الأخوات المسلمات.. ما سر ترويج الجماعة للنموذج النسوي الإيراني؟

الأخوات المسلمات.. ما سر ترويج الجماعة للنموذج النسوي الإيراني؟


06/06/2020

لطالما دعت الأخوات المسلمات في مصر، في دروسهنّ الدينية، إلى الاقتداء بنموذج إيران "الديمقراطي"، متغاضيات تماماً عن حالة الانتكاسة التي أصيبت بها نساء إيران، بعد تمكّن الخميني من سدّة الحكم.

لطالما دعت الأخوات المسلمات في مصر في دروسهنّ الدينية إلى الاقتداء بنموذج إيران (الديمقراطي)

منذ تأسيس فرقتهنّ، العام 1933، لعبت الأخوات المسلمات دوراً في التأكيد على حقوق المرأة من منظور شرعي، وإذا قمنا بتحليل الخطاب النسائي للجماعة، سنجد أنهنّ اهتممن بخطاب دعوي سياسي بهدف إقامة خلافة شرعية يتحدّد فيها دور المرأة، وفق ما لا يتعارض مع الشريعة، ولا أثر في مفردات نساء الجماعة لخطاب حقوقي نسوي متماسك.
لهذا لم تتعاطف نساء الجماعة مع شيرين عبادي، الفائزة بجائزة نوبل للسلام، العام 2003؛ حيث إنّها مثلت كلّ ما كانت تناهضه وتحاربه الأخوات المسلمات؛ فالأخوات لا يسعين لحقوق نسوية، بل إنّ الحركة النسوية خارج إطار الجماعة تسعى لهدم الإسلام، وهو خطاب الجماعة الذكوري نفسه الذي تتبنّاه الأخوات.
الأخوات المسلمات لم يركّزن على الخلاف المذهبي مع إيران، ربما لأنّه لم يكن ذا أولوية في ذلك الحين؛ فالأولوية كانت لنموذج الدولة الدينية الإسلامية اللاتي يقمن بالترويج لها.

شيرين عبادي من قاضية إلى كاتبة بالمحكمة

قبل أن تتسلم شيرين عبادي جائزة نوبل، مررت أصابعها على شعرها بلا حجاب، في تحدٍّ واضح للملالي في إيران؛ حيث تسلمت الجائزة دون الحجاب الذي فرضته الجمهورية الإسلامية عنوة على نساء إيران.
ولدت شيرين عبادي في همدان، العام 1947، وتخرجت في كلية الحقوق بجامعة طهران، العام 1969، واستطاعت أن تجتاز اختبار القضاة العام 1970، لتصبح أوّل قاضية في بلادها إيران في سنّ الثالثة والعشرين؛ حيث إنّ السلك القضائي لم يضع حدّاً أدنى للتقدم لاختبار القضاة، وأصبحت فيما بعد رئيسة المحكمة التشريعية وهي في سن الثامنة والعشرين، العام 1975.

ظلت الحركة النسوية في إيران تدور في إطار المطالبة بتفسيرات أكثر مرونة للشريعة الإسلامية

شاركت شيرين عبادي في ثورة شباب ونساء إيران ضدّ حكم الشاه الأوتوقراطي، وبعدما تمكّن الخميني (1902- 1989) من سدة الحكم، قام بعزل القاضيات وتحويلهن إلى وظائف مكتبية. 
استقالت عبادي من مهنتها ككاتبة في المحكمة، وتقدمت بطلب لتعمل كمحامية، إلا أنّ طلبها قوبل بالرفض، فمكثت بالمنزل 13 عاماً تفرغت فيها للكتابة، حتّى تمكّنت من الحصول على حقّ مزاولة مهنة المحاماة فعلياً، العام 1992، ودافعت عن حقوق النساء والمواطنين في قضايا عدة.
كتبت عبادي عن تلك المرحلة المريرة في كتابها الصادر العام 2006؛ "إيران تستيقظ، مذكرات الثورة والأمل"، وصدر الكتاب بالإنجليزية تحت اسم "Iran Awakening، A memoir of Revolution and hope".
تقول شيرين عبادي في مذكراتها: إنّ ثورة بلادها انتهت حين قرأت في مجلة "انقلابي إسلامي" نظام العدالة الجديد، الذي أقرّ بأنّ حياة المرأة تساوي نصف حياة الرجل (كما هو في نظام الدّية بحسب الشريعة)، كما قرأت أنّ شهادة المرأة تُحتسب نصف شهادة الرجال في الشهادة على الجرائم في المحكمة، كما قرأت أنّه يتحتم على المرأة أن تطلب موافقة زوجها على الطلاق، عملاً بنظام الولاية في الشريعة، بعدما كانت المرأة تتمتع بالمساواة في الحقّ المدني للطلاق قبل الثورة، فوصفت شيرين عبادي قانون العدالة الجديد بأنّه "أطاح بتاريخ نضال المرأة الإيرانية" (ص 64-65).
لم تكن شهادة شيرين عبادي هي الوحيدة فيما تعرضت له نساء إيران مع تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ فرضا خليلي، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني؛ سرد واقعاً مريراً في مذكراته "A Time To Betray"، أو "وقت للخيانة"، ما كابدته النساء على أيدي رجال ولاية الفقية قائلاً: "نساء إيران لم يعدن يتمتعن بكل المميزات التي كنَّ يتمتعن بها من قبل، وأصبحن يتعرضن للملاحقات على يد شرطة المطوع".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة دور المرأة في الجماعة وكيف نشأ قسم الأخوات المسلمات؟
كلّ هذه التفاصيل لم تتطرق لها الأخوات المسلمات، وهنّ يروّجن لنموذج إيران الديمقراطي، وبكل تأكيد لم يتعرضن لحكم إعدام وزيرة التعليم الإيرانية، فرخ روبارسا، رمياً بالرصاص، العام 1980، بعد مثولها أمام محاكم الثورة الإسلامية بتهمة محاربة الله.
وكانت فرخ روبارسا قد تبنّت قضايا حقوقية عديدة للمرأة، من بينها؛ رفع سنّ الزواج (راجع كتاب "اغتيالات وإعدامات: موسوعة العنف السياسي"، هاريس لينتز، 1986).
مغالطات الحجاب والديمقراطية في إيران
اتهمت الأخوات المسلمات في مصر الشاه بمنع الحجاب، وفي حقيقة الأمر؛ كان هناك لغط كبير في هذا الخصوص؛ لأنّه حين قامت الثورة الإيرانية، العام 1979، لم يكن الحجاب ممنوعاً فعلياً في إيران، فقانون كشف الحجاب (أي منع الحجاب)، الذي تم تفعيله العام 1936، على يد الشاه رضا بهلوي، تمّ إلغاؤه في عهد ابنه محمد بهلوي، الذي قامت الثورة ضدّه (انظر كتاب "ثلاثون ذكرى من عصر بهلوي الميمون"، علي أصغر حكمت، 1937، دار نشر وحيد، طهران، ص 90)، وكتاب "مقدمة إلى نظام شخصية المرأة في الإسلام"، دار نشر مكتب دراسات وبحوث المرأة، محمد تقي السبحاني ومحمد رضا زيبائي نجاد، 1959م، ص 163).

اقرأ أيضاً: "شبكة الأخوات" السلفية تحت مجهر الاستخبارات الألمانية
وإن كانت الثورة الإيرانية، التي صُبغت بالإسلامية فيما بعد، قد جاءت لتنتصر للنساء اللاتي مُنعن من ارتداء الحجاب، فكان من الممكن أن تكتفي الثورة بالسماح بالحجاب لمن تريده، بدلاً من فرضه بالقانون على نساء شعب بأكمله، والتفرغ للتنكيل بمن لا تلتزم به؟!
كما لم تتعرض الأخوات المسلمات في مصر، وهنّ يتحدثن عن ديمقراطية إيران، للشرطة الأخلاقية وملاحقتها للنساء في الشوارع، إن تحرّرن من الحجاب الإجباري لبضع سنتيمترات.
التضييق على المرأة الإيرانية
بدأت حركة حقوق المرأة في إيران تتخذ منحى مختلفاً بعد وفاة الخميني (1989)، إلّا أنّ الأمور لم تتبدل جوهرياً بكلّ تأكيد، وظلت الحركة النسوية تدور في إطار المطالبة بتفسيرات أكثر مرونة للشريعة الإسلامية.
في هذا السياق، تمّ إصدار أول عدد من مجلة "زنان"، وترجمتها الحرفية باللغة العربية هي "مؤنث"، رئيسة تحرير هذه المجلة هي شهلا شركات، وتبنّت من خلالها قضايا المساواة بين الجنسين؛ حيث نشرت مقالات بأقلام نسوية تطالب بإصلاحات شاملة وقوانين واضحة لمواجهة العنف الأسري، ومن ثم اتُّهمت بأنّها تناقش موضوعات جدلية تسيء للإسلام، رغم أنّها كاتبة منتمية لتيار النسوية الإسلامية لا العلمانية، فأغلقت الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجلة تماماً ونهائياً، العام 2008، بتهمة تهديد الأمن النفسي للمجتمع الإيراني.
جاء إغلاق مجلة "زنان" عامين إبان تأسيس حملة المليون توقيع الإيرانية، في 28 آب (أغسطس) 2006، التي تهدف إلى جمع مليون توقيع لتغيير القوانين المجحفة بحق النساء، بعدما تمّ القبض على 70 امرأة تظاهرن في حزيران (يونيو) 2006، للمطالبة بتغييرات تشريعية خاصة بالمرأة، ومنها ضمان حقوق متساوية في الزواج والطلاق، ووضع حدّ لما يُعرف باسم زواج المتعة، كذلك طالبنَ برفع سنّ المسؤولية الجنائية إلى 18 عاماً؛ حيث إنّ الفتيات والصبية يخضعون للمسؤولية الجنائية فور البلوغ.

القيادي الإخواني أحمد يوسف اعتبر إيران نموذجاً لجمهورية القرآن والسلطان

كذلك طالبت حملة المليون توقيع بالمساواة بين الرجل والمرأة في الدية، والمساواة في التعويضات التي تُمنح عن جرائم القتل أو الإصابة بالخطأ؛ أي إنهنّ اعترضن على أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل.
كما تتعرض المرأة في إيران لتمييز يمنعها من حرية التنقل دون إذن الزوج؛ حيث إنّه، بموجب المادة 18 من القانون المنظم لاستخراج وثائق السفر في إيران؛ تحتاج النساء إلى موافقة كتابية من الزوج لاستخراج وثيقة السفر، أما بموجب المادة 19 من القانون ذاته؛ فيحقّ للرجل منع زوجته من السفر كما تحقّ له مطالبة الجمهورية الإسلامية بمصادرة وثيقة السفر؛ حيث تخضع المرأة لولاية الرجل، كما أنّ الزوجة تُعد "ناشزاً" إن تخلفت عن دعوة زوجها للفراش، بحسب المادة 1108 من القانون المدني الإيراني، مما ينتج عنه فقدانها لحقوقها الزوجية كافة.
كلّ هذه التفاصيل باتت غائبة عن مرويات الأخوات المسلمات، وهنّ يتحدثن عن نموذج الديمقراطية في الثورة الإسلامية في إيران بهدف تسويقها في المجتمع المصري.

اقرأ أيضاً: انتهاكات حوثية بحق المرأة اليمنية.. تقرير دولي
لكن من باب الموضوعية؛ فالأخوات لجأن للاستشهاد بالانتخابات التنافسية في إيران، وهي الحالة المتعثرة والغائبة في عدد من البلاد العربية ذات الخلفية السنّية، فبعض البلاد العربية قائمة على الاستفتاء، وبعضها تعقد انتخابات شكلية تؤسس على فكرة المنافس الوهمي، لكنّ تردّي مستوى الديمقراطية في البلاد العربية يدفع القوى المدنية لتبنّي مسارات ديمقراطية لا الترويج لنموذج ثيوقراطي ديني يعصف بالحقوق الأساسية للمواطنين والنساء كما يفعل الإخوان المسلمون.
كما أنّ الانتخابات التنافسية في إيران لا تتم في أجواء حرة كاملة؛ فرئيس إيران يظلّ تحت سيطرة مرشد الثورة الإسلامية، ولا يتم قبول ترشّح رئيس إلا بموافقة المرشد.
رئيس إيران في جلباب المرشد
المرشد الأعلى، أو الإمام الفقيه، هو من يُصدّق بالموافقة على أسماء المرشحين للرئاسة؛ أي إنّ الرئيس فعلياً يعيش في جلباب المرشد؛ لذا فإنّ أكبر آمال نساء إيران يكمُن في انتخاب رئيس إيراني إصلاحي؛ أي ليس متعنتاً محافظاً متزمتاً بدرجة كبيرة؛ لأنّه، في نهاية المطاف، سيكون إصلاحياً تحت راية ولاية الفقيه؛ أي إنّ الرئيس سيتحرك في مساحة ضيقة جداً.
وبالفعل كانت مساحة الإصلاحات محدودة حتى في عهد الرئيس محمد خاتمي (تم انتخابه عام 1997) الذي لجأ إلى تعيين نائبة لشؤون البيئة، وهي السيدة معصومة ابتكار، الحاصلة على الدكتوراه في علم المناعة، ولها باع كبير في مجالها، دون شكّ، إلا أنّها أيضاً من النساء اللاتي دعمن الجمهورية الإسلامية، وكانت المتحدث الرسمي باسم الطلاب الإسلاميين الموالين للإمام الخميني، الذين اقتحموا السفارة الأمريكية بطهران، في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، في الحادثة الشهيرة المعروفة باسم "أزمة الرهائن"؛ أي إنّ إيران قدمت نموذجاً للنسوية السلطوية، أو النموذج المؤيد للسلطة، والذي تدّعي الأخوات المسلمات في مصر أنهنّ يحاربنه. 

اقرأ أيضاً: المرأة وتجنيد الإرهابيين.. تحذيرات من عودة "داعش"
لكنّ الأخوات المسلمات، وهنّ جناح نسائي لجماعة الإخوان، قمن بالدعاية للجمهورية الإسلامية في إيران؛ لأنّها تمثل نموذج تأسيس دولة الخلافة والارتداد والانقلاب على مظاهر المدنية أو ما تيسر منها، وهو ما يتوافق مع ما كتبه القيادي بالجماعة، أحمد يوسف، حين شدّ على يد الثورة الإيرانية، وعدّ إيران نموذجاً لجمهورية القرآن والسلطان، كما جاء في كتابه "الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران: جدلية الدولة والإمام في فكر الإمامين البنا والخميني"، 2010.
لا شكّ في أنّ الحراك النسوي في البلاد العربية السنّية ما يزال تحت تأثير الشعارات الإسلاموية، مهما تبنت هذه الدول من شعارات الحداثة وحقوق المرأة، فأغلب البلاد العربية ذات الأغلبية المسلمة تواجه أزمات في تعديل قوانين الأحوال الشخصية؛ بسبب لجان الشؤون الدينية في البرلمان، وعقل المشرّع الحكومي والسلطة التي تصرّ على منح الحقوق النسوية في إطار قراءات فقهية بعينها، لكنّ التعاطي مع هذه الحالة يتمّ بمواجهة النسوية السلطوية، ذات النكهة الشرعية، وبحث آليات التغيير نحو الحداثة، وإقرار الحقوق، وليس الدعوة لاستيراد نظام دولة الفقية في إيران، بحسب خطاب الأخوات المسلمات اللاتي شرعن في تزييف الواقع وصنع حالة وهمية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية