قواعد الفكر الإخواني (20): الأخوّة التنظيمية فوق الإنسانية

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (20): الأخوّة التنظيمية فوق الإنسانية

مشاهدة

12/04/2018

"إحنا شعب وأنتو شعب" أغنية قدمها المطرب المصري علي الحجار في تموز (يوليو) 2013، في سياق أجواء شعور عام، سيطر على جموع الشعب المصري، تجاه جماعة الإخوان التي برهنت، في العديد من المحطات التاريخية، على ضعف الرابطة الوطنية لديها وبعدها عن قيم المواطنة والأخوّة الإنسانية التي لا تكاد تعترف بها أصلاً.

فصام بين شعبين

الأغنية التي هاجمها بعض الناس ردّت عليها الجماعة، عبر منشد يدعى أبو عمار، بأخرى تؤكد هذا الفصام بين شعبين، مؤكدة شعور الإخوان بتمايزهم؛ النفسي والاجتماعي عن الشعب المصري؛ بل وإيمانهم بقيم أخرى لا تدخل بينها قيم المواطنة، أو الأخوّة الإنسانية؛ حرصت كلمات الأغنية الإخوانية على تزكية "شعب الإخوان"، بالقول "إحنا شعب المؤمنين..إحنا تابعين للأمين... إحنا ندعو للإيمان"، ولم ينسَ كاتب الأغنية التهجّم بابتذال على الشعب المصري قائلاً: "إحنا خدنا العفة راية، والشرف مبدأ وغاية، وأنتو ناس من العرايا".

الأخوّة الإنسانية التي حض التشريع المؤمنين على التمسك بها اختزلها التنظيم في الطائفة أو الجماعة

كشفت هذه الأغنية واحداً من أهم ثوابت الإخوان الفكرية، ألا وهو الاستعلاء على الأخوّة الإنسانية، تلك القيمة التي جاء التشريع الإلهي في الكتاب والسنة ليؤكدها، ويحضّ المؤمنين على التمسك بها، اختزلها التنظيم في الطائفة أو الجماعة.

"إحنا شعب وأنتو شعب" أغنية قدمها المطرب المصري علي الحجار في تموز (يوليو) 2013

أخوّة التنظيم المغلقة

ظلّت دائرة الأخوّة تضيق في عقل الجماعة فخرجت من دائرة الإنسانية وتجاوزت دائرة أخوّة الأمة والوطن والشعب، لتقف عند دائرة التنظيم، فمن كان عضواً في التنظيم مطيعاً للقيادة، فهو الأخ المثالي الذي يظفر من إخوانه بكلّ الحقوق، التي تتوسّل بدورها بحقوق الأخوّة المعروفة؛ من إفشاء السلام، إلى عيادة المريض، وتفقّد أحواله، وإجابة دعوته والنصح له، والإحسان إليه، تلك الحقوق التي نزل بها وحي السماء، هي حقوق الإنسان تجاه أخيه الإنسان، ما جمعها وطن أو سفر.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني(1).. الإرهاب فريضة والاغتيال سنّة

هذه الأخوّة الإنسانية التي حثّنا الله على الوقوف عند واجباتها، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

كيف تستقيم معاني الأخوّة في نفوس ترى أنّها على الحقّ المبين والبقية في ضلال مبين؟

أعلى الحقّ، تبارك وتعالى، شأن الأخوّة الإنسانية، وحضّ الناس على التعارف والتفاهم، وإن اختلفت الأجناس والألوان والأديان، فقد قضت سنّته تعالى أن يكونوا على هذا التنوع الخلاّق، جاعلاً الميزان بينهم التقوى، فضيلة لا يحتكرها جنس أو دين أو عرق.

استبدلت الجماعة الأسرة الدولية، وأسرة الوطن الواحد، بأسرة أعضاء التنظيم، ومن ثمّ تقدمت أخلاق الأخوة التنظيمية لتحلّ محلّ دوائر الأخوة الإنسانية الواحدة وأخوة الوطن الواحد.

البقية في ضلال!

كيف تستقيم معاني الأخوة في نفوس ترى أنّها على الحقّ المبين، بتصورها عن الدين، والبقية في ضلال مبين، إن لم تصلحهم الدعوة، يصلحهم السيف متى امتلكت الجماعة القدرة على رفعه في وجوه الجميع.

اختبأ حسن البنا خلف معاني الأخوّة الإنسانية، وأخوة المؤمنين، ولم تكن عملياً سوى لون من ألوان الأخوّة في التنظيم، التي تقنّعت كغيرها من ثوابت الفكر الإخواني بالنصوص تأويلاً واختزالاً.

اختبأ البنّا خلف معاني الأخوّة الإنسانية لتمرير ثوابت الفكر الإخواني التي تقنّعت بالنصوص تأويلاً واختزالاً

من يتأمل فقط فيما كتبه الإخوان عن طرق توثيق المرشَّح لنيل عضوية التنظيم، أو الانتقال من مرحلة مؤيد إلى مرحلة منتسب، وهي المرحلة التي يعدّه التنظيم فيها فرداً من أفراده، يكتشف أيّ لون من ألوان الأخوة يؤمن بها الإخوان.

في بند "الواجبات العملية" يرد حرفياً: "التعارف الذي يوصل إلى قمة التفاهم بين الإخوان، بحيث يصبح الطابع الذي يميز أفراد الجماعة أنّهم يفكرون بطريقة واحدة، ويتحدثون بلغة واحدة"، والفقرة دالة في ملامح الشخصية التي يريد لها التنظيم التنميط الكامل.

معاداة التنوع والاختلاف

أشدّ ما يزعج الإخوان التنوع الفكري والنفسي؛ فالجماعة هي أقرب لجيش من الجنود ذوي تكوين عقائدي يجعلهم يفكرون بطريقة واحدة ويتجهون إلى هدف واحد، تحدّده قيادة التنظيم، وتبقى العلاقة بينهم هي علاقة الآمر والمنفِّذ، يخضعون لمراقبة دقيقة للوقوف على تحقق شروط الانتظام فى جيش الإخوان؛ حيث يؤكّد المسؤول على القائم بعملية التكوين الأيدولوجي، أنّ تتمّ لقاءات التقييم والمتابعة بصورة طبيعية، "بحيث لا يشعر الفرد فيها بأنّه تحت الملاحظة، مما يدفعه للارتباك، أو افتعال أو تكلف ما ليس فيه".

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (2): الثقة بالمرشد كأنه نبي أو ولي

بتلك الطريقة تتم تنشئة الإخوان على الحياة في أسوار التنظيم، تحت دعاية مكثفة تفترض أنّ المجتمع المسلم الأول نشأ بهذه الصورة، في وسط معادٍ للدين وأتباعه.

 

 

جاهلية الآخر

تمتلئ نفوس الإخوان بأنّ المجتمع جاهلي بعيد عن الإسلام، وأنّهم وحدهم من سيعيد تجسيده في الواقع؛ لذلك هم يشعرون تجاهه بفوقية مرتبطة بإدراك عميق لديهم بأنّهم يدعونه للإسلام في الحقيقة، ويورث هذا الشعور لديهم لوناً من الاعتزاز المرضي بالذات، وهو الشعور الذي أكّده البنا بقوله: "لا تقيسوا أنفسكم بغيركم من الدعوات، فإنّ فكرتكم هي أقدس الفكر، ولا تهونوا في عيون أنفسكم".

ولأنّهم فسطاط الإيمان، فهم قد يتسامحون، أو يتكلفون التسامح، مع غيرهم على أمل إدخاله إلى فسطاطهم، وويل لمن ترك فسطاطهم، وتحوّل عنهم لتتحوّل نفوسهم فوراً، وتنقلب الأخوّة إلى عداوة راسخة، وتبدأ حملات الاغتيال المعنوي، أو المادي، حتى إذا استشعروا خطر ما يقول على تنظيمهم.

تمتلئ نفوس الإخوان بأنّ المجتمع جاهلي بعيد عن الإسلام وأنّهم وحدهم من سيعيد تجسيده في الواقع

الإخوان تنظيم يتعامل مع الخارجين عنه بكلّ القوة والعنف، المادي والمعنوي، في الأحوال العادية، فماذا عن أحوالهم بعد خسارة الحكم وعودة بعضهم إلى سجون التنظيم، أو سجون الدول؟ سوى مزيد من الاحتقان والحقد على غيرهم، والمبالغة المفتعلة في حبّ إخوانهم، والتحبّب إليهم.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (3): خوارج من يعارضون التنظيم

إن أي مراجعة لصفحات الإخوان، تظهر لين الجانب والمبالغة في التودّد والحب الزائف، وعفّة اللسان، لعضو التنظيم، وعند مقارنة تعليقات الأشخاص أنفسهم في نقدهم لرئيس أو حزب، أو جماعة، أو شخص، خالفهم أو انتقد طريقتهم أو سلوكهم، سنجد قاموساً مخجلاً من الشتائم والبذاءات تمرّ بكلّ أريحية دون أن يرفّ لهم جفن أو يردعهم رادع، متجاهلين الاقتداء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: "ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ، ولا بالفاحشِ ولا بالبذيءِ".

"إحنا شعب وإنتو شعب"

إنّ إمعان النظر في تكوين الإخوان الأخلاقي والتربوي، يلمس هشاشة هذا البناء، الذي لم يلبث أن انهار فتحولت الابتسامات اللزجة المفتعلة في وجه الناخبين، إلى تجهّم وعبوس، ووعيد لا ينتهي، وأوصاف بالفسق والفجور ومعاداة الدين.

الإخوان يتسامحون أو يتكلفون التسامح مع غيرهم على أمل إدخاله إلى فسطاطهم

أخوّة الإخوان التي تتوسل بكلمات مثل: الأسرة، والتعارف، والتكافل، والتفاهم، بين أعضاء الجيش الواحد، لا ترتب حقوقاً إلّا لأعضاء التنظيم، أما غيرهم ممن يعتقدون في الأخوّة الإنسانية وأخوّة الوطن، وغيرها من المعاني التي حثّ الإسلام عليها، من البِشر في وجوه الخلق، دون نظر لدين أو جنس أو لون، والسعي في خدمتهم بمنطق خدمة عيال الله، أو خلقه، كلّ تلك المعاني الربانية السامية اعتدى عليها الإخوان عندما استبدلوها بالأخوة التنظيمية، التي لا يصحّ معها أيّ وصف سوى ما لخّصته الأغنية: "إحنا شعب وإنتو شعب لينا رب وليكوا رب".

 

 

الصفحة الرئيسية