إلى متى يبقى السوريون أسرى الهجرة واللجوء؟

إلى متى يبقى السوريون أسرى الهجرة واللجوء؟

مشاهدة

20/10/2021

لا نعرف ما هي الحكمة من الحديث عن "رياح التغيير" كلما خطرت فكرة الثورة الاجتماعية أو الثورة السياسية أو فكرة الإصلاح، مع أنّ التغيير الذي تحدثه الريح الطبيعية، في الأماكن التي تهب عليها، غالباً ما يكون سطحياً، سوى ما يتعلق بما تحمله الريح من مكان إلى مكان آخر، فتقرر مصير ما تحمله وما تكنسه، بحسب شدتها وعنفوانها، أو عنفها.

في هذه الحال فقط تكون رياح التغيير مثل رياح القدر، غير أنّ التشبيه البليغ في عبارة رياح التغيير ورياح القدر، وأي رياح من هذا القبيل، يمرر إلى أذهاننا، من دون أن نعي،  معنى القوة، التي تقوم بالتغيير، ويقربها إلى نفوسنا، ويحببها إلينا، مع أنها قد تكون قوة غاشمة، وعشوائية ووحشية، مثل قوى الطبيعة غير العاقلة وغير الأخلاقية.

دراسة للمفوضية السامية للاجئين: عدد النازحين داخلياً في سوريا بلغ بحلول نهاية العام الماضي 6.7 مليون شخص

منذ عشر سنوات ونيّف ونسمات رقيقة من التغيير تهب في عدة بلدان عربية، ورياح عاتية تهب على شعوبها، التي أنهكها الظلم والاستبداد وأنهكها القمع والفساد.

الرياح العاتية اقتلعت ضعفاء الناس، الذين لا حول لهم ولا طَول، واقتلعت الفقراء والمعوزين والمهمشين من جذورهم، ونثرتهم في أربع جهات الأرض، مثلما تحمل الريح الطبيعية ما خف من قش وتبن وأوراق شجر يابسة وتراب ... وأطفأت في نفوس الآخرين والأخريات بوارق الأمل، فتولّدت لدى المواطنين والمواطنات في تلك المجتمعات رغبة حقيقية في الهروب من ذلك الموت باتجاه المجهول، فصار استجداء الحياة هو الهدف الرئيس للإنسان في هذه البلدان بأوطانها.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ التصعيد العسكري "المفاجئ" في الجنوب السوري؟

كتب "ألبير كامو" في روايته الطاعون: "... ما هو أكثر جدية وطرافة في مدينتنا، وهران، هي الصعوبة التي يمكن أن يلقاها الناس بأن يموتوا، ولعل من الأدق أن نتكلم عن انعدام الراحة لا عن الصعوبة، ... لكن هناك مدناً وبلداناً تنجدك وتعاضدك في المرض".

ليس المرض العضوي فقط هو ما قصده "ألبير كامو" إنما جميع الأمراض التي تصيب المجتمعات، الأمراض السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، والفكرية، فمن أشد الأمراض خطراً المرض الذي يصيب الفكر والأخلاق بجراثيم التمييز الجنسي والإثني والديني والمذهبي وجراثيم الكراهية والعنف. والمدينة التي تعاضد المواطن والمواطنة؛ هي أي مدينة يقوم نظامها السياسي على المساواة والحرية والعدالة من المدن التي استقبلت ما حملته إليها "رياح التغيير" من لاجئين ولاجئات.

الإقبال على الهجرة يعبر عن تطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة وإلى الكرامة الإنسانية

قبل الحرب التي ما تزال دائرة في سوريا، وخلالها، كانت الدولة طاردة لمواطنيها ومواطناتها، بسبب الطاعون الذي أصاب الفكر والأخلاق والثقافة، وتفشى في جميع فئات المجتمع وجفّف ماء الحياة. فقد بينت دراسة للمفوضية السامية للاجئين أنّ عدد النازحين داخلياً في سوريا بلغ بحلول نهاية العام الماضي 6.7 مليون شخص، بزيادةٍ قدرها نحو 300 ألف شخصٍ منذ بداية العام، وزاد عدد اللاجئين إلى دول العالم المسجلين لدى المفوضية العليا لللاجئين على 5556417 لاجئاً ولاجئة.

وأشارت التقديرات إلى أنّ نحو 13 مليون شخص من المقيمين في سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية منذ مطلع العام الحالي؛ أي أكثر بنحو مليونَي شخص مقارنةً بمطلع العام الماضي. وجاءت هذه الزيادة في الاحتياجات الإنسانية نتيجة الوباء وانخفاض قيمة الليرة السورية، ونقص الوقود، فضلاً عن تحديات المناخ السياسي والاقتصادي في البلاد.

اقرأ أيضاً: إلى روح نهلة.. من ينقذ أطفال سوريا؟

في ظل غياب الدولة وغياب القانون، وانعدام الأمن وانتشار السلاح العشوائي، والخطف والسرقة والنهب الممنهج للثروات الوطنية، صار المواطن السوري يشعر بعدم الانتماء الوطني، ويفقد هويته السورية شيئاً فشيئاً، ويرغب بالفرار من تلك الأزمة الأخلاقية إلى حيث يجد ذاته الإنسانية وكرامته الإنسانية، وأصبح يراهن على المستحيل بدلاً من الممكن.

لذلك ازدادت ظاهرة الهجرة، خاصة في أوساط الشباب وذوي الكفايات العلمية؛ فقد "تجاوز شعور الكثيرين مستوى الندم على قرارهم البقاء في سوريا، ليصل إلى الحسرة، في ظل الغلاء المستمر وتفاقم الأزمات الاقتصادية وانهيار قيمة الليرة وتدهور القدرة الشرائية، وتصاعد المؤشرات التي تؤكد عجز النظام عن إيجاد الحلول للتخفيف من وطأة الأزمة على المدى المنظور. أي إنّ رياح الهجرة هبّت من جديد بحثاً عن الأمان والاستقرار المحتملين، ورغبة في الانعتاق من التبعية والظلم والاستبداد والاحتلالات القائمة على أرض الواقع، إذ لم يعد بالإمكان أن يشعر المواطن السوري بالانتماء إلى سوريته.

السلطة التي تستثمر في مأساة النازحين واللاجئين صارت تستثمر في تسهيل الهجرة أيضاً، إذ يمكن للسوري أن يحصل على تأشيرة سفر سياحية إلى كردستان العراق بكلفة لا تقل عن 1800 دولار، أو إلى العراق أو الأردن وهناك مؤشرات على تسهيل السفر نحو البرازيل وبلدان في أميركا الجنوبية.

ومع أنّ مصر لا تمنح تأشيرة للسوريين مثلما كان الوضع في العام 2013، إلا أنّ دفعات عديدة من السوريين تمكنوا من دخول الأراضي المصرية من خلال السفر نحو السودان ثم عبور الحدود نحو مصر عبر شبكات التهريب.

 لم تعد الهوية الوطنية لدى السوريين والسوريات تعني شيئاً مقابل الهوية الإنسانية التي ضيعها الظلم والقهر والاستبداد

وذكر الناطق باسم تجمع أحرار حوران أبو محمود الحوراني أنّ حوالي 2000 شخص حصلوا على إذن سفر رسمي من النظام للسفر نحو ليبيا بواسطة شركة أجنحة الشام للطيران. وأضاف أنّ إجراءات النظام بدأت بمنح الشبان المطلوبين للتجنيد وثيقة تأجيل للخدمة الإلزامية خلال الأشهر الماضية ثم منحتهم جوازات سفر. وتبلغ تكلفة مغادرة الشخص الواحد، بحسب الحوراني، قرابة 2000 دولار، وتنتهي الرحلة في بنغازي حيث ينتظر الشبان مصيراً لا يقل قتامة عن وضعهم داخل سوريا، إذ يتعرض كثيرون للسجن بسبب عدم وجود كفيل، أو تلاحقهم السلطات الليبية خلال أثناء محاولاتهم اجتياز الحدود نحو إيطاليا، وقد تتلقفهم الميليشيات والعصابات المسلحة وشبكات التهريب.

اقرأ أيضاً: من يعكر أجواء عودة سوريا لحضنها العربي؟

الإقبال على الهجرة؛ يعبر عن تطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة، وإلى الكرامة الإنسانية والانتماء الإنساني، والاندماج الاجتماعي وقبول الآخر المختلف بصرف النظر عن جميع محمولاته الطبيعية والمكتسبة، والاعتراف بإنسانيته، إقبال على الخلق والإبداع والابتكار، فقد حقق السوريين في بلاد اللجوء إبداعات حقيقية، وتقلّد أصحاب الكفاءات مناصب سياسية واقتصادية هامة، ويعود ذلك لاحترام الدول المضيفة لتلك الإبداعات والكفاءات، من هنا لم تعد الهوية الوطنية لدى السوريين تعني شيئاً مقابل الهوية الإنسانية التي ضيعها الظلم والقهر والاستبداد، ولم تعد المنفعة العامة تعني شيئاً أيضاً مقابل الحياة، أو مقابل طفل يتسول الطفولة في بلده.

فهل ستتغلب رياح الهجرة على رياح التغيير، وإلى متى سيبقى السوريون في مهب الهجرة واللجوء؟ 




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية