الأسطورة.. البشرية تحنّ إلى طفولتها

الأسطورة.. البشرية تحنّ إلى طفولتها

مشاهدة

09/08/2020

مُتاح للعقل البشري أن ينحو تجاه الغرائبي والمثير، الأمر الذي ترك المجال لظهور الأسطورة كمكوّن أدبي ينبني على الخيال الصرف، فيبتعد عن الواقع ليخرق المألوف ويقوّض المعتاد.

الأمر ذاته أتاحته المختبرات العلمية العالمية، فأبقت ما هو غرائبي ودخيل ماثلاً أمام عيون المجاهر، منكبّة على التجريب والتكرار والكشف والابتكار بغضّ النظر عن النتائج.

تساءلت الأسطورة التي تمثّل طفولة العقل البشري عن القوى المدبّرة في هذا الكون، في حين أجاب العلم عن المتحكّم بهذه القوى وآلية السيطرة عليها.

تساءلت الأسطورة التي تمثّل طفولة العقل البشري عن القوى المدبّرة في هذا الكون

لم تكن هذه التساؤلات عبثيّة، بل هي محاولة للارتباط بقوى السماء، أو التعلّق بقوى خفيّة بسبب حاجة العقل البشري، وتوقه إلى انضباط ينظّم له مرجعياته المعرفية، ويصوّب طاقاته الإيحائية الذاهبة إلى فهم جدلية الموت والحياة.

في حين جاء العلم ليحقّق أحلام البشرية محاولاً تجنيبها المرض، بل وصل به الأمر إلى جعل إنسان الغد مخلوقاً خالداً، وقد بذل جهوداً جبّارة لمنع موته، فأدخله في طور الشيخوخة في عمر يعادل ربع عمره، فجعله معطلاً عقيماً.   

وكثيراً ما وُظّفت الأسطورة الأدبية لحموله علمية، فكانت أسطورة (سيبيلا) المسار الأنسب للتأمّل في غرائبية العلم.

تتساءل هذه الأسطورة عن مصير الإنسان عندما يصبح في أرذل العمر، فحين أرادت العرّافة سيبيلا أن تفوّت على الموت فرصة اصطيادها، طلبت من كبير الآلهة (أبولو) أن يمنحها أعواماً من الحياة بقدر ما في كفّها من رمال، وقد فاتها أن تطلب الصحة والشباب، فعمّرت ولكن بجسد منهكٍ متهاوٍ.

اقرأ أيضاً: "الأيام": كيف وظّف طه حسين الأسطورة لتحرير العقل؟

وحين سعى العلم والعالم المتحضّر إلى زيادة متوسط عمر الإنسان، مُدججاً المختبرات العلمية بالوسائل، مُغدقاً أمواله على دور البحث، راعياً الباحثين والعلماء، عاد ليعيش كابوس تشييخ المجتمعات، الأمر الذي تطلّب استجابة تعادل المتغيرات، وتضعه أمام تحديات التكاليف والرعاية، فكبُرت الأعباء وأُثقل كاهل الحكومات.

ومثلما لم تتخيّل سيبيلا مجرى حياتها بعد أن استُجيب لطلبها، فكان لها الخلود استرخت مستأمنة الدنيا على مصيرها، كذلك استأمنت الحكومات العالمية على شعوبها التي مدّت بعمرها متطاولة على الموت، فأوصلتهم إلى أرذل العمر ضاربة عُرض الحائط بمخاطر الشيخوخة، فانزلقت إلى مطبّات تضعف همم الأمم وتضعها في حالة من اليأس.

ورغم إضاعتها لحيوية الشعوب وجهدها الفتيّ، إلا أنّها اعتبرت ذلك فتحاً علميّاً، فوقعت بالمأزق عينه الذي أوقع سيبيلا الخالدة المتحوّلة مع مرور السنين إلى عجوز هرمة قزمة ضئيلة الجسم، صغيرة القامة، تصغر كلّما مرّت عليها الدهور،  الأمر الذي دفع بالأولاد إلى التقاطها من الأرض ووضعها في قارورة مردّدين فوق رأسها: ماذا تريدين يا سيبيلا؟ فتجيبهم: أريد أن أموت.

حين سعى العلم والعالم المتحضّر إلى زيادة متوسط عمر الإنسان عاد ليعيش كابوس تشييخ المجتمعات

وما نحا بالبشرية تجاه الخلود، تحوّل إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أيّ وقت، إلى أن أصيب العالم بجائحة (كورونا)، فاستثمرها العالم المتحضّر لتصريف أزمته هذه وتخفيف أعبائه، فمات الكثير من المسنّين العجزة، أو تُركوا للموت تحت ذريعة (الأولوية لعلاج الشباب).

وكأنّي بالأسطورة مادّة استقت موضوعها من الواقع، فلم تخرج عن المألوف كما أرادها الأدب، وما عادت خيالاً صرفاً لارتباط الخيال بالواقع، وتفسير كلّ منهما للآخر، فأزاحت الارتياب الخرافي عنها، ونهضت لتأخذ مكانها على الأرض وتكتسب شرعية التجوّل فيها، في الوقت الذي بدأت فيه المختبرات العلمية تعود بخطواتها إلى الوراء بتؤدة، باحثة عن الجاني بعد أن توهّمت أنّها هزمت الأوبئة والأمراض، والنظام العالمي الأبوي يستصرخ أمّاً حنوناً تعيد للبشريّة طفولتها.

هذه الصرخة لا هي أخرجت سيبيلا من القارورة، ولا هي استطاعت أن تُبقي المسنّين على قيد الحياة.

ولا أدري إن كانت قد تيبّست مساعي العلم أمام الكثير من الأمراض، وتأطّرت في قارورة كتلك التي سُجنت بها عرافة (كوماي).

اقرأ أيضاً: الخرافة الدينية والآخر في التصور الشعبي.. جهل أم عنف؟

كما يؤكّد كلٌّ من العلم والأسطورة على هشاشة الوجود البشريّ في التغلب على الأمراض، وفقدان قدرته على مقاومة الموت، وضعفه في الصمود أمام الكوارث، لذلك دأبت البشرية منذ الأزل على تقديم الأضاحي كطقوس مقدّسة تنال من التكريم ما تنال! وما رمي (عروس النيل) سوى تولٍّ لمسؤولية الخروج بالشعب من مأزق الجفاف والقحط والتضحية في سبيل إنقاذ الجماعة، فعروس النيل القربان الأنسب لمقايضة الحياة بالموت حين تعجز البشريّة عن ردع قوى الطبيعة.

 ما أدي بالبشرية تجاه الخلود تحوّل إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أيّ وقت

وقربان (كورونا) هو رمي المسنّين من البشر إلى الموت، وتصفية البشرية من الإنسان غير النافع بانتظار عودة كلّ بلد إلى وضعه الطبيعي، الأمر الذي استلزم التضحية بهذه الفئة العمرية المستهلكة التي تستنزف خزائن التأمين، وقد أودعوا بها فاتورة عمرهم الباهظة ليتجنبوا وصولهم إلى التهميش والإهمال.

وفق هذا المنطق لا سبيل إلى تنقية المجتمع من المرض إلّا عن طريق إبادتهم وإهمالهم والتضحية بهم لإعادة خلق مجتمع فتيّ! هذا الموت المجّاني للأبرياء والشيوخ هو الذي سينقذ المؤسسات ويعيد إليها خصبها، كتلك الأرض الفتيّة التي ستخصب بعد زواج النيل من عروسه، ولعلّ مقولة جوزيف كامبل الأشهر في كتابه (سلطان الأسطورة) تفسّر الماضي والآني والآتي، فهو يقول: "الأسطورة ليست السبيل لفهم الماضي فحسب، بل لمعايشة تجربة الحاضر".

الصفحة الرئيسية