إغلاق قناة "بلقيس" يكشف انتهازية الإخوان وتناقضات توكل كرمان

إغلاق قناة "بلقيس" يكشف انتهازية الإخوان وتناقضات توكل كرمان

إغلاق قناة "بلقيس" يكشف انتهازية الإخوان وتناقضات توكل كرمان


02/12/2025

اعتادت الإخوانية توكل كرمان الظهور في عدة مناسبات وهي تُهاجم المؤسسات الإعلامية العربية، متهمةً إيّاها بعدم منح العاملين حقوقهم الأساسية، من عقود عمل واضحة إلى تأمين صحي ومهني يليق بجهودهم. ورغم أنّ خطابها كثيراً ما ركّز على "ظلم البيئة الإعلامية العربية للعاملين"، فإنّ مراقبين اعتبروا أنّ هذا الموقف يتناقض مع ما جرى داخل قناة "بلقيس" نفسها، حيث عانى العاملون لسنوات من غياب العقود القانونية والتأمينات، قبل أن يتعرّضوا لإنهاء مفاجئ لخدمتهم دون ضمانات. 

ورأى متابعون أنّ هذا التناقض يعكس فجوة بين خطاب كرمان الحقوقي وممارساتها الإدارية، ويطرح تساؤلات أوسع حول مصداقية شعارات الإنصاف التي تتبنّاها قيادات محسوبة على تيارات الإسلام السياسي.

قرار مفاجئ بإغلاق قناة "بلقيس" يهدر حقوق الموظفين

أعلنت القيادية السياسية الناشطة توكل كرمان إغلاق بث قناة "بلقيس" بصورة مفاجئة، وهو ما فتح سجالاً واسعاً حول أسباب القرار وطريقة تنفيذه، وآثاره على العاملين والمشهد الإعلامي المرتبط بتيارات الإسلام السياسي في اليمن والمنطقة. ولم يقتصر الجدل على نقد شخصي فردي، بل امتد إلى نقاش عام عن صيغ إدارة المؤسسات الإعلامية الحزبية وحماية حقوق العاملين فيها، وعن العلاقات الإقليمية التي تؤثر مباشرة في بقاء هذه المنابر أو زوالها.

وصل قرار الإغلاق على نحو مفاجئ إلى العاملين الذين تفاجأ كثيرون منهم بإبلاغهم خلال اجتماع قصير بأنّ ذلك اليوم هو آخر أيام عملهم، وفق إفادات وردت إلى الساحة الإعلامية. ويشير ما تناقلته المصادر إلى أنّ عدد الموظفين في القناة كان يتجاوز الـ (100)، بينهم صحفيون وفنّيون وإداريون، معظمهم وجد نفسه أمام توقفٍ فوري عن العمل من دون خطة انتقالية أو توضيح بشأن المستحقات أو الضمانات القانونية.

وتُعدّ هذه النماذج من الإعفاءات المفاجئة علامة على هشاشة أوضاع الكوادر في مؤسسات الإخوان التي تعمل في بيئة سياسية مضطربة؛ حيث يفتقد كثيرون عقود عمل واضحة أو تصاريح قانونية منتظمة أو تغطيات تأمينية، وهو ما يجعلهم أسرى قرارات سريعة تتخذها قيادات سياسية أو إدارية. وفي إطار قناة "بلقيس"، ذُكِر أنّ القناة لم تُوفِّر لعدد كبير من موظفيها تصاريح عمل أو تأميناً صحياً على مدى سنوات؛ ممّا يجعل خروجهم المفاجئ أكثر حدة من زاوية الخسارة الاقتصادية والاجتماعية.

من جهته، قال الكاتب والمؤرخ اليمني عادل الأحمدي: إنّ المشكلة ليست في إغلاق القناة، بل في الطريقة التي تمّ بها التعامل مع الموظفين. وأوضح أنّ توكل كرمان، رغم ما تمتلكه من إمكانات مالية ودعم سياسي، لم توفّر للموظفين خلال السنوات الماضية أبسط أشكال الحماية القانونية والعملية. فقد كانت القناة، وفق روايته، تعمل من دون تصاريح عمل لمعظم كوادرها، ولم يحصل العاملون على تأمين صحي طوال (10) سنوات.

البُعد السياسي والإقليمي

لم يقتصر تفسير الإغلاق على أسباب داخلية أو مالية فقط؛ فقد اتسعت القراءة لتشمل أبعاداً إقليميةً ودوليةً ترتبط بتحولات في مواقف داعمين ومجالات التحالف. فقد رُبط قرار الإغلاق بضغوط سياسية خارجية تلقتها القيادات المرتبطة بالقناة من تركيا، فضلاً عن تغيّر في مواقع داعمة إقليمياً أثّرت على استدامة التمويل والمأوى السياسي لبعض المنابر الإعلامية.

وترددت إشارات إلى توترات مع أنقرة التي كانت تستضيف أو تدعم فعاليات إعلامية محسوبة على تيارات الإسلام السياسي، وهو ما دفع بعض القيادات إلى إعادة ترتيب وجودها الإعلامي خارج تلك الدول، وتمهيداً لإمكانية الانتقال إلى بيئات أكثر ملاءمة سياسياً أو إدارياً. وتكشف هذه التحولات مدى تداخل القرار الإعلامي الإخواني مع مسارات السياسة الخارجية والتحالفات الإقليمية، حيث قد يصبح استمرار قناة أو توقفها انعكاساً لتقاطع مصالح بين قوى إقليمية لا علاقة لها بعامل المهنية الإعلامية.

ووفقاً لعادل الأحمدي، فإنّ توكل كرمان تلقت، بحسب معلوماته، ملاحظات وانتقادات من عدة دول حليفة لها أو قريبة من تيارها السياسي، بسبب خطابها السياسي الذي اعتُبر حادّاً ومثيراً للإشكالات، حسب تعبيره. وقال إنّ هذا التوتر أفضى إلى ضغوط مباشرة كانت من بين أسباب اتخاذ قرار إغلاق القناة.

ويبدو أنّ توكل كرمان أغضبت الأتراك ثم بدأت ترتيب أوضاعها في أمستردام بعيداً عن تركيا التي احتضنت كثيراً من القنوات المحسوبة على الإخوان المسلمين خلال السنوات الماضية. وتُعدّ هذه الإشارة مهمّة لأنّها تعكس تحولات في علاقة القيادات الإخوانية بالخارج، وخاصة بعد التغيرات التي شهدتها علاقات تركيا الإقليمية وإعادة ضبطها لملف الإعلام الخارجي.

وتعطي الإشارة إلى غضب الأتراك انطباعاً بأنّ جزءاً من التوتر متعلق بسياسات إعلامية باتت أنقرة أكثر تشدداً في إدارتها، خصوصاً فيما يتصل بالقنوات المحسوبة على جماعات الإسلام السياسي. وإذا صحّت هذه المعطيات، فإنّ انتقال كرمان إلى أوروبا، كما ذكر الأحمدي، يشير إلى رغبة في إعادة التموضع السياسي والإعلامي بعيداً عن الضغوط الإقليمية المباشرة.

وعكست ردود الفعل مجمل التحولات في المشهد الإخواني اليمني. فقناة "بلقيس" كانت منذ سنوات منبراً رئيسياً يعكس خطاباً سياسياً متمايزاً، ويقدّم رؤية نقدية للخصوم السياسيين للجماعة، وتحديداً للحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي.

وقد شكّلت القناة أداة مهمة لظهور الإخوان في المجال الإعلامي، ومن ثمّ فإنّ توقفها المفاجئ يُفهم ضمن سياق أوسع من التراجع الحاصل في نفوذ الجماعة بالفضاء الإقليمي. كذلك يُشار إلى أنّ جماعة الإخوان في اليمن تعيش حالة إعادة هيكلة سياسية بسبب تراجع الدعم الدولي والإقليمي الذي حظيت به خلال العقد الماضي.

وهناك عدة سيناريوهات ظهرت للتوّ حول مصير القناة، تتراوح بين احتمال إعادة إطلاقها بهيكلية وتمويل جديدين وبين بقاء إغلاقها نهائياً. ولكن من المرجح أنّ أيّ إعادة إطلاق ستحاول تفادي الأعباء التشغيلية السابقة، وهو ما قد يعني استبعاد كوادرها الحالية أو التحوّل إلى نماذج تشغيل أقلّ تكلفة وأكثر اعتماداً على شبكات تمويل وتحالفات خارجية.

ويرى الأحمدي أنّ توكل كرمان سوف تعيد إطلاق قناة "بلقيس" من الخارج، لكن من دون عبء الموظفين الحاليين. ذلك أنّها بسبب طبيعتها السياسية ورغبتها الدائمة في الظهور الإعلامي، لن تتخلى عن وجود منبر تتحدث من خلاله إلى جمهورها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية