إكراهات الواقعية السياسية: هل خان سعد الحريري السُنّة؟

إكراهات الواقعية السياسية: هل خان سعد الحريري السُنّة؟

مشاهدة

30/09/2020

مواءمة وراء أخرى، أو تنازل وراء آخر، قدّمه الرئيس سعد الحريري أمام تعنّت حزب الله، بهدف تشكيل حكومة لبنانية وفق المبادرة الفرنسية، ورغم ذلك سقطت المبادرة ولم تنجح سياسة المواءمات، لكن هل كان الحريري غافلاً عن ذلك؟

الحاضنة السنّية هي الأكثر تضرراً من العقوبات، بينما حاضنة حزب الله تعيش في وضع أفضل بكثير؛ لذلك لا تمثّل العقوبات الجماعية على لبنان خطراً على الحزب

لا يبدو أنّه غفل عن طبيعة الحزب، وهيمنته بالسلاح على الدولة اللبنانية، لكنّ مقاربته لم تنجح سوى في التأكيد على أنّه لا يوجد حلّ لبناني داخلي ممكن، وأنّ الحلّ لن يأتي إلا عبر طهران، وذلك لن يحدث قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، فطهران لا تُعلّق أمالاً على فرنسا أو أوروبا، بعد إخفاقهم في تحقيق آمالها بالتصدي للعقوبات الأمريكية.

أمّا داخلياً؛ فهناك وجهتَا نظر حول سياسة الحريري مع حزب الله؛ الأولى تتفهم المواءمات باسم مصلحة لبنان، والثانية ترى أنّ مواءمات الحريري أخفقت، وتسبّبت في تهميش السنّة في إدارة السياسة اللبنانية، منذ عام 2005، حين تصدر التمثّيل السنّي.

تجرّع وحدَك

وفي سياق هذا السجال، نشر المفكّر اللبناني، رضوان السيد، مقالاً تحدث فيه عن إخفاق سعد الحريري في قيادة السنّة في لبنان أمام هيمنة حزب الله على الدولة، وتحكّمه في تشكيل الحكومة.

مصطفى أديب، ميشال عون، نبيه بري

وكتب رضوان: "خيبات سعد الحريري، التي جناها على نفسه وعلى جمهوره وعلى الوطنيين اللبنانيين، لا تُعدُّ ولا تُحصى، وقد لفتت خيباته مع الرئيس عون وصهره، الناس في الأعوام الأخيرة، وإلّا فالخيبات ووجوه سوء التقدير وسوء التدبير، مع حزب الله ومع الثنائي الشيعي، ومع حلفائه في 14 آذار، ومواقفه من المحكمة الدولية الخاصة، التي قامت للتحقيق في اغتيال والده، الرئيس رفيق الحريري، كلّ ذلك أفدح وأعظم هَولاً".

اقرأ أيضاً: وزير العدل اللبناني الأسبق لــ "حفريات": إيران وسوريا اغتالتا الحريري بأدوات حزب الله

وعقب صدور حكم المحكمة الدولية بإدانة المتهم سليم عياش في اغتيال رفيق الحريري، و21 من مرافقيه، عام 2005، قال الحريري: "المطلوب منه أن يضحي اليوم هو حزب الله، الذي أصبح واضحاً أنّ شبكة التنفيذ من صفوفه، ويعتقدون أنّه لهذا السبب لن تمسكهم العدالة ولن يُنفذ فيهم القصاص".

وأكّد الحريري على القصاص قائلاً: "لن نستكين حتى يُنفّذ القصاص، واللبنانيون لن يقبلوا بعد اليوم بأن يكون بلدهم مرتعاً للقتلة".

لكن لم يفعل الحريري شيئاً، بل استكان ولم يُثر حديثاً عن الحكم مرةً أخرى، وانخرط في المحادثات اللبنانية - الفرنسية حول تشكيل الحكومة، وشارك في تسمية السفير مصطفى أديب.

اقرأ أيضاً: هل يشترط الحريري تسليم حزب الله لعيّاش حتى يشكل الحكومة المقبلة؟

وحين تمسّك الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) بأن يكون وزير المالية شيعياً، في مخالفة للمبادرة الفرنسية، وافق الحريري، وأعلن القبول لمرةٍ واحدة بذلك، رغم مخالفة ذلك للدستور.

تنازلات لا تنتهي

لا يستند نقّاد الحريري على أدائه خلال هذا العام فقط، بل يعيدون قراءة المشهد منذ عام 2005 وحتى اليوم؛ حيث تغلغل حزب الله في مفاصل الدولة بشكل تدريجي، بينما أتاح له الحريري الغطاء السياسي، عن غير قصد، حين تصدّى لتحمّل المسؤولية، بينما حزب الله ينخر في عظام الدولة.

ويعود المحلل السياسي اللبناني، خالد الحسيني، إلى عام 2009؛ حين كُلِّف الحريري بتشكيل حكومته الأولى، وقام بزيارة إلى سوريا، التي نظر كثيرون إليها على أنّها تفريط وتنازل منه.

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال زيارته لبيروت صبيحة انفجار المرفأ

لكنَّ الحسيني له وجهة نظر مختلفة: "كثيرون رأوا في تلك الزيارة تنازلاً كبيراً، لكنّني أراها حكمةً سياسية، وواقعية مقبولة، فمن أجل تشكيل المحكمة الدولية، واستمرار فتح الحدود مع سوريا، كان عليه أن يدفع الثمن بتلك الزيارة، لكن ما لا يمكن اعتباره واقعياً، بل يُعدّ تنازلاً؛ هو ما حدث عام 2011".

ويتابع الحسيني لـ "حفريات": "حينما كان الحريري في واشنطن، عام 2011، أسقط حزب الله وحلفاؤه الحكومة عبر استقالة الجزء الكافي من وزرائهم، فكان على الحريري أن يدرك في هذه اللحظة أنّه يتعامل مع انتهازيين، وعليه أن يعاملهم بالمبدأ نفسه، لا أن يظلّ متمسكاً بشعار مصلحة لبنان أولاً، فهذه ليست حنكة سياسية، وخصومه استغلوه من هذا الباب".

المحلل السياسي، شريف حجازي، لـ"حفريات": سعد الحريري تخلّى عن صقور حزبه إرضاء لحزب الله، وبتنازله عن المالية للثنائي الشيعي جعلها حقاً مكتسباً لهم، ولن يتخلوا عنها

وقبل ذلك، تحديداً في عام 2009، حين حاز الأغلبية في الانتخابات النيابية، أعلن عن رغبته في تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب الله، ثم جاءه ردّ الحزب بإسقاط الحكومة، عام 2011، مما كشف إخفاق الحريري في إدارة العلاقة مع الحزب.

ويُعلّق المحلل السياسي اللبناني، شريف حجازي، على ذلك: "كان معه 71 مقعداً من أصل 128، أي الأكثرية، لكنّه لجأ إلى حزب الله، في خطوة غير محسوبة، فهو شخص يملك قدرة عجيبة على تحويل انتصاراته إلى هزائم".

الفراغ... لا ميشيل عون

وعقب انتهاء ولاية العماد ميشيل سليمان في رئاسة الجمهورية، عام 2014، دخل لبنان مرحلة فراغ رئاسي، نتيجة عدم التوافق على مرشّح حتى عام 2016، حين توافق حزب الله والحريري على العماد ميشيل عون.

اقرأ أيضاً: هل هناك علاقة بين محاكمة قتلة الحريري وتفجير بيروت؟

ويُعدّ هذا التوافق من التنازلات الكبرى التي قدّمها الحريري، ثمّ ارتدّت عليه، وحول ذلك يقول الحسيني: "تنازلات الحريري لم تتوقف، فحين قال (عون أفضل من الفراغ) ضجّ كثيرون منه، لكنّ الحريري اتّخذ موقفه رغم معارضة قيادات كبرى في تيار المستقبل".

ماكرون في لقاء مع عون وبري وأديب

ويردف الحسيني: "عون شخصية غير منضبطة، لا تُصلح لمنصب الرئاسة، فالسياسة تتطلب مرونة، وهو أمر يفتقده عون، وكان على الحريري أن يقبل بالفراغ بدلاً من التنازل ودعم عون، حليف حزب الله، والذي شارك في إسقاط حكومة 2011، لكنّ الحريري لا يتعلم الدرس على ما يبدو".

وبحسب المحلل السياسي شريف حجازي؛ فقد عارض الرئيس فؤاد السنيورة، والرئيس تمام سلام ترشيح عون، فلم يتقبّل الحريري ذلك، وأقصاهم في الانتخابات البرلمانية عام 2018، ولم يشاركوا في قائمة تيار المستقبل، ثمّ خسر الحريري ثلث مقاعده النيابية.

اقرأ أيضاً: هل يسلم حزب الله سليم عياش المتهم باغتيال الحريري؟

ويقول حجازي لـ "حفريات": "سعد الحريري تخلّى عن صقور حزبه إرضاء لحزب الله، ومن هؤلاء مصطفى علوش، وأحمد فتفت وآخرون، وسمح لحزب الله بالتدخّل في اختيار وزرائه".

ويرى خالد الحسيني؛ أنّ الحريري حين خسر ثلث مقاعده في انتخابات 2018 كان عليه أن يُراجع سياسته، وأن يُدرك أنّ الشارع ضجّ منها فعاقبه بالامتناع عن دعمه، كما انفضّ عنه ساسة كبار، كانوا مقرّبين من والده، فازداد ضعفاً وعجزاً، وبدلاً من مراجعة سياسته راح يكيل الاتهامات لقانون الانتخابات.

لبنان أولاً

ويتبنّى كثيرون وجهة نظر أخرى حول سياسة الحريري؛ ويرون أنّه قدّم مصلحة لبنان قبل كلّ شيء، لحرصه على إنقاذ ما يمكن من الانهيار الكبير الذي تعيشه لبنان، وأنّ تنازله أدّى إلى فضح حزب الله أمام الشعب.

وحول ذلك، يقول منسّق قطاع الشباب في تيار المستقبل - فرع طرابلس، علاء أرناؤوط: "الحريري لا يفكّر في نفسه كسياسي فقط، بل كامل لبنان، وقبوله بالمبادرة الفرنسية لا يعني تنازلاً، فالمبادرة اشترطت تشكيل حكومة من اختصاصيين، غير حزبيين، وهو شرط الحريري، سواء لتشكيل الحكومة أو لدعم مرشّح آخر، وفعل ذلك بدعم السفير مصطفى أديب".

ويردف أرناؤوط، لـ "حفريات": "أمّا عن تنازل الحريري أمام الثنائي الشيعيّ، بقبوله بأنّ يسمّوا وزير المالية، فقد جاء ذلك لإنقاذ المبادرة التي تمثّل الفرصة الذهبية الأخيرة لإنقاذ لبنان من الانهيار، وكان واضحاً حين اشترط ذلك بمرةٍ واحدة، ثم تعود المداورة".

اقرأ أيضاً: هل تُخرج نكبة بيروت النظام الإيراني كما أخرج اغتيال الحريري النظام السوري؟

ورغم تنازل الحريري، إلا أنّ الثنائي الشيعي لم يقبل بذلك، وتمسّك بتسمية جميع وزراء الشيعة، في مخالفة للمبادرة الفرنسية التي التزم مصطفى أديب بتشكيل الحكومة وفقها، وقدّم أديب اعتذاره عن تشكيل الحكومة إلى رئيس الجمهورية.

ويختلف المحلل السياسي، شريف حجازي، مع أرناؤوط، ويرى أنّ "الحريري بتنازله عن المالية للشيعة جعلها حقاً مكتسباً لهم، ولن يتخلوا عنها في المستقبل".

أما أرناؤوط فيرى؛ أنّه لولا تنازل الحريري المشروط لكان الثنائي الشيعي قد علّق فشل تشكيل الحكومة على موقفه، ووجد المبرّر أمام اللبنانيين باتّهام الحريري، لكن الآن بان للجميع أنّ الثنائي الشيعي لا يرغب في تشكيل حكومة، وإنما يضع العقبات أمامها.

ويقول أرناؤوط: "الآن تبيّن أنّ المُعرقل هو الثنائي الشيعي، وتحديداً حزب الله، فقراره إيراني بحت؛ وإيران لا تريد حكومة في لبنان قبل أخذ ضمانات فرنسية بدعمها في وجه العقوبات الأمريكية، ومبادرة الحريري كشفت ذلك، فحزب الله لديه مئات العقد؛ لأنّ هدفه عدم تشكيل الحكومة، وكان يريد تحميل الحريري تهمة عرقلة التشكيل، لكنّه فوّت عليه ذلك".

اقرأ أيضاً: 15 عاما على اغتيال الحريري.. سنوات عجاف في لبنان

أمّا عن مقاطعة الحريري لحزب الله، وعدم الانخراط في مواءمات لتشكيل الحكومة قبل نزع سلاح الحزب، فيقول أرناؤوط: "يتخوّف اللبنانيون من حزب الله لأنّه حزب إرهابي، وحتى جموع الثوار تتجنّب نقده علناً، خوفاً من نزول شبيحته ضدّهم، ثمّ يُطالبون الحريري بالتصدّي للحزب وحده، ويلومونه وحده، لكن؛ ماذا يملك الحريري ليقف أمام حزب الله؟ فالحاضنة السنّية هي الأكثر تضرراً من العقوبات، بينما حاضنة حزب الله تعيش في وضع أفضل بكثير؛ لذلك لا تمثّل العقوبات الجماعية على لبنان خطراً على الحزب".

اقرأ أيضاً: اغتيال الحريري.. نصر الله يستبق قرار المحكمة الدولية بالإنكار

ويبدو مما سبق؛ أنّ اختلاف وجهتَي النظر حول أداء الحريري يعود إلى أنّ منتقدي أدائه ينظرون للواقع اللبناني اليوم نظرة شاملة، منذ تصدّر الحريري لقيادة التيار السنّي، ويقرؤون الأحداث التي أوصلت لبنان إلى الواقع الحالي، بينما يتعاطى مؤيدوه مع الواقع الحالي، وما يمكن أن يقدمه الحريري بشكل واقعي في هذه اللحظة الراهنة، لكنّ ذلك لا يعفي الحريري من المسؤولية، فأحداث اليوم وليدة سياسات الأمس.

الصفحة الرئيسية