
في خطوة جديدة تعكس أزمة الخطاب السياسي داخل جماعة الإخوان المسلمين، أصدر المكتب العام للجماعة بيانًا مطوّلًا عقب اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حمل نبرة دعائية تحاول استعادة حضور الجماعة في المشهد العربي والإسلامي بعد فترة طويلة من التراجع والانعزال. البيان، الذي وُصف بأنّه مرتبك وركيك، كشف بوضوح عن تناقضات داخلية عميقة في خطاب الإخوان تجاه الحرب، وأظهر رغبتهم في العودة إلى واجهة الأحداث عبر تبنّي خطاب المظلومية والمقاومة، دون امتلاك أيّ دور فعلي أو تأثير ميداني حقيقي.
البيان بدأ بتوصيف الأحداث من زاوية عاطفية، إذ أعلن أنّ إسرائيل قد هُزمت في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وأنّ المقاومة الفلسطينية قد انتصرت في ذلك اليوم، معتبرًا ما بعده مجرد محاولات إسرائيلية يائسة لاستعادة الكبرياء المفقود. هذا الطرح الذي تجاهل الواقع الميداني والإنساني للحرب بدا أقرب إلى محاولة إعادة صياغة التاريخ بما يخدم رواية الجماعة، إذ يختزل عامين كاملين من الدمار والدماء في صورة "نصر رمزي"، هدفه الأساس هو منح الإخوان مساحة للظهور بعد أن تراجع تأثيرهم في ملفات الإقليم كافة.
الانفصال عن الواقع
من خلال هذه اللغة الانفعالية، حاولت الجماعة أن تربط نفسها بالمقاومة في غزة، رغم أنّ حضورها السياسي والتنظيمي في الساحة الفلسطينية بات محدودًا للغاية منذ انقسام عام 2007. فالجماعة لم تعد تمتلك أدوات حقيقية للتأثير على الأرض، لا في إدارة المشهد ولا في توجيه الفصائل، لكنّها تسعى باستمرار إلى الاستثمار في الرمزية الدينية والسياسية للصراع الفلسطيني كي تحافظ على صلتها بالوجدان الإسلامي العام، وتقدّم نفسها كمدافع عن الأمة في وجه إسرائيل والأنظمة العربية على حد سواء.
اللافت أنّ البيان وجّه سلسلة من التحيات إلى الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، ووصف صمودهم بأنّه إنجاز أسطوري، في محاولة واضحة لتأكيد القرب الإيديولوجي والتنظيمي من تلك الحركات. غير أنّ هذا القرب لم يعد كما كان، إذ تدرك حركة حماس جيدًا أنّ الانتماء التاريخي للإخوان أصبح عبئًا سياسيًا عليها، خصوصًا بعد تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية التي تلاحق التنظيم الأم في أوروبا والعالم العربي. لذلك فإنّ تبنّي المكتب العام لخطاب الانتصار لم يكن سوى محاولة استعراض متأخرة للظهور في المشهد المقاوم، لا أكثر.
ويعكس البيان أيضًا مأزق الجماعة في التعامل مع الواقع السياسي بعد اتفاق وقف إطلاق النار. فبينما تحاول أغلب القوى الدولية والإقليمية الدفع باتجاه التهدئة وفتح مسار إنساني لإعادة الإعمار، تواصل الجماعة التمسك بخطاب تعبوي يتحدث عن الهزيمة الصهيونية، متجاهلة تمامًا حجم الخسائر البشرية في غزة ومأساة المدنيين. هذا التجاهل يعبّر عن عزلة الجماعة عن الواقع السياسي العربي، حيث لم يعد خطابها يُترجم إلى أيّ فعل سياسي أو إنساني مؤثر، بل تحول إلى أداة لتغذية مشاعر الغضب لدى أنصارها عبر بيانات لا تتجاوز حدود الإعلام.
انتهازية سياسية
من جانب آخر، يتضح في البيان هجوم مباشر على الأنظمة العربية، وخاصة النظام المصري، الذي وصفته الجماعة بأنّه جدار حماية للكيان الصهيوني، في إشارة إلى استمرار القاهرة في إدارة معبر رفح ضمن ترتيباتها الأمنية والسياسية. ويكشف هذا الهجوم عن استمرار الإخوان في استخدام القضية الفلسطينية كسلاح سياسي ضد خصومهم الداخليين، دون أيّ التزام بمسؤولية واقعية تجاه معاناة الفلسطينيين. فبينما تواصل مصر جهودها في التهدئة وإدارة المساعدات الإنسانية، تصر الجماعة على تصوير الدور المصري بوصفه عائقًا أمام التحرير، في خطاب مكرر يعكس أزمة فكرية وتنظيمية لم تتغير منذ سقوط حكمها في 2013.
ويلاحظ أنّ البيان استخدم لغة دينية مكثفة، تجمع بين الدعاء والتحريض والتخوين، في محاولة لإحياء المشاعر القديمة التي اعتادت الجماعة توظيفها في التعبئة الشعبية. لكنّه في الوقت نفسه، كشف عن انقطاع الجماعة عن سياق الأحداث الواقعية، حيث لا تشير بياناتها إلى أيّ خطة أو رؤية سياسية تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، أو بمستقبل قطاع غزة، وإنّما اكتفى المكتب العام بترديد شعارات عن المقاومة والخلاص من الأنظمة العميلة، وهو ما يؤكد أنّ الإخوان ما يزالون أسرى خطابهم الثوري القديم، الذي فقد فاعليته في عالم متغير تحكمه الحسابات الدبلوماسية لا الشعارات الإيديولوجية.
من زاوية التحليل السياسي، يبدو أنّ البيان يمثل محاولة لإعادة بناء صورة الجماعة داخل الرأي العام الإسلامي بعد تراجعها في السنوات الأخيرة، خاصة عقب التصعيد الأوروبي ضد شبكاتها الدعوية والمؤسساتية، واتهامها باستغلال قضايا الأقليات لتوسيع نفوذها السياسي. فبعد أن باتت جماعة الإخوان تواجه تضييقًا واضحًا في فرنسا وألمانيا والنمسا، تسعى إلى توظيف ملف غزة لإعادة تلميع صورتها، والظهور كمدافع عن الشعوب المقهورة في مواجهة الأنظمة. لكنّ هذا المسعى يتناقض مع مواقفها السابقة حين كانت في السلطة، حيث اتسم أداؤها بالبراغماتية المفرطة تجاه ملفات المقاومة، بل إنّها خاضت حوارات غير مباشرة مع أطراف غربية لضمان بقائها السياسي، وهو ما يفضح ازدواجية الخطاب بين ما تعلنه للجماهير وما تمارسه في الخفاء.
وبالنظر إلى طبيعة البيان، يتضح أنّه خطاب استعراضي أكثر من كونه تحليليًا أو ميدانيًا. فالجماعة لم تتطرق إلى أيّ تفاصيل حول بنود اتفاق وقف إطلاق النار أو طبيعة التفاهمات التي جرت بين الفصائل وإسرائيل بوساطة مصرية وقطرية وأمريكية، بل تجاهلتها تمامًا لتُبقي النقاش في إطار تعبوي، يقوم على فكرة الانتصار الرمزي ومواصلة الجهاد حتى تحرير الأقصى. هذه اللغة تُرضي أنصارها لكنّها تُفقدها المصداقية أمام الرأي العام العربي والدولي، الذي بات يميز بين المقاومة كفعل مشروع، والتنظيمات التي تستخدمها غطاءً لأهداف سياسية خاصة.
استباق الحظر
ومن المهم الإشارة إلى أنّ توقيت البيان لم يكن عشوائيًا، فقد جاء بعد أيام قليلة من تجدد النقاش في أوروبا حول نفوذ الإخوان داخل المؤسسات الأوروبية، على خلفية رسالة البرلمانية الفرنسية مارين مارشال التي طالبت باتخاذ إجراءات ضد تغلغل الجماعة في بروكسل وستراسبورغ. لذلك فإنّ إصدار البيان في هذا التوقيت يمكن قراءته كجزء من محاولة الجماعة صرف الأنظار عن أزمتها في الغرب عبر تبنّي خطاب الممانعة والمقاومة. إنّها محاولة للهروب من الضغط الأوروبي بتصعيد لغتها ضد إسرائيل والأنظمة العربية، لتظهر بمظهر الضحية والمناهِضة للهيمنة الغربية، رغم أنّ سياستها الواقعية تاريخيًا كانت قائمة على التفاهم مع القوى ذاتها التي تهاجمها اليوم.
كما يمكن فهم البيان بوصفه محاولة داخلية لإعادة توحيد الصفوف التنظيمية التي تشهد انقسامات حادة بين جناحي إسطنبول ولندن، وبين المكتب العام ومجموعة إبراهيم منير. فالقضية الفلسطينية طالما كانت عنصرًا جامعًا داخل التنظيم، واستخدامها في هذا التوقيت يعيد للجماعة مساحة توافق رمزي وسط خلافات داخلية متصاعدة تتعلق بالتمويل والقيادة والشرعية التنظيمية.
غير أنّ هذه المحاولات تبدو محدودة التأثير في ظل واقع سياسي متغير. فالإخوان اليوم لا يمتلكون قاعدة جماهيرية نشطة في أيّ دولة عربية رئيسية، كما أنّ حضورهم في المشهد الدولي يتقلص تدريجيًا مع تصاعد قرارات المراقبة والملاحقة القانونية. أمّا خطابهم حول الهزيمة الإسرائيلية والأنظمة العميلة، فلم يعد يجد صدى إلا في دوائر مغلقة من مؤيديهم التاريخيين.
ومع اقتراب نهاية الحرب في غزة وبدء التحركات الدولية لإعادة الإعمار، يتضح أنّ الإخوان باتوا خارج معادلة التأثير السياسي والإغاثي، فلا دور لهم في الوساطات، ولا وجود لهم في غرف المفاوضات، ولا أيّ تمثيل رسمي في أيٍّ من المحافل التي تبحث مستقبل القطاع. ومع ذلك يحاولون من خلال البيانات الإعلامية الإيحاء بأنّهم جزء من محور المقاومة، وهو خطاب يناقض الواقع الميداني والسياسي الذي يضعهم في الهامش لا في المركز.
في المحصلة، يكشف بيان الإخوان الأخير أنّ الجماعة تعيش ارتباكًا عميقًا بين خطابها الثوري القديم وواقعها السياسي الجديد. فهي تحاول أن تبدو في صف المنتصرين بينما تتجاهل أنّها فقدت تأثيرها الفعلي، وتحاول أن تتحدث باسم المقاومة بينما تفتقر إلى أيّ صلة حقيقية بها. ومع كل محاولة للعودة إلى الصورة، يظهر حجم الانفصال بين الجماعة والواقع، وحجم التناقض بين ما تدّعيه وما يمكن أن تحققه.
وبين وهم النصر الإلهي الذي يروّجه بيانها، وحقيقة العزلة التي تعيشها، تبقى جماعة الإخوان مثالًا صارخًا على فشل الإيديولوجيا حين تصطدم بالوقائع. ومع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لم تكشف الجماعة عن قوتها، بل كشفت عن أزمتها الأعمق: عجزها عن قراءة الواقع، واستمرارها في استدعاء لغة الماضي لتبرير غيابها عن الحاضر.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)