الإخوان المسلمون في ألمانيا: عوامل التمدد وسيناريوهات المواجهة

الإخوان المسلمون في ألمانيا: عوامل التمدد وسيناريوهات المواجهة

مشاهدة

25/11/2020

منذ وصول عناصر الإخوان المسلمين إلى ألمانيا، منتصف القرن الماضي، اعتمدت استراتيجيتهم على تأسيس مجتمعات إسلامية منفصلة، مع اتّباع منهاجية الأسلمة البطيئة، لمنح تلك المجتمعات القدرة على التمدّد، حيث طرح الإخوان أنفسهم كجماعة تدعو إلى التعايش والتسامح، مع الشروع في الانتشار، باستغلال القوانين التي تدعم الحريات الدينية وممارسة الشعائر.

منذ وصول عناصر الإخوان إلى ألمانيا في الخمسينيات اعتمدت استراتيجيتهم على تأسيس مجتمعات إسلامية منفصلة

ويعد المجلس الإسلامي في ألمانيا، هو الذراع الإخواني الأكثر قوة وقدرة على التأثير، ليس بوصفه أحد أقدم المراكز الإسلامية في ألمانيا فحسب، وإنّما لقدرته على التنسيق بين فروع التنظيم الدولي المتعددة، وإدارة شبكة المصالح الإخوانية في ألمانيا، من خلال الأذرع الدينية، والتي تمثلها لجنة الفتوى التي يديرها خالد حنفي، القيادي في التنظيم الدولي.

التمدّد عبر المراكز والجمعيات الإسلامية

بدأ المجلس الإسلامي في ميونخ بتكوين قاعدة شعبية من المسلمين العرب والألمان وجنسيات أخرى، عن طريق اللقاءات والدروس الدينية، وإنشاء المدارس والمساجد والجمعيات الخيرية، تحت غطاء توفير برنامج شامل لرعاية المسلمين، من تعليم وصحة ومساعدات مالية، وبمرور الوقت، أصبحت ألمانيا أحد أبرز قواعد التنظيم الدولي، حيث جرى فيها التخطيط لسياسات الجماعة، وربط مراكز التنظيم الدولي في الغرب بعضها البعض، وجمع التبرعات، والتأثير على صناع القرار، لتحقيق أجندة سياسية بامتياز، وفق خطة طويلة المدى.

يقول الباحث في الحركات الإسلامية، عمرو عبد المنعم، إنّ "جماعة الإخوان، استغلت المساجد والمراكز الإسلامية في ألمانيا، لجذب الشباب ونشر التطرف بين المسلمين، لخلق  جيل إسلامي يظلّ مدفوعاً بتوجهات التنظيم السياسية"، مؤكداً، في حديثه لـــ"حفريات"، أنّ "الدول الأوروبية تركت لهؤلاء الحبل على الغارب، في محاولة للتعرف على الدوافع الدينية لدى الأقليات العرقية وكيفية استغلالها، من خلال توظيف هذه الجماعات الهامشية في الساحة العربية والإسلامية، لتحقيق أهداف سياسية".

بدأ المجلس الإسلامي في ميونخ بتكوين قاعدة شعبية عبر اللقاءات والدروس الدينية وإنشاء المدارس والمساجد والجمعيات الخيرية

ويرى الباحث المصري، أنّ ألمانيا تواجه الآن معضلة كبيرة، "ذلك أنّ خريجي المؤسسات الإسلامية الحكومية، لم ينجحوا في الرد على القضايا الفقهية العامة التي يثيرها الإخوان، كما أنّ المساجد ليس لديها قدرات مادية لدفع رواتب هؤلاء الخريجين بالشكل الذي يناسبهم، ما يتيح الفرصة للجماعة للسيطرة على المساجد، من خلال عمليات التمويل الخارجي، خاصة التمويل التركي، الذي يستهدف السيطرة على المساجد، عبر الأئمة الذين هم في غالبيتهم من جماعة الإخوان المسلمين".

المراكز الإسلامية أداة التمدد الإخواني

في ظل الأنشطة الاجتماعية التي يقوم بها التنظيم، وكذلك المساعدات التي يقدمها للاجئين، حذّرت عدة تقارير أمنية، من ظهور نزعة انفصالية تتعارض وقيم النظام الديموقراطي الحر، وقد لوحظ أنّ الإخوان نجحوا في تكوين نظام اجتماعي وسياسي خاص، من خلال سياسة ملء الفراغ والتركيز على الخدمات الدينية والاجتماعية، وبالتالي الهيمنة على أغلبية المسلمين في المجتمعات التي ينشط فيها التنظيم الدولي.

وبحسب المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإنّ، سعد الجزار، رئيس ملتقي سكسونيا الثقافي في مدينة درسدن، "استخدم شعار جماعة الإخوان المسلمين عدة مرات، كصورة شخصية له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك"، ولفت المركز الأوروبي إلى أنّ السلطات الأمنية الألمانية تأكد لها، أنّ الملتقى يتبع جماعة الإخوان، وكذلك بيت الثقافات المتعددة في مدينة أولم، والذي سبق حظر أنشطته في العام 2005، وتحسباً لوضع الجماعة على قوائم الإرهاب، لجأت مجموعة من المراكز والجمعيات التابعة للتنظيم الدولي إلى الإعلان عن الانفصال عنه، في مناورة سياسية مكشوفة.

عمرو عبد المنعم: جماعة الإخوان استغلت المساجد والمراكز الإسلامية في ألمانيا لجذب الشباب ونشر التطرف

ويؤكد تقرير أمني للمركز الأوروبي، نقلاً عن منظمة كلاريون بروجيكت، أنّه مع مطلع كانون الأول (ديسمبر) العام 2017، أصبح هناك "نحو 2700 جمعية في جميع أنحاء ألمانيا، تضم 40 ألف عضو في منظمة واحدة، من ضمن منظمات الإخوان في ألمانيا".
وفي ضوء ذلك يمكن رصد عدد من المراكز التابعة للإخوان في ألمانيا، بحسب أهميتها وهي:
- المجلس الإسلامي في برلين، ويضم قيادات التنظيم الدولي، والمنسق العام للمجلس الأوروبي للأئمة، خضر عبد المعطي.

- الجمعية الإسلامية في ألمانيا، وبها القيادي، أحمد خليفة.

- المجلس الأعلى للشباب المسلم، ويتبع المركز الإسلامي في ميونيخ، والذي هو بمثابة التنظيم المركزي.

-المركز الثقافي للحوار ببرلين، ويضم القيادي الإخواني محمد طه صبر، ومعه فريد حيدر، وخالد صديق.

- مركز الرسالة ببرلين، ويديرة القيادي الإخواني جعفر عبد السلام.

في هذا السياق، يؤكد عمرو عبد المنعم، أنّ "هيئة حماية الدستور الألمانية، المعروفة بـالاستخبارات الداخلية، بدأت تلاحظ بقلق بالغ، تزايد نفوذ جماعة الإخوان داخل ولاية سكسونيا شرقي ألمانيا، وكيف أنّها باتت تسيطر على المنظمات والجمعيات الثقافية، وعدد كبير من  دور العبادة الخاصة بالمسلمين، الذين قدموا إلى سكسونيا كلاجئين، لنشر نفوذهم الفكري والأيديولوجي، وتعميم تصورات الجماعة عن الإسلام السياسي، وقد أصبحت ألمانيا تمثل الملاذ الآمن والحاضنة الأوروبية لفكر الإخوان، ما ساعد التنظيم الدولي على تكوين شبكة علاقات من جنسيات مختلفة، تداخلت فيها المصاهرات السياسية بالعلاقات الشخصية، للعمل وتوفير الخمس من أجور التابعين لها في صندوق الجماعة الدولي".

الدعم الخارجي يوفر مظلة مالية للتنظيم

ويؤكد عبد المنعم أنّ "الانتشار الملحوظ للمراكز والجمعيات التابعة للإخوان في ألمانيا، جاء بفضل الدعم الذي حصل عليه التنظيم الدولي من الدول الراعية للجماعة، وأبرزها تركيا وقطر، والأخيرة تهدف إلى إعادة إنتاج طروحات حسن البنا والقرضاوي، وبقية أقطاب الإخوان".

اقرأ أيضاً: إيران والإخوان: ما فرّقته المذهبية تجمعه المصالح السياسية

"وربما دفعت السيطرة التركية على المجال الديني الإسلامي في ألمانيا، نحو تنامي نفوذ الإخوان المسلمين، وخاصّة في ظل الدور الذي تقوم به جمعية الأئمة الأتراك (ديتيب) وثيقة الصلة بالتنظيم الدولي"، والتي تعد، بحسب عبدالمنعم، المنظمة الأكبر للجالية التركية في أوروبا، وتدير شؤون نحو 900 مسجد وجماعة دينية في ألمانيا، وهي في رأيه أداة من أدوات التحكم في الأتراك المغتربين؛ من أجل أهداف أردوغان الخاصّة، وهي تمثل صندوق أموال للتنظيم العالمي للإخوان، وخاصّة في السنوات العشر الماضية.

الانتشار الملحوظ للمراكز والجمعيات التابعة للإخوان في ألمانيا يعود بشكل رئيسي لدعم تركيا وقطر

ويؤكد عبدالمنعم أنّ "التمويل الخارجي للاتحادات الإسلامية والمساجد في أوروبا يأتي من تركيا  وقطر ودول أخرى عبّر مثل هذه الاتحادات، ما يجعلها عرضة للاتهام بالترويج لقيم مثيرة للشك على المستوى السياسي، ودعم تكوين مجتمعات موازية، لذلك ينبغى الحذر من مصادر تمويل هذه الجماعات"، لافتاً إلى أنّ "ألمانيا فرضت ضريبة المسجد، لتحويل مسؤولية الدعم إلى الداخل، كما تحاول إعداد برنامج تعليمي لتأهيل الأئمة، بدلاً من استيرادهم من الخارج، وخاصة من تركيا، وذلك على حساب المراكز الإسلامية ذات الثقل، مثل: الأزهر والزيتونية .

من جانبه، يرى الكاتب السوري، شيار خليل، مدير تحرير مؤسسة ليفانت اللندنية، أنّ "برلين لم تكن تعلم أنّ علاقتها بتركيا، وتدخل الدولة التركية في الشؤون الدينية داخل المساجد الألمانية، سينعكس سلباً على الداخل الألماني، حيث كانت أنقرة ترسل حوالي 900 إمام إلى ألمانيا، يشرف عليهم الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (ديتيب)، لتتحول مع مرور الوقت إلى ركيزة لنشر الفكر الجهادي والدعوي في ألمانيا، وعن طريق الحكومة الألمانية بشكل غير مباشر".

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر ورقة تركية في معركة مستمرة ضد ماكرون

ويواصل خليل، حديثه لــ"حفريات" قائلاً: "نتذكر جميعاً ما صرح به كاظم توركمان، رئيس منظمة (ديتيب) في وقت سابق، حول وجود قنوات اتصال بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين، حيث يحاول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من خلال ديتيب، جذب الأتراك المقيمين في ألمانيا منذ عشرات الأعوام، وزيادة نفوذه في ألمانيا، عبّر نشاطات دينية قومية دعوية، وبالتالي تمديد أذرعه في أوروبا والدول المجاورة، تحقيقاً لأحلامه السلطوية.

شيار خليل: برلين لم تكن تعلم أنّ علاقتها بتركيا وتدخلها بشؤون المساجد الألمانية سينعكس سلباً عليها

ويعتبر خليل، ديتيب، والجماعات والتنظيمات التابعة لها، من أخطر المنظمات على الحياة السياسية الألمانية، "لأنّها تسعى إلى استهداف الجالية التركية والعربية في ألمانيا، وجذب الشباب إلى الحركات الدعوية، وبالتالي انتشار قاعدة التطرف والتشدّد في أوروبا، وذلك عبر المساجد، ببث خطاب إسلامي متشدد بين المسلمين".

ويلفت خليل، إلى أنّه "بالرغم من ضعف الأيديولوجيا، ودخول الإخوان في مأزق كبير بأوروبا، فإنّهم مازالوا يسعون من خلال منابرهم الإعلامية والمنظمات والجمعيات والمساجد، إلى نشر خطاب إسلاموي جديد، يستهدف بالدرجة الأولى السياسات الأوروبية، في ألمانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكيا، حيث تسعى الجماعة نحو تعزيز ذلك الفكر المتطرف، وتأسيس كيانات تجارية، لتحقيق ديمومة لهم".

يتابع خليل: "ومن هنا يجب على الحكومة الألمانية السعي وراء استهداف منابع التمويل، التي يرتبط أصحابها بعلاقات مباشرة مع أردوغان والتنظيم الدولي للإخوان، كالشخصيات المعروفة في ألمانيا، مثل: إبراهيم الزيات، وسمير الفالح، والعديد من الشخصيات الحاصلة على الجنسية الألمانية، والتي تعتبر من القيادات الأولى في صفوف الإخوان بأوروبا".

اقرأ أيضاً: رشى "الإخوان" تضع ملتقى الحوار الليبي في مهب الريح

ويختتم خليل: "أوروبا تعي جيداً خطورة الخطاب الإسلاموي، المتمثل في التنظيمات المتفرعة من الإخوان المسلمين، هذا التنظيم الساعي إلى تدمير الداخل الأوروبي، من خلال انتشاره الكثيف بين الجاليات، وحصوله على دعم وتوجيه مباشر من أردوغان، وبالتالي يتزايد تأثيره على السياسات الداخلية في ألمانيا وفرنسا، ونقل مشاكله من داخل تركيا إلى خارجها، بالتزامن مع تقوية التنظيم المتطرف للإخوان في أوروبا".

الصفحة الرئيسية