
كتب الصديق والزميل د. عطية عديلي على صفحته في فيسبوك نصّاً من سطرين، لكنه يختصر ثلاثة أعوام من تحوّلات «الجرأة» التي صار يتحلى بها بعض الكُتّاب «في موقفهم تجاه حماس بعد سحق منظومتها القائمة على الترهيب والتخوين» وختم نصه القصير بجملة «لا تمرروا لهم ذلك قبل أن يشاركوكم دفع الكلفة ولو معنوياً.. إذ يجب أن يدفعوا ثمن سكرتهم».
لم يتحدث عطية عن أولئك الذين غيروا موقفهم من هجوم السابع من أكتوبر، وهم كثر بالمناسبة، ولم يُعب على أي شخص أن يتحلى بقصر الرؤية في لحظة ما، ثم يتدارك موقفه حين تتكفل غزارة الدم بتنبيهه أنه كان مخطئاً في تقديره. فالخطأ سمة بشرية في نهاية المطاف، وهو حق تكفله الشرائع السماوية إن كان الرجوع عنه مقروناً بالتوبة، وتتفهّمه التشريعات الأرضية إن كان مصحوباً بالاعتراف به والاعتذار عنه.
لقد كتب عن الجرأة التي تأتي حين يصبح ثمنها صفراً. الجرأة التي تأتي في غير وقتها، لكنها تصرّ أن تطلق على نفسها هذا الاسم. الجرأة التي تظهر عند صاحبها حين يصبح الجميع جريئاً، وحين يزول الخطر المقابل لها.
لكن لماذا لا يجب أن نمرر لهؤلاء مواقفهم الأولى دون محاسبة أو اعتذار؟ هناك عدة أسباب يمكن إجمالها كالآتي:
أولاً، لأن الذين صفقوا لهجوم السابع من أكتوبر في البداية، منحوا غطاء وشرعية لهذا الهجوم، واستخدموا مكانتهم الثقافية والسياسية لتبرير قرار عسكري انفرادي وغير مدروس، دون أن يفكروا بالنتائج التي يمكنها أن تنعكس على شعبهم. لم يفكروا يومها بهذا الشعب كمجموعة من الناس التي يجب أخذ حياتها ومصالحها بعين الاعتبار، بل فكروا فيه كمادة خام لهذا الصراع.
لكن حتى لو تجاوزنا كل ذلك تحت مبرر أن الشعوب التي تريد التحرر لا بد لها من دفع الثمن، فكيف يمكننا فهم الكاتب أو المثقف الذي يمثل دور الحريص على شعبه حين تظهر النتائج، بينما يكون في صف المصفقين حين تكون النتائج في خانة الشك أو مجهولة تماماً. ولماذا علينا أن نصفق له الآن لأنه اكتشف متأخراً أن حسابات الحقل تختلف عن حسابات البيدر.
لكن إن شئنا الإنصاف هو لم يكتشف شيئاً، بل إن النتائج التي قادت شعبه إلى الخيام والهجرة والقتل، هي ما أجبرته على تبني خطاب آخر، حين لم يعد خطابه القديم يجلب له الشهرة.
فلا بد إذن من انتقال سلس يبدأ بالترحم على الشهداء، والشفقة على سكان الخيام، وذرف الدموع على مبتوري الأطراف، وصولاً إلى لوم خجول لمن قاموا بالهجوم.
ثانياً، لأن هؤلاء الكُتاب والمثقفين ساهموا بشكل كبير في إسكات من حذّروا من الكارثة، ووصفوهم بأشد عبارات التخوين والنبذ.
والغريب أن هذا الإسكات استخدم في البدايات لغة مستمدة من حقل آخر غير حقليّ الثقافة والسياسة، وارتكز على مقولات «لا يفتي قاعد لمجاهد» و»أهل الثغور، وصوت المعركة»، والكثير من العبارات التي تلغي أي حق في السؤال أو حتى التفكير.
لذلك فمن رفع صوته رغم كل ذلك الإسكات، فقد دفع أثماناً باهظة لا يمكن أن يتساوى بعدها بمن جاء إلى الحفلة متأخراً دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار.
ثالثاً، لأن قضية بحجم القضية الفلسطينية وكثرة المحطات الزمنية التي مرت بها وتنوّع تلك المحطات، لم تعد بحاجة إلى كُتّاب ومثقفين يمارسون وظائف «تكييفية»، بمعنى أن يتخلى هؤلاء المثقفون عن الدور الذي خُلقوا من أجله، أو تمت تسميتهم بناء عليه، وهو التنبؤ بالمخاطر والتحذير منها، والمساءلة الجادة لأصحاب القرار، وبدلاً من كل هذا يمارسون التكيّف مع الواقع ومع محطاته.
وإذا طبقنا ذلك على الحالة الراهنة فإن المثقف المعني هنا هو من لم يترك وسيلة ولا منبراً إلا واستخدمه لإقناعنا بالنصر التاريخي، حين كان الهجوم يبدو وكأنه عملية ناجحة، ثم لم يترك وسيلة ولا منبراً إلا واستخدمه لإقناعنا بضرورة وقف الحرب وحماية المدنيين، حين اتضح حجم الكارثة.
هل نطالب بالانتقام من هؤلاء؟ بالتأكيد لا، لكننا نطالب بعدم تسوية السجلّ بهذه السهولة وهذا الاستخفاف، وذلك من أجل عيون الشعب الذي ينطقون باسمه ويدّعون تمثيله، ومن أجل عيون ذاكرته الجمعية. فالشعب الذي يتوه بين من دفع ثمن مواقفه، وبين من تسلل بهدوء إلى مواقف من كان يخوّنهم، هذا الشعب سيعيد ارتكاب نفس الأخطاء، لأنه يعيد التسامح مع أخطاء نُخبه ويستطيع تفهّمها وتمريرها.
رابعاً، لأن المثقف أو الكاتب أو الشخصية العامة يشكل نموذجاً ومثالاً يتم الاقتداء به والاستماع إلى طروحاته من قِبل العامة، على اعتبار أن «هذا الشخص يفهم ما يقول»، فلا يجب بتاتاً أن يتعلم هذا المثقف أن الخطأ يمكنه أن يمر دون محاسبة أو اعتذار. ببساطة لأن الخطورة تكمن في الرسالة التي ستصل إلى الأجيال القادمة من المثقفين والمشتغلين في الحقل العام، ألا وهي: صفّق حين يكون التصفيق أكثر أماناً، وحين تتغير الظروف غيّر موقفك ولن ينتبه أحد، وفي الحالتين ستبقى نموذجاً يُحتذى.
هل كل ما سبق يعني أن المثقف لا يخطئ أو أن ذلك محرّم عليه؟ بالتأكيد لا. فالخطأ لا ينتج دون تفكير ودون اتخاذ مواقف، أي أنه نتيجة طبيعية لكل عملية انخراط في الشأن العام. ثم أن لا أحد يحرّم التراجع عن الأخطاء، حتى لو كان هذا التراجع تم لأسباب تتعلق بالأنانية الشخصية ومحاولات إدارة الذات وموضعتها حسب النتائج. لكل شخص الحق التام في تغيير مواقفه متى شاء وكيف شاء.
وهنا قد أختلف مع ما كتبه د. عطية بضرورة دفع الثمن الذي دفعه من اتخذوا مواقف مغايرة، ليس إشفاقاً على هؤلاء بالطبع، بل لأن الطلب غير واقعي تقنياً، لكن يكفي أن يقولوا لنا إنهم كانوا مخطئين. إذ ليس من المنطقي أن نقرأ لنفس الشخص مقالاً عن النصر المؤزر وقرب نهاية إسرائيل، ثم نقرأ لنفس الشخص بكائيات على غزة وأهل غزة وضرورة وقف هذه الحرب الوحشية، دون أن نعرف متى غيّر هذا الكاتب موقفه ومتى انتبه إلى مأساة شعبه.
عن الأيام

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84%20%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85_0_0.jpg.webp?itok=oMR1EA8x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=OF-DCOHk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=aqh24jus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_4_0_0.jpg.webp?itok=1dOcehRK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_8_3_0.jpg.webp?itok=-X0JjjMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0_1.jpg.webp?itok=iIuHGb7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_1.jpg.webp?itok=sRuYxRsX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86_27_10_0.jpg.webp?itok=RfS1i6Qp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_5.jpg.webp?itok=QtK4edK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/188-160100-175426-0_700x400_0_0_1_1_2.jpg.webp?itok=VJeqzj3Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_8_2_2.jpg.webp?itok=DOVRyzEA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=gq1aLNFF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XAqfmsK1bEo6l-Ge2Zhzelkz_JPw0ruqXBnr3YFu6p9zRNS_BEmdpEAMsxJz3y3jT2m-5yv8s5JHwMzMTrMrqbacdGtGyKN_QEyyVUQBnLN8V02lcEl_8N_JsRaofT3FWqv_niuH3FHHG8WYSjYvETCDsUxtYXvVVcZ57Zt9j00Yw-O7gG8XGzEqrvGgcvYH%20%281%29_0.jpg.webp?itok=geuxFFvT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1_0.jpg.webp?itok=OH1F3MZm)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0.jpg.webp?itok=LogcsopP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
