استدعاء "الحيلة التاريخية"... هل ينجح التلون في إنقاذ الإخوان؟

استدعاء "الحيلة التاريخية"... هل ينجح التلون في إنقاذ الإخوان؟

مشاهدة

30/11/2021

"ليسوا إخواناً، وليسوا مسلمين"، هكذا تبرّأ حسن البنا من قتلة رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي في العام 1948، ليؤسّس عهوداً من التلوّن والخداع، بهدف "غسل سمعة" التنظيم من القتل والإرهاب، وتتوالى من بعده محاولات كثيرة سجلها التاريخ في وقائع عديدة، حاولت الجماعة بكلّ قوتها وعلى لسان أبرز قادتها التبرّؤ من العنف، نجح بعضها، لكن يبدو أنها باتت بضاعة مستهلكة لدى الشارع العربي، خاصة بعد أعوام كانت كاشفة سلوك الإخوان وجوهر فكرهم.

دعاة لا قضاة... مواجهة العنف أم تبريره؟

ولعلّ أبرز تلك المحاولات ما طرحه مرشد الجماعة الثاني حسن الهضيبي في كتابه الشهير "دعاة لا قضاة"، الذي طُرح في ثلاثينات القرن الماضي، بالتزامن مع انتقادات حادة كانت تواجهها الجماعة بسبب أعمال العنف واعترافات قيادات التنظيم المسلح بممارسته كمنهجية إخوانية راسخة؛ ممّا تسبب في إغراقها في مستنقع النبذ والكراهية الشعبية، لكنّ الكتاب حاول تقديم صورة أكثر سماحة وأقلّ غلوّاً عن فكر التنظيم، ومازال حتى اليوم مرجعاً مهمّاً للردّ على الاتهامات المتواصلة ضدّ فكر الإخوان، خاصة ما يتعلق بكتابات سيد قطب، التي يعتبرها الخبراء والمؤرخون مرجعاً شرعياً لكافة التنظيمات المسلحة في العالم، ومنها داعش والقاعدة.

ويعيد الخلاف القائم داخل التنظيم، خلال الأيام القليلة الماضية، حول مؤلف "في ظلال القرآن" لسيد قطب، وما تؤكده معلومات مسرّبة عن رغبة قطاع داخل الجماعة في التبرّؤ من أفكاره الخاصة بتكفير المجتمع والجاهلية والحاكمية وغيرها من مبررات استخدام العنف والعمل المسلح، يعيد إلى الواجهة "الحيلة الإخوانية" التي تستهدف إنقاذ الجماعة دائماً، مع طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت المجتمعات العربية لديها قابلية للتصديق هذه المرّة، أم أنّ الأعوام الماضية قد قدّمت من البراهين والدلائل ما يكفي لنسفها؟ 

 

القيادي صلاح الخالدي، كشف أنّ مجموعة من قيادات التنظيم، وصفهم بـ"المهزومين نفسياً"، يحاولون التبرّؤ من سيد قطب وأفكاره، مشيراً إلى أنّ الأمر يُغضب قيادات آخرين"

ويرى الخبراء والمراقبون أنّ اعتماد الجماعة على هذا الأسلوب، في إطار محاولة تبييض سمعتها، لن يغيّر كثيراً في وضعها الحالي، بالعكس قد يزيد الأزمة الداخلية توتراً، خاصة أنه إجراء غير متفق عليه من جانب كافة القيادات، ويحاول البعض فرضه فيما يغلي الصراع داخل التنظيم بين قطبين متناحرين على السلطة والنفوذ ومصادر التمويل، وما تزال الأزمة معلقة، مرجحين أن يتسبب الأمر في تغذية الصراع، دون أن يحقق هدفه.

سيد قطب وحقيقة الصراع التاريخي 

وفي تسريب صوتي للقيادي في تنظيم الإخوان الدولي صلاح الخالدي، كشف أنّ مجموعة من قيادات التنظيم، وصفهم بـ"المهزومين نفسياً"، يحاولون التبرّؤ من سيد قطب وأفكاره، مشيراً إلى أنّ الأمر يُغضب قيادات آخرين". 

ويقول الباحث المصري المختص في الإسلام السياسي والإرهاب عمرو فاروق: "إنّ مجموعة الإخوان في لندن بقيادة القائم بأعمال المرشد العام إبراهيم منير يحاولون تبرير مصطلحات العنف الواردة في مؤلفات قطب، ويقولون إنها كانت مجرّد مفردات بلاغية فُهمت في سياقات خاطئة، وإنّه لم يكن مقصوداً بها التحريض على العنف، وفي المقابل ترى مجموعة أخرى، منهم القادة المصريون المقيمون في تركيا وغيرهم، ترى التبرير باعتباره محاولة للتبرّؤ المرفوض من أفكار قطب".

استراتيجية العودة

وفي تصريح لـ"حفريات" يوضح فاروق أنّ الجماعة لديها استراتيجية للعودة إلى المشهد السياسي في الدول الغربية، تعتمد على استخدام القوى الناعمة ومراكز التدريب ومؤسسات المجتمع المدني، بعيداً عن الإطار التقليدي للانتشار والتجنيد من خلال الأنشطة التنظيمية والدعوية.

 

الباحث المصري عمرو فاروق: "إنّ مجموعة الإخوان في لندن بقيادة القائم بأعمال المرشد العام إبراهيم منير يحاولون تبرير مصطلحات العنف الواردة في مؤلفات قطب"

ويؤكد فاروق أنّ الأزمة الحقيقية داخل الإخوان تتعلق برغبة قطاع كبير، يمثله إبراهيم منير والمجموعة التابعة له، في "غسل سمعة الجماعة" من الإرهاب والعنف، وإعادتها إلى المشهد السياسي في البلدان العربية بأدوات جديدة، لتجاوز النبذ المجتمعي والكراهية المتصاعدة ضدها، بسبب الكشف عن نهج استخدام العنف والاعتماد على العمل المسلح خلال الأعوام الماضية.

وأشار فاروق إلى أنّ مشاريع الإسلام السياسي تمّ توقيفها، ولكنها لم تنتهِ، وأنّ الإخوان تعثروا مرات عديدة، لكنّ عملية الانعزالية التي يعيش فيها الإخوان تجعلهم ملتحمين بالجماعة رغم فشلها، وهو ما يدعم بقاء الفكرة، مؤكداً أنّ الأفكار طالما هي باقية يسهل تطويرها وتقديم نفسها من جديد، خاصة إذا وجدت لها حواضن سياسية وشعبية.

اقرأ أيضاً: لماذا يفرط الإخوان في تكوين كيانات تابعة لهم في الغرب؟

وبوجهٍ عام، وضعت الأزمة الراهنة تنظيم الإخوان أمام خيارات محدودة للغاية، إذا أراد الحفاظ على ما تبقى من هيكله الداخلي وتفككه التنظيمي من جهة، وشعبيته المنهارة من جهة أخرى، ولا تقف حدود الأزمة عند الصراع المحتدم بين إبراهيم منير ومحود حسين، وإن كان الصراع جزءاً منها، لكنها تتعلق بمدى قدرة التنظيم على إعادة التموضع والتمحور، وبناء ثقة لدى قواعده، والبحث عن أدوات تمكّنه من العودة إلى الشارع.

 

وضعت الأزمة الراهنة تنظيم الإخوان أمام خيارات محدودة للغاية، إذا أراد الحفاظ على ما تبقى من هيكله الداخلي وتفككه التنظيمي من جهة، وشعبيته المنهارة من جهة أخرى

ويرى مراقبون أنّ جماعة الإخوان باتت أمام خيارات محدودة جداً، إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى لها خلال الفترة المقبلة؛ أبرزها، هو أن تضطر للإعلان عن تغيير الإيديولوجيا، وتخفيف حدّة الاعتماد على العمليات الإرهابية للضغط على الأنظمة العربية، واعتماد آليات بديلة للتأثير تستهدف الشعوب دون الاعتماد على السياسات العدائية، سواء من خلال الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ولا يستبعد الخبراء أن يتسبّب الصراع الراهن، سواء حول الإيديولوجيا أو القيادة،  بالتزامن مع الأزمات الكبرى التي تطوّق الجماعة عقب سقوط آخر أذرعها في تونس، وتضييق الخناق على نشاطها في عدة دول عربية وأوروبية، أن يتسبّب في تفتت التنظيم نهائياً، وتلاشي ما تبقى من هيكله التنظيمي.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية