعاد عن أي أنشطة قد تُصنف على أنها تهدد الاستقرار السياسي، فيما هذه التحركات استراتيجية تكيفية ضرورية للبقاء ضمن المشهد السياسي دون تجاوز الحدود التي وضعتها الدولة الانتقالية.
التحديات المستقبلية وفرص البقاء للإخوان
ومع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد تصريحات الرئيس أحمد الشرع، تواجه جماعة الإخوان المسلمين تحديات متعددة ومعقدة تهدد قدرتها على البقاء كلاعب سياسي واجتماعي مؤثر.
التحدي الأول يتمثل في الشرعية السياسية؛ إذ تحتاج الجماعة إلى إعادة بناء الثقة مع الشعب السوري بعد سنوات طويلة من النشاط الخفي والمعارضة المحدودة، وارتباطها السابق بصراعات داعش والمناطق الخارجة عن سلطة الدولة.
وهذا يتطلب صياغة خطاب سياسي جديد يركز على خدمة المجتمع واحترام مؤسسات الدولة، بعيدًا عن أي شعارات أيديولوجية قد تثير النفور.
التحدي الثاني يتعلق بـ التكامل مع الدولة الجديدة. الإخوان مضطرون للعمل ضمن إطار الدولة الانتقالية واحترام سيادة المؤسسات الرسمية، وهو أمر يفرض إعادة تقييم استراتيجياتهم السابقة. القدرة على التكيف مع التشريعات والسياسات الجديدة، والمشاركة في العملية السياسية بشكل قانوني ومنضبط، ستكون مؤشرًا رئيسيًا على قدرتهم على البقاء والتأثير. أي إخفاق في هذا الجانب قد يؤدي إلى تهميش الجماعة أو استبعادها نهائيًا من المشهد السياسي.
أما التحدي الثالث فيكمن في القبول الشعبي، أي أنه على الإخوان أن يقنعوا السوريين بأن وجودهم السياسي والاجتماعي لا يهدد استقرار البلاد، وأنهم قادرون على تقديم مساهمة إيجابية في إعادة بناء الدولة. وهذا يتطلب تعديل خطابهم التقليدي الذي يثير النفور، واستثمار المبادرات الاجتماعية والتعليمية والخيرية لكسب ثقة المجتمع المحلي، وتقديم صورة أكثر اعتدالًا وواقعية للجماعة.
أما التحدي الرابع فهو الموارد والتمويل، حيث يواجه الإخوان قيودًا صارمة بعد التضييق على شبكات الدعم الدولية التقليدية. البحث عن مصادر تمويل قانونية ومستدامة أصبح ضرورة ملحة لدعم أنشطتهم الاجتماعية والسياسية.
ويشمل ذلك الشراكات مع منظمات المجتمع المدني، المشاريع التعليمية، والمبادرات الدعوية ذات الطابع المدني البحت، بعيدًا عن أي نشاط قد يعتبر دعمًا لأجندة سياسية خارجة عن القانون.
في ضوء هذه التحديات، تبدو فرص بقاء الجماعة مرتبطة بقدرتها على التكيف بمرونة مع البيئة الجديدة. التحليل السياسي يشير إلى أن الجمع بين المرونة والتغيير المدروس، والالتزام بالقوانين المحلية، سيحدد ما إذا كان الإخوان قادرين على الحفاظ على نفوذهم الاجتماعي والسياسي أو سيتحولون إلى قوة هامشية عاجزة عن التأثير. وفي الوقت نفسه، نجاحهم في دمج هويتهم التاريخية مع احتياجات الدولة المدنية الجديدة سيكون مفتاحًا لشرعية مستمرة ضمن المشهد السوري.
وتذهب أغلب القراءات إلى أن تصريحات الرئيس الشرع تمثل نقطة مفصلية في علاقة الإخوان بالدولة السورية الجديدة، وأن قدرة الجماعة على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية، والاستجابة للضغوط الداخلية والخارجية، ستحدد مستقبلها السياسي وقدرتها على البقاء كلاعب مؤثر في سوريا ما بعد الأسد.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

