
خلال الأيام الأخيرة من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، وبداية تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، صعّدت الجماعة الإسلامية في باكستان، الذراع السياسية للإخوان، من نشاطها السياسي والإعلامي، في سلسلة تحركات متزامنة شملت انتقادات لاذعة للحكومة الباكستانية، ومواقف حادة من القضايا الإقليمية، إلى جانب إطلاق مبادرات اجتماعية موجهة للشباب والطلاب. ويبدو من مجمل هذه التحركات أنّ الجماعة، بزعامة أمير الجماعة حافظ نعيم الرحمن، تسعى لإعادة تموضعها في المشهد الوطني من بوابة القضايا الشعبية والخدمات الاجتماعية، في وقت تشهد فيه البلاد اضطرابات اقتصادية وتراجعًا في ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.
التعليم والبطالة بوابة النفوذ الجماهيري
بدأت الجماعة الإسلامية نشاطها المكثف بإعادة طرح قضية التعليم، باعتبارها مدخلًا للإصلاح الوطني، في خطاب ركّز على فشل الطبقة الحاكمة في جعل التعليم أولوية حقيقية. وأشار حافظ نعيم الرحمن، في كلمة ألقاها أمام قمة الشركات الناشئة بمدينة لاهور، إلى أنّ النظام التعليمي في باكستان يعكس حالة من التمييز الطبقي والإهمال الهيكلي، مؤكدًا أنّ نحو (25) مليون طفل خارج المدارس، وأنّ نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 32%، وهو ما يعادل قرابة (60) مليون شاب بلا عمل.
واعتبر أنّ هذا الوضع يعمّق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، داعيًا الحكومة إلى الاستثمار في التعليم والتدريب المهني كوسيلة لإنقاذ الجيل الجديد من الانجراف نحو التطرف أو الهجرة غير الشرعية.
وترافق الخطاب مع إبراز برامج الجماعة الاجتماعية، فقد أعلنت المؤسسة الخيرية التابعة لها، مؤسسة الخدمة، عن توسع في مشروع "كُن قادرًا" الذي يقدّم دورات مجانية في تكنولوجيا المعلومات، ويستهدف مليوني طالب خلال العامين المقبلين. وشمل المشروع مبادرات لتعليم ربات البيوت مهارات رقمية تمكّنهن من دخول سوق العمل، وهو ما يمنح الجماعة رصيدًا شعبيًا إضافيًا في الأوساط المدنية والنسائية.
خطاب التنمية ومشروع بلوشستان
في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري انتقلت الجماعة إلى محافظة بلوشستان، حيث ركّزت على قضايا التنمية والتهميش. وفي كلمته أمام طلاب دورات برنامج "كن قادرًا" في مدينة جعفر آباد، شدد على أنّ استقرار بلوشستان يمثل مفتاحًا لتقدّم البلاد، وأنّ تجاهل احتياجات سكانها من التعليم والعمل يهدد الوحدة الوطنية.
وطالب بتأسيس مؤسسات تعليمية متقدمة في المناطق النائية، وتوفير فرص دراسية ومنح خارجية للطلاب المتفوقين، فضلًا عن قروض مُيسّرة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتبنّت الجماعة خطابًا تنمويًا اجتماعيًا، ربطت فيه بين غياب العدالة الاقتصادية وازدياد الفوارق الطبقية، في محاولة واضحة لاستقطاب فئات الشباب العاطلين والمحرومين من التعليم الرسمي.
وفي المقابل، استغلّ أمير الجماعة في بلوشستان، مولانا هداية الرحمن، المناسبة لانتقاد سياسات الحكومة الإقليمية، وزعم أنّ غياب التنمية ليس سوى نتيجة مباشرة لفساد الطبقة السياسية وافتقادها للرؤية الاقتصادية. وبذلك جمعت الجماعة بين خطاب ديني تقليدي وإصلاح اجتماعي حديث، لتقديم نفسها كبديل واقعي للقوى الحاكمة.
التحريض ضد الحكومة وحزب الشعب
لم تكتفِ الجماعة بطرح ملفات اجتماعية، بل انتقلت سريعًا إلى مهاجمة الحكومة المركزية وحزب الشعب الباكستاني، متهمةً إيّاهما بتقويض مؤسسات الدولة وتحويل مدينة كراتشي إلى ساحة نفوذ حزبي مغلق.
وفي كلمة ألقاها في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وصف حافظ نعيم الرحمن الوضع في المدينة بأنّه نظام احتلال اقتصادي، مؤكدًا أنّ المناصب والوظائف العامة يتم الاستحواذ عليها من قبل الحزب الحاكم، بينما تُهمّش فئات واسعة من الشباب المؤهلين. واعتبر أنّ مشروعات النقل الحضري مثل الخط الأحمر والخط البرتقالي تعاني من الفشل بسبب سوء الإدارة، ممّا جعل كراتشي تعاني من اختناق مروري وتدهورّ خدماتي متزايد.
ورأى أنّ سياسات حزب الشعب أدت إلى إفقار المدينة بدلًا من تنميتها، وأنّ الجماعة الإسلامية تمتلك قاعدة تنظيمية قادرة على تحرير كراتشي من نظام النهب والفساد، في تعبير يعكس توجهها نحو تصعيد المواجهة السياسية في الانتخابات المحلية المقبلة. وألمح إلى أنّ الحزب الحاكم زوّر نتائج الانتخابات عبر ترسيم دوائر انتخابية غير عادلة، وهو ما اعتبره دليلاً على غياب النزاهة الديمقراطية.
وفي الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) أكّدت الجماعة الإسلامية أنّها تستعد لخوض الانتخابات المقبلة بثقة متزايدة، مستندةً إلى ما وصفته بأداء فعال رغم غياب السلطة التنفيذية.
وخلال افتتاح مركز الشباب والحديقة العائلية في منطقة جولشان إقبال بمدينة كراتشي، استعرض أمير الجماعة ما زعم أنّه "الإنجازات التنظيمية للجماعة"، ولا سيّما برامج التدريب التقني التي شملت أكثر من (50) ألف فتاة في مجالات تكنولوجيا المعلومات. وربط بين هذه الجهود وبين الدعوة إلى انتخاب الجماعة كبديل سياسي يملك رأس المال البشري القادر على النهوض بالاقتصاد الوطني، بدلًا من الاعتماد المستمر على قروض صندوق النقد الدولي.
ويعكس هذا الخطاب مزيجًا من الرسائل الاقتصادية والدينية والاجتماعية، تحاول الجماعة من خلاله استعادة موقعها كحركة ذات طابع وطني، بعد سنوات من الانحسار الشعبي. ويُظهر حرص قيادتها على تقديم صورة عملية تتجاوز الخطاب الدعوي التقليدي الذي طبع نشاطها في العقود السابقة.
العلاقات مع أفغانستان خطاب مزدوج
على الصعيد الإقليمي، دعا حافظ نعيم الرحمن إلى حل الخلافات بين أفغانستان وباكستان عبر المفاوضات المباشرة، محذرًا من أنّ التوترات الحدودية لا تصبّ في مصلحة أيّ طرف.
وطالب كابل بمنع استخدام أراضيها ضد باكستان، معتبراً أنّ رفضها تقديم التزامات مكتوبة بهذا الشأن قد يصبّ في مصلحة الهند التي وصفها بـ "العدو المشترك". وفي المقابل، انتقد تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف ضدّ حكومة طالبان، مشددًا على أنّ لغة التهديد لن تحقق الأمن، بل يجب أن تركز الحكومة على تحرير كشمير باعتبارها القضية الأهم للأمة الإسلامية.
هذا الموقف يعكس النهج المزدوج للجماعة الإسلامية، الذي يحاول الجمع بين الخطاب الوطني والديني من جهة، والاصطفاف مع التيارات الإسلامية المتشددة في الإقليم من جهة أخرى، في تناقض واضح يعكس انتهازيتها.
من الخطاب الدعوي إلى النشاط السياسي
تكشف متابعة نشاط الجماعة الإسلامية عن تحول تدريجي في استراتيجيتها الإعلامية والتنظيمية. فهي لم تعد تكتفي بالخطاب الديني العام، بل تبنّت لغة سياسية مباشرة تتضمن نقدًا واضحًا لأداء الحكومة، ومواقف محددة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ويلاحظ المراقبون أنّ قيادة الجماعة، منذ تولي حافظ نعيم الرحمن زعامتها، تحاول الجمع بين الدعوة والعمل المجتمعي كوسيلة لإعادة بناء الثقة مع الشارع، خاصة في المدن الكبرى التي تراجعت فيها مكانتها لصالح الأحزاب القومية والمدنية. ويبدو أنّ التركيز على التعليم والتكنولوجيا والتمكين الشبابي جزء من خطة أوسع لاستعادة القاعدة الشعبية.
الجماعة الإسلامية تسعى إلى إعادة تعريف دورها في المشهد السياسي الباكستاني، عبر الانتقال من موقع المعارضة الدينية التقليدية إلى فاعل سياسي اجتماعي يتبنّى خطابًا إصلاحيًا ذا طابع وطني.
ورغم أنّ هذا التحول يمنحها مساحة أوسع للتأثير، إلا أنّه يضعها في مواجهة مفتوحة مع القوى الحاكمة، خصوصًا في إقليم السند ومدينة كراتشي، حيث تتشابك المصالح الحزبية والاقتصادية.
في المقابل، يمنحها خطابها الاجتماعي حول التعليم والبطالة وحقوق الشباب موقعًا متقدمًا لدى الفئات المهمشة، وهو ما قد يترجم في الانتخابات المقبلة إلى حضور متزايد، قد يمثل خطرًا على سياسات الإقليم ومستقبله.
بهذا، تمضي الجماعة الإسلامية في باكستان في محاولة لتثبيت موقعها كصوت المعارضة الاجتماعية الذي يقدّم بديلًا أخلاقيًا وتنظيميًا للنظام السياسي القائم، مستخدمة أدوات العمل الأهلي والتعليم والتقنية لتوسيع قاعدتها، دون أن تتخلى عن ثوابتها الإيديولوجية في القضايا الإقليمية والدولية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)