إعادة تدوير الركام: مهنة أنتجتها الحرب الإسرائيلية على غزة

إعادة تدوير الركام: مهنة أنتجتها الحرب الإسرائيلية على غزة

مشاهدة

26/07/2021

انتهت الحرب على قطاع غزة مخلّفة أطناناً من الركام نتيجة القصف الذي تعرض له القطاع خلال أحد عشر يوماً، وبعد عودة الحياة إلى طبيعتها كان لا بدّ من إيجاد طرق للتخلص منه، فإعادة التدوير تعدّ الطريقة الأنسب لإزالة مخلفات العدوان، وتمّ ابتكار مشروعات بإمكانات بسيطة تعمل على تدويرها وإحيائها من جديد، خاصة أنّ الاحتلال الإسرائيلي يمنع إدخال المواد المستخدمة بالبناء إلى القطاع منذ عدّة سنوات.

لا يتم استخدام الحديد المعاد تدويره في عمليات البناء إلا بعد فحصه جيداً، والتأكد من قوّته ومدى تحمّله للباطون، وبإشراف مهندسين ومختصين من وزارة الأشغال العامة

وانتشرت مهنة "إعادة تدوير الركام" بشكل كبير في قطاع غزة؛ إذ إنّها تعتمد على جمع ركام المنازل المدمّرة والحديد المسلّح، وإعادة تدويرهم بطرق بدائية، كالفأس والمطرقة، وإعادة استخدامهم للبناء من جديد، وبذلك فإنّهم يتحدّون الحصار الإسرائيلي، ويتخلّصون من مخلفات العدوان.

وغالبية العاملين بمهنة إعادة تدوير الركام هم من العاطلين عن العمل والخريجين الذين لم يجدوا فرصة في مجال تخصصاتهم، نتيجة ارتفاع معدلات البطالة في القطاع؛ إذ إنّهم يتوجهون إلى العمل في جمع الركام، وبيعه لمصانع الباطون والحديد.

ودمّر الاحتلال خلال العدوان الأخير خمسة أبراج بشكل كامل، وألحق القصف العنيف أضراراً كبيرة بالعديد من الأبراج الأخرى، إذ بلغ عدد الأبنية السكنية والمؤسساتية التي دمرها جيش الاحتلال 156 بناية، تضمّ 1174 وحدة سكنية.

يطرق على الحجارة بكلّ قوته

على أنقاض إحدى العمارات السكنية، التي تمّ تدميرها خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، يقف الشاب عبد الرحمن العويني (27 عاماً) والعرق يتصبّب من جيبنه، يطرق على الحجارة بكلّ قوته بواسطة المطرقة لتفتيتها إلى أجزاء صغيرة، لتسهيل إعادة تدويرها واستخدامها من جديد.

انتشرت مهنة "إعادة تدوير الركام" بشكل كبير في قطاع غزة

ويقول العويني لـ "حفريات": الأوضاع الاقتصادية المتردية في قطاع غزة، الناتجة عن الحصار الإسرائيلي المفروض منذ عام 2007، تسبّبت بندرة فرص العمل في القطاع، وإيجاد فرصة عمل مناسبة أصبح شبه مستحيل، "لذلك اضطررت للعمل في مهنة جمع الركام من المنازل المدمرة، وبيعه إلى أصحاب الكسارات، لأتمكّن من تأمين قوت يومي، والتغلّب على مصاعب الحياة".

المهنة تعدّ شاقة جداً، "فنحن نعمل على جمع الركام وتحويله إلى قطع صغيرة لتسهل إعادة تدويره، وهذا يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، وفي بعض الأحيان نتعرّض للخطر نتيجة عدم إزالة المنزل أو العمارة بالكامل، بالتالي قد تنهار علينا أثناء العمل، لكنني مضطر للاستمرار في تلك المهنة، نظراً لعدم وجود مهنة بديلة، خاصّة بعد تضرر القطاع الصناعي خلال العدوان الأخير، وتسريح مئات العاملين".

ويعمل العويني في تلك المهنة منذ عدة سنوات، "وتعدّ مصدر رزقي الوحيد، لكنّ المردود المالي قليل جداً مقارنة بالجهد الكبير وساعات العمل، والتي قد تصل إلى اثنتي عشرة ساعة عمل يومياً، مقابل عشرين شيكلاً، أي ما يعادل 6 دولارات، لكنّني مجبرٌ على  العمل في تلك المهنة كي أستطيع مواصلة الحياة، والإيفاء بالالتزامات، وكي لا أمدّ يدي إلى أحد".

مخاطر جمع الركام

ويبيّن الشاب العشريني، أنّ عملهم في مجال جمع الركام يفتقد إلى إجراءات السلامة؛ إذ إنّهم معرضون للخطر في أيّة لحظة، كما لا يوجد تأمين عمل في حال تعرضهم للأذى.

عملهم في مجال جمع الركام يفتقد إلى إجراءات السلامة

وعلى أنقاض عمارة أخرى، يقف الشاب محمد مدوخ (25 عاماً)، منحني الظهر، يستخرج الحديد ومن ثم يبيعه لأصحاب محلات البناء والمقاولين لإعادة استخدامه من جديد بالخرسانة.

ويبيّن مدوخ أنّه يعمل في تلك المهنة، برفقة اثنين من أشقائه وعدد من أقاربه، بعد أن فقدوا مصدر عملهم في أحد مصانع الملابس.

الشاب عبد الرحمن العويني لـ"حفريات": العمل في جمع الركام يفتقد إلى إجراءات السلامة؛ فنحن معرضون للخطر في أيّة لحظة، كما لا يوجد تأمين عمل

ويشير، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّه أصيب خلال عمله عدة مرات، ورغم  ذلك لا يستطيع ترك العمل والجلوس بالمنزل، لعدم وجود مهنة أخرى يعمل بها، وأنّ تلك المهنة متاحة للجميع، نظراً لحجم الدمار الذي خلّفه العدوان الأخير على غزة، ووجود كميات كبيرة من الركام والحديد.

أبو محمد زعرب لديه حكاية أخرى، فقد كان يمتلك مصنعاً لصناعة الباطون، لكنّه تعطّل بفعل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال أدوات ومعدات البناء إلى غزة، وأصبح دون عمل، هو وما يزيد عن 25 عاملاً كانوا معه، وبعد ابتكار فكرة تدوير الركام الذي خلّفه العدوان على غزة، عاد الأمل يراوده من جديد، وبدأ بإعادة تدوير ركام المنازل ليستأنف عمله.

تحدي الحصار الإسرائيلي

يقول زعرب لـ "حفريات": إنّ الاحتلال الإسرائيلي تعمّد منع إدخال مواد البناء إلى غزة لتعطيل حركة الإعمار وإذلال سكان القطاع، خاصة في ظلّ ازدياد الطلب على الحجارة والإسمنت، لإعادة بناء المنازل المدمّرة، "لكننا تحدّينا هذا الحصار وابتكرنا عدة طرق لعودة الحياة إلى طبيعتها، ونشطت مهنة جديدة في غزة أتاحت الفرصة للمتعطلين عن العمل، ليجنوا أموالاً مقابل عملهم في هذا المجال".

ويتم تدوير ركام المنازل على عدة مراحل، فبعد تجميع الحجارة من المنازل المدمرة، تبدأ مرحلة التكسير، بوضعها داخل كسارة الحجارة، والتي تعمل على تحويلها إلى حصى "حصمة"، وهي من المواد الأساسية في البناء، ويمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع منذ عام 2007، ما أدّى إلى توقّف عمليات البناء لعدة سنوات.

يتم تدوير ركام المنازل على عدة مراحل

الاحتلال الإسرائيلي وضع عقبة جديدة أمام العاملين في إعادة التدوير؛ بمنع إدخال الكسارات إلى القطاع، لتعطيل العمل، "إلا أننا تحديناه مرة أخرى من خلال صناعة كسارات محلية بأدوات مستخدمة، مخصصة لاستخراج الحصى من بقايا الركام، وهذه الفكرة وفّرت علينا كثيراً من الوقت والجهد، ومكّنتنا من استخراج كميات كبيرة منها؛ إذ تنتج قرابة 20 طنّاً من الحصى يومياً" يتابع زعرب.

عودة عمل المقاولين

وأعرب أحد المقاولين في قطاع غزة، أحمد مقاط، أنّ إعادة تدوير ركام المنازل المدمّرة نتيجة القصف الإسرائيلي، أنعش مهنة البناء من جديد، بعد توقّف إدخال الحصى والحديد، وعدد من المواد الأخرى، بسبب المنع الإسرائيلي.

وأبلغ "حفريات" بأنّ الحديد هو أحد المواد الأساسية المستخدمة في عمليات البناء؛ لذلك توقف البناء في غزة ما يزيد عن ثلاث سنوات، بعد تشديد الحصار الإسرائيلي، لكنّ الحديد المستخرج من المنازل المدمرة، والذي يعاد تدويره، ساهم في عودة عمل المقاولين من جديد، وإيجاد فرص عمل لعدد كبير من العمال.

وينوّه إلى أنّه لا يتم استخدام الحديد المعاد تدويره في عمليات البناء "إلا بعد فحصه جيداً، والتأكد من قوّته ومدى تحمّله للباطون، وبإشراف مهندسين ومختصين من وزارة الأشغال العامة، وذلك لضمان عدم انهيار المنازل".

الصفحة الرئيسية