الأحزاب الإسلامية المصرية في 10 أعوام.. ماذا أضافت للحياة السياسية؟

الأحزاب الإسلامية المصرية في 10 أعوام.. ماذا أضافت للحياة السياسية؟

مشاهدة

29/06/2021

مر عقد من الزمان على السماح للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في مصر بالعمل السياسي رسمياً، بعد أن كانت ممنوعة، عشرة أعوام كاملة سمح فيها لها بالعمل بشكل قانوني، بعقد اجتماعات لأعضائها، وإجراء انتخابات داخلية معلنة، والتعليق على موضوعات مجتمعية، مدة تستحق الدراسة والتقييم، للإجابة عن أسئلة موضوعية مثل: هل استثمرت الأحزاب تلك الفرصة لتثبت أنها جديرة بالحصول عليها؟ أم أهدرتها في الخلافات الفقهية المؤسسة للمرجعية الإسلامية؟ هل استطاعت الأحزاب الإسلامية أن تكون إضافة في الحياة السياسية وترسيخاً عملياً للدولة المدنية القانونية، أم أن تجربتهم لم تتجاوز كونها فرصة لبث أفكارهم الماضوية التقليدية القديمة التي يبثونها عندما كانوا جماعة سرية ممنوعة بالقانون.

اقرأ أيضاً: ثورة يناير: كيف قوّضت تناقضات الإخوان مساعي الديمقراطية في مصر؟

هل أثبتت التجربة أنّ السماح لهم بالعمل الرسمي منعهم من حمل السلاح والخروج على الدولة، أم أنهم فور الاختلاف معهم استدعوا النصوص الماضوية التي تبيح لهم قتل المخالفين لهم واعتبارهم مستحلي الدماء؟ هل فعلاً الشارع المصري كان ينتظرهم ليملأوا الأرض سلاماً وعدلاً ورحمة لأنهم أكثر الناس تقوى؟ أم أنّ الإقبال عليهم كان تجربة مريرة لم يتحمل المجتمع المصري استكمالها للنهاية؟

تبدأ قصة الأحزاب الإسلاموية بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث تم تعديل قانون الأحزاب السياسية، وسمح للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية بالتسجيل والحصول على الترخيص لمزاولة العمل الحزبي السياسي،  خلاف مرحلة مبارك التي كانت تعتبر أنّ الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية هي أحزاب دينية، وبالتالي يحظر قيامها، لكن الوضع تغير فجأة، ولم تكن تلك الجماعات على استعداد كاف لاستيعاب ما حدث، لكنهم  تعاطوا مع أحداث "25 يناير" بكثير من الحذر، وبعد تنحي مبارك اندفعوا للمشاركة في كافة الأنشطة السياسية المحرومين منها، لكنهم شاركوا معتبرين أنفسهم الورثة الشرعيين لدولة مبارك.

الإسلاميون بدل إيجاد حياة سياسية بقيم إسلامية جديدة إذا بهم يمارسون السياسة بفكرة صراع أهل الحق ضد أهل الباطل

فأسرعت جماعة الإخوان بتسجيل "حزب الحرية والعدالة" في 6 حزيران (يونيو) 2011 ، كامتداد لها، كما تمكنت الدعوة السلفية العلمية (سلفية الإسكندرية) من تقديم "حزب النور" في 12 من الشهر نفسه كممثل لها، وتمكنت الجماعة الإسلامية من تقديم "حزب البناء والتنمية" في 29 آب (أغسطس) 2011 كممثل لها.

نلاحظ أنّ المكون الثلاثي الرئيسي للحالة الإسلاموية المصرية، أول من استفاد من ثورة 25 يناير، وباستثناء الإخوان فإنّ مسارعة السلفيين والجماعة الاسلامية لإنشاء أحزاب سياسية لهم، جاء في الغالب عكس توجهاتهم السابقة، والتي تم تربية كوادرهم الرئيسة عليه، مما ترك أثراً سلبياً أثناء الممارسة السياسية، ومهما أفرط دعاة السلفية أو الجماعة الإسلامية في سرد مبررات انخراطهم في العمل السياسي، فقد ظل المواطن المصري يتوجس خيفة من الانخراط في صفوفهم وتنظيماتهم، وظلت العضوية محصورة في عناصر التيار وإن لم تكن ممنوعة على غيرهم.

اقرأ أيضاً: كيف تغيّرت السّياسة الخارجيّة لمصر بعد 25 يناير؟

ولأسباب مختلفة، شعرت باقي مكونات الحالة الإسلامية بضرورة التواجد بحزب رسمي، ربما خوفاً من هيمنة تيار بعينه على الحالة الإسلاموية، وابتلاعه الآخرين فيصبح هو المعبر الوحيد للإسلام، أو ربما حتى لا تختصر التجربة في حزب واحد، إن نجحت التجربة نجح المشروع الاسلاموي، وإن فشلت فشل المشروع بأكمله، لذا تقدم التيار السلفي الحركي، وهو يختلف عن سلفية الإسكندرية، بتكوين حزب الفضيلة ليكون ذراعه السياسي، وعقب حصول الحزب على رخصة العمل نشبت خلافات حادة غير منطقية بين المؤسسين، نتج عنه انشقاق في الحزب، وتكوين حزب جديد هو "حزب الأصالة"، فأصبح للتيار السلفي الحركي حزبان "الفضيلة" و"الأصالة".

ثم بانشقاق رئيس "حزب النور" الدكتور عماد عبد الغفور وتأسيسه حزب "الوطن" في 1 كانون الثاني (يناير) 2013، يصبح للسلفية العلمية بالإسكندرية حزبان، ثم في آخر التجربة؛ يقوم الإخواني "حازم صلاح أبو إسماعيل" بجمع شتات تيار "حازمون"، وهو تيار سائل في حزب، أُطلق عليه "حزب الراية"  وذلك في شباط (فبراير)  2013.

ظل المواطن المصري يتوجس خيفة من الانخراط في صفوفهم وتنظيماتهم وظلت العضوية محصورة في عناصر التيار

 ويمكننا رصد بعض الملاحظات المهمة على الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في تلك المرحلة، فيلاحظ في مرحلة التأسيس سهولة الانشقاق، رغم أنّ الجذر الفكري واحد وأنّ الوسيلة واحدة، إلا أنّ الانشقاق كان الحل الحاضر بقوة عند أول خلاف، وهذا يعطي دلالة عن هشاشة المرجعية في التوحيد وجمع الكلمة، فلم ينجحوا في تطبيق روح الأخوة الإسلامية التي بشروا بها دوماً؛ من الواضح  أنّ الإسلاميين بدل أن يوجدوا حياة سياسية بقيم إسلامية جديدة، إذا بهم يمارسون السياسة بفكرة صراع أهل الحق ضد أهل الباطل وهو سمت إسلاموي بامتياز.

اقرأ أيضاً: الإخوان والقتل العشوائي.. مفكر مصري يروي مآسي "25 يناير"

 يلاحظ أيضاً في مرحلة التأسيس، تشتت الغاية الحزبية، فالغاية من أي حزب سياسي هي التنافس على تقديم البرامج الحزبية التي يرون أنّها الأفضل في قيادة المجتمع أو المشاركة في قيادته، لكن من الواضح أنّ قواعد الحزب كانت ترغب في أن يكون الحزب مجرد واجهة للجماعة لا أكثر، لذا يلاحظ أنّهم مارسوا العمل الدعوي تحت لافتة الحزب، مما خلق فجوة بين الغايتين أضعفت وجودهم في الشارع المصري.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟

شاركت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في الانتخابات البرلمانية، وحصلت مجتمعة على أغلبية مطلقة في البرلمان، وأغلبية مطلقة أيضاً في مجلس الشورى الغرفة الثانية للبرلمان المصري، وتشير التقارير السياسية عن تلك الفترة أنّ أداءهم كان مليئاً بالمراهقة السياسية، مثل خلافاتهم على القسم في البرلمان، أو على المادة الثانية من الدستور، أو على الإصرار على تكوين هيئة دينية منوط بها مراجعة القوانين لتكون موفقة للشريعة الإسلامية، من هنا لم يشعر المواطن المصري بأنّ ثمة تغييراً جذرياً وجوهرياً يتناسب مع الثورة والإطاحة بمبارك الرئيس القوي المهيمن على السلطة قرابة الثلاثين عاماً، فانصرف عن التعلق بهم أو اعتبارهم أملاً في الحصول على مستحقاته المسلوبة في المرحلة السابقة، وعندما فقد البرلمان بوصلته تم حله من قبل المجلس العسكري الذي كان يدير البلاد.

ثم تُوّج حصاد الإسلاميين بفوز مرشح الإخوان المسلمين بمنصب رئيس الجمهورية، وظهرت طفولية التفكير  عند الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، التي عادت كل القوى المدنية ولاحقتها بالشائعات لما تملكه من قوة تأثير في الشارع المصري، ودخلت مصر في موجة من الرفض الشعبي لسياسة الرئيس الإخواني محمد مرسي، ولم يدرك قادة الأحزاب الإسلامية طبيعة اللحظة التاريخية ولا الظروف المجتمعية ولا موقعهم كأحزاب سياسية عليهم قيادة العمل السياسي لبر الأمان، بل ارتكسوا إلى حالتهم الأيديولوجية وانحازوا للإخوان باعتبار أنّ فوز محمد مرسي بالرئاسة هو تمكين لدين الله، وليس نجاحاً سياسياً تحكمه قواعد تداول السلطة، ومن ثم كانت مواقفهم متسقة مع أفكار الجماعات الإسلامية، المتناقضة مع الدور الوظيفي للحزب، فعضو الجماعة يرى مناصرة الإخوان ومحمد مرسي واجباً وفرضاً دينياً، في حين كان عليه كسياسي أن ينحاز للجماهير وينضم إليها، لهذا نجد أنّ رفض حزب النور الثورة  على مرسي كان من منطلق ديني؛ حيث إنّهم يؤمنون بعدم الخروج على الحاكم المتغلب، وهي فكرة تتنافض بالكلية مع تداول السلطة، وحق الشعب في الثورة وتغيير الحكم بالقوة مستخدمين أدوات ومؤسسات الشعب في ذلك، كما نلاحظ أنّ حزب الوطن والراية والبناء والتنمية انحازوا للإخوان في اعتصام رابعة المسلّح، وهو عمل غير سياسي بالكلية، ولا يمكن اعتبار الخطاب الدعائي من على منصتي رابعة والنهضة خطاباً سياسياً، فالتحريض على العنف أو التهديد به ليس من أدوات الأحزاب السياسية، بل محظور على الأحزاب تكوين مجموعات مسلحة أو أن يمارس عناصرها عملاً مسلحاً مهما كان نوعه وشكله.

يلاحظ في مرحلة التأسيس سهولة الانشقاق رغم أنّ الجذر الفكري والوسيلة هي نفسها

ثم بعد فض اعتصام رابعة استمرت بعض الأحزاب في الانضمام للإخوان فيما يسمى "جبهة دعم الشرعية"  مثل حزب البناء والتنمية وحزب الفضيلة وحزب الإصلاح والحزب الإسلامي وحزب الوطن الذي ينسحب لاحقاً (2014) وحزب الوسط الذي سينسحب لاحقاً أيضاً (2014) وحزب الراية، وللتذكير فإنّ كثيراً من المراكز البحثية اعتبرت فاعليات دعم الشرعية لم تكن أبداً مساراً سياسياً معارضاً، بل كان مساراً مناوئاً للسلطة التي نشأت بعد 3 (يوليو) 2013، والجدير بالذكر أنّ موقف "حزب النور" الذي لم ينضم للإخوان في تلك المرحلة وانحاز لبيان 3 تموز (يوليو)، اتخذ ذلك الموقف من منطلق فكرة مهيمنة هي وجوب السمع والطاعة للحاكم المتغلب وهي في كل الأحوال فكرة غير سياسية وتتناقض مع المفهوم العملي للحراك السياسي.

وأخيراً نلاحظ تيبس البنية التنظيمية لتلك الأحزاب، فكثير منها لم تجدد شبابها ولم تغير قياداتها منذ التأسيس، فحزب البناء والتنمية يتولى رئاسته طارق الزمر، ولم يتغير حتى الآن، وكذلك حزب الوسط الذى يترأسه أبو العلا ماضي، وحزب النور منذ استيلاء الدكتور يونس مخيون على مقاليده مايزال على مقعد القيادة، وتم تجديد الثقة فيه منذ أيام، أما حزب الوطن الذي يترأسه الدكتور عماد الدين عبد الغفور فهو على رأسه ويرسم سياساته منذ اللحظة الأولى.

اقرأ أيضاً: عنف التشدد الديني في مصر... سنوات ما قبل 25 يناير

اليوم وبعد مرور عشرة أعوام يمكننا القول إنّ حصاد التجربة السياسية للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لم تكن ناجحة بالشكل الكافي لتحظى بالقبول الشعبي، وذلك يعود لضبابية مفاهيمها السياسية، وعلاقتها بالإسلام كمرجعية، ولضمور الممارسة السياسية وتشتت الغاية وهشاشة البنى التنظيمية والقابلية للتشظي والانشقاق، والارتكاس لفكر الجماعات السرية والمسلحة.

الصفحة الرئيسية