إيطاليا في مواجهة "الإخوان"

إيطاليا في مواجهة "الإخوان"

إيطاليا في مواجهة "الإخوان"


01/09/2026

مريم صلاح الجنيبي

 تبدو إيطاليا اليوم أمام اختبار يتجاوز حدود الجدل التقليدي حول الاندماج والهوية، ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بكيفية تعامل الدولة مع شبكات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة «الإخوان»، حين تتحول الأنشطة الدينية والاجتماعية إلى أدوات تأثير ممتدة داخل المجتمع. وفي هذا السياق، جاء مشروع القانون الذي أعلن عنه حزب «رابطة الشمال» بقيادة نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني في أغسطس 2026، ليعكس توجهاً أكثر صرامة في تنظيم هذا المجال.

المشروع يستهدف وقف إنشاء منشآت ومراكز إسلامية جديدة إلى حين التوصل إلى إطار يضمن الاحترام الكامل لقوانين الدولة الإيطالية وقيمها. كما يقترح إنشاء سجل للهيئات الدينية التي لا تربطها اتفاقية رسمية بالدولة، واعتماد «ميثاق للقيم» تلتزم به، مع إلزامها بنشر بياناتها المالية، في ظل الشبهات المرتبطة ببعض مصادر التمويل التي تقف وراءها جماعة «الإخوان» المحظورة بوصفها تنظيماً إرهابياً في عدد من الدول. كذلك يتضمن المقترح تسجيل رجال الدين في سجل مخصص.

ولا يقف التشدد عند حدود التنظيم والتمويل، بل يمتد إلى ملفات الاندماج والإقامة والالتزام بالنظام القانوني. فالمشروع يتضمن حظراً كاملاً للنقاب، وتشديداً للقيود المتعلقة بتصاريح الإقامة، وعقوبات قد تصل إلى خمس سنوات من السجن بحق من يعتنق أو يروّج لتعاليم أو مبادئ تتعارض مع النظام القانوني، أو يحرض على الكراهية، أو يروّج لنهج متطرف.

ويأتي هذا التحرك وسط جدل داخلي متصاعد، ظهر بوضوح في الأزمة التي أعقبت احتجاج الجالية البنغلاديشية على موقف رئيس البلدية الجديد في البندقية، سيموني فينتوريني، بعد رفضه منح تصريح لبناء مسجد، وما تبع ذلك من تهديدات بالإضراب والتأثير في قطاع السياحة. وقد ربط «فينتوريني» موقفه بضرورة تحقيق خطوات ملموسة في الاندماج، من بينها إلغاء النقاب الكامل، واحترام القوانين، وإتقان اللغة، وإلحاق الأطفال بالتعليم الإلزامي.

ويتقاطع ذلك مع حراك أوسع يستهدف ما يُنظر إليه باعتباره بيئة حاضنة لجماعة «الإخوان». فقد أشار تقرير نُشر في يونيو إلى عدد من المنظمات المرتبطة بالجماعة في إيطاليا، من بينها «اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية في إيطاليا»، و«شباب المسلمين في إيطاليا»، و«التحالف الإسلامي في إيطاليا»، و«رابطة الفلسطينيين في إيطاليا»، و«معهد بيان». ووفق التقرير، تدير هذه الجهات بنية واسعة تشمل التعليم الديني، وتدريب الأئمة، وتطوير القيادات، إلى جانب توسيع النفوذ عبر المساجد والمؤسسات التعليمية ومنظمات الشباب.

كما أشار التقرير إلى فجوة بين خطاب الاندماج والتسامح والحوار، وبين بعض المنشورات والأنشطة على أرض الواقع، فضلاً عن اعتماد نموذج مالي لا مركزي يجمع التبرعات المحلية، وآليات تخصيص الضرائب الحكومية، ومصادر التمويل الأجنبية.

وفي هذا المناخ، جاء انعقاد ندوة «تداعيات وجود جماعة الإخوان في أوروبا»، التي نظمتها «تريندز جلوبال» بالشراكة مع معهد ميلتون فريدمان و«دائرة دمج الجاليات الأجنبية» التابعة لحزب «ليغا» في مجلس النواب الإيطالي، ليعكس انتقال القضية من النقاش الإعلامي إلى دوائر البحث والسياسات. وهو تحول يكشف تغيراً ملحوظاً في المقاربة الإيطالية للظاهرة نفسها.

ما يحدث في إيطاليا ليس مجرد خلاف حول مسجد أو لباس ديني، بل مؤشر على مراجعة أوسع لطبيعة حضور الإسلام السياسي داخل أوروبا. فالتحدي الحقيقي يكمن في حماية حرية المعتقد من جهة، ومنع نشوء مجتمعات موازية وشبكات نفوذ مغلقة من جهة أخرى. وبين هذين الحدين، يبدو أن إيطاليا تتجه إلى معادلة أكثر وضوحاً:

الاندماج حق، لكنه أيضاً التزام بالقانون، والحرية الدينية مصونة، لكنها لا يمكن أن تصبح مدخلاً لبناء نفوذ يضعف تماسك المجتمع ومؤسساته.

الاتحاد




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية