إسحق الفرحان في عين العاصفة حياً وميتاً

16580
عدد القراءات

2018-07-08

من اللحظات النادرة أن يتحول رحيل شخص إلى مادة سجالية تتعارك فيها الأفكار وتصطخب. ولكنّ ذلك كان على أشدّه بعد إعلان وفاة الدكتور إسحق الفرحان، الذي يعد واحداً من أبرز رموز حركة الإخوان المسلمين في الأردن، وأحد الذين يتهمون بـ"أخونة" المناهج المدرسية، وإلغاء تدريس مادة الفلسفة باعتبارها تحريضاً على التفكير الذي يؤدي إلى الكفر، في حين أنّ آخرين يؤكدون خلاف هذه الواقعة.

وكان الموت غيّب أول من أمس، في عمّان، الدكتور الفرحان الذي ظل لعقود يشغل مواقع قيادية في الدولة الأردنية، بعد أن كان حاز على خبرات ومهارات وشهادات علمية تؤهله لذلك.

زليخة أبو ريشة: د. إسحق الفرحان كان يؤمن بالتقية وهو أهم قائد إخواني تولى مهمة أخونة المجتمع الأردني

ولد إسحق أحمد فرحان في بلدة عين كارم بالقدس المحتلة العام 1934؛ تلقّى تعليمه الابتدائي فيها، وتعليمه الثانوي في السلط. حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم (كيمياء) بامتياز من الجامعة الأمريكية ببيروت، والماجستير في العلوم (الكيمياء الفيزيائية) بامتياز من الجامعة الأمريكية أيضاً (1958)، ثم ماجستير في التربية/ إعداد معلمي العلوم من جامعة كولومبيا بنيويورك (1962)، والدكتوراه في التربية (مناهج وإعداد المعلمين) من جامعة كولومبيا بنيويورك (1964).

وبعد عودته للأردن أشرف على عملية تطوير المناهج والكتب المدرسية بين عامي (1964 و 1973) التي اشتملت على حوالي ثلاثمائة كتاب مدرسي ودليل معلم، للتعليم العام.

ولد إسحق أحمد فرحان في بلدة عين كارم بالقدس المحتلة العام 1934

وزيراً للتربية في العام 1970

في العام 1970 عُين وزيراً للتربية والتعليم ووزيراً للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في وزارة وصفي التل. ووافق هوى الراحل الفرحان رؤية وصفي التل السياسية، "ما جرّ عليه غضب المتشددين في جماعته"، كما يقول الدكتور مهند مبيضين في صحيفة "الدستور"، لكن "الرجل الذي عرف عنه مقولته الشهيرة (البلد بلدنا والحكومة حكومتنا) كان يمارس انتماءه فيما يعتقد أنه اصطفاف وطني لإنقاذ الأمة من الهاوية، فالأوطان لا تصمد ولا تقام فقط بالمنابر، وإنما بالإيمان بها".

بعد وزارة التل، صار الفرحان وزيراً للتربية والأوقاف في وزارة أحمد اللوزي الأولى، واحتفظ بهذا المنصب في وزارة أحمد اللوزي الثانية (1972)، ثم عين وزيراً للأوقاف والمقدسات والشؤون الإسلامية في وزارة زيد الرفاعي (1973)، حيث استقال منها بعد خمسة أشهر.

عين الراحل مستشاراً، ومن ثم رئيساً للجمعية العلمية الملكية، (1975- 1976). ثم عمل رئيساً للجامعة الأردنية من عام (1976- 1978).

د. أحمد ماضي: رأي الفرحان في الفلسفة يستند إلى رأي الراحل سيد قطب الذي كان عدواً للفلسفة

والراحل من القيادات التاريخية لحركة الإخوان في الأردن، كما أنّه مؤسس في حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وتولى أمانته العامة منذ تأسيسه (1992- 1998)، وتولى رئاسة مجلس شورى الحزب منذ (1998- 2002).

ورافقت مسيرة الراحل الكثيرُ من العواصف التي أثيرت بسبب قراراته وسياساته في المواقع التي تقلدها، فقد كتبت عنه الأديبة زليخة أبو ريشة في صفحتها على "الفيسبوك" إنّ "د. إسحق الفرحان هو أهم قائد إخواني تولى مهمة أخونة المجتمع الأردني الذي لم يشهد في أي من تاريخه مرحلة عجز وموات كما شهدها بعد الأسلمة. لقد تحول المجتمع من صاعد نحو النهوض ومتفتح باتجاه الحريات إلى مجتمع متعصب متزمت يجتر الخطاب الديني، بل ويلبس السلوك السياسي والثقافي والعلمي لبوس الدين. تولى مديرية المناهج وبدأ معركته في طرد التنوير والتفكير الحر، ثم تولى وزارة التربية وصنع منها معملاً لتفقيس الكسل العقلي والبلادة الأخلاقية والانتهازية والشكلانية والاتكالية التي نرى خلاصاتها في المؤسسة والشارع والبيت".

ما كتبته عنه الأديبة زليخة أبو ريشة في صفحتها على "الفيسبوك"

كان أقوى شخصية من الإخوان

وتضيف أبو ريشة "كان الدكتور الفرحان يؤمن بالتقية؛ أي بالتظاهر بما لا يؤمن به لإنجاح مشروعه الإخواني، وهذا منحه وجماعته حيزاً لإخفاء النوايا الحقيقية للإخوان وهي القفز على السلطة. وكان أقوى شخصية من الإخوان في جيله وفترته، وحصل على فرص ذهبية لتحقيق أحلام لهم ونفوذ".

وفي سياق متصل، كتب الروائي قاسم توفيق إنّ هناك أشياء لا تنسى قام بها الفرحان لدى رئاسته الجامعة الأردنية "بدءاً من قيامه برفع الرسوم الجامعية، وتسليمنا للأمن، وفصل الجامعة لطوائف".

إسلاميون ينشرون وثيقة تؤكد أنّ الفرحان لم يمنع تدريس الفلسفة وأنه تبنّى اعتماد كتاب فلسفي للدكتور فهمي جدعان

وأعرب أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية الدكتور أحمد ماضي الذي عايش فترة الفرحان، عن عتبه الشديد "جرّاء الدور الذي اضطلع به، عندما كان رئيساً لقسم المناهج بوزارة التربية والتعليم، حيث ألغى تدريس الفلسفة، الأمر الذي انعكس، بصورة سلبية، على قسم الفلسفة بالجامعة الأردنية، ولم يكتف بتوجيه هذه الضربة القاصمة لتدريس التفكير الناقد، والعقلاني في المدرسة وفي الجامعة الأردنية، إذ سعى إلى إلغاء تدريس الفلسفة بالجامعة الأردنية فور تقلده منصب الرئاسة فيها، بيْد أنّ الموقف المشرف الذي اتخذه د.سري ناصر، رئيس قسم الفلسفة وعلم الاجتماع، آنذاك، حال دون ذلك". وأوضح ماضي على صفحته في "الفيسبوك" أنّ "رأي الراحل في الفلسفة يستند إلى رأي الراحل سيد قطب الذي كان عدواً للفلسفة، بما فيها الفلسفة الإسلامية، وهذا الراحل كان رائد المنحى التكفيري في جماعة الإخوان المسلمين".

ما كتبه عنه أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية الدكتور أحمد ماضي

تدريس "الوجيز في تاريخ الفلسفة"

لكنّ الناشط الإسلامي هاني زاهدة، يؤكد من خلال وثيقة "رسمية" جرى تداولها بأنّ "الفقيد الكبير الدكتور إسحق الفرحان، رحمه الله، لم يقم بإلغاء مناهج الفلسفة من التعليم، ويثبت ذلك من وثيقة موقعة بخط يده، تطلب من المدارس اعتماد كتاب الدكتور فهمي جدعان (الوجيز في تاريخ الفلسفة) بدلاً من كتاب آخر".

وفي سياق الملاحظات حول سياسات الراحل الفرحان، يستذكر الشاعر الفلسطيني زكريا محمد أنّ الفرحان "وقف ضد مشروع قيام (جامعة بيرزيت)، واعتبر المشروع عمالة لإسرائيل". واستعاد محمد ما كان كتبه قبل فترة عن هذا الموضوع، تحت عنوان "لقطة صغيرة من تاريخ الإخوان المسلمين"، إذ كتب:

الوثيقة الـ"رسمية" التي جرى تداولها لتنفي كون الفرحان قام بإلغاء مناهج الفلسفة من التعليم

"في العام 1971 كان إسحق الفرحان الإخونجي وزيراً للتربية في الأردن. ويومها طرحت فكرة إنشاء جامعة في الضفة الغربية هي جامعة بيرزيت الحالية. وكان رده على فكرة المشروع موثقاً بـ (إسحق الفرحان، وزير التربية والتعليم الأردني: حول الجامعة الفلسطينية، جريدة الدستور، عمان، 15/4/1971).  وجاء فيه:

"معلومات أكيدة أنّ السلطات الإسرائيلية وراء هذا المشروع وإثارته بين الحين والآخر، على الطريقة اليهودية المعروفة في إثارة الموضوعات حيناً ثم الانتظار بضعة أشهر حتى يكون هناك مجال لاختمار الفكرة عن طريق بعض المتعاونين معهم في هذا المجال وبقصد أو بدون قصد، وليكون هناك فرصة تزيين الفكرة لدى السُّذج والعوام، وربما عند بعض المثقفين".

اقرأ أيضاً: رعب الإسلاموية من مراجعة مناهج التربية والتعليم

وتابع محمد، نقلاً عن الفرحان: "إنّ من المسلّم به أنّ السلطات الإسرائيلية لا يمكن، وهي السلطات العنصرية الطامعة في وطننا وأرضنا، أن تهدف إلى أي فائدة لمواطنينا الواقعين تحت وطأة الاحتلال البغيض… ومن جملة ما ترمي إليه عن طريق هذا المشروع ما يلي:

1) إبراز مقومات مشروع الدويلة الفلسطينية بمحاولة الاكتفاء الذاتي في مجال التعليم الجامعي.

2) محاولة تكوين المواطن العربي الإسرائيلي وتهويد المواطنين العرب عن طريق التحكم في مناهج هذه الجامعة، وبالتالي إيجاد فجوة بين الشباب العرب وتراثهم العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف نحارب الإرهاب والتطرف بالتعليم؟

3) زيادة هجرة الشباب الجامعي المثقف عن فلسطين إلى البلاد العربية المجاورة والبلاد الأجنبية؛ إذ سوف لا يجد خريجو هذه الجامعة مجالاً للعمل في الأرض المحتلة فيضطرون إلى الهجرة مع عائلاتهم. وبالتالي تخلو البلاد من العقول المفكّرة [هكذا!] وتخف الكثافة السكانية في المناطق المحتلة.

4) صرف المواطنين في الأرض المحتلة عن التفكير بالاحتلال ومقاومته وأخطاره وتحويل تفكيرهم نحو أمور جانبية تتعلق بحياتهم اليومية."

ويعلق زكريا محمد: "هذا هو تاريخ الإخوان المسلمين في القضية الفلسطينية".

الدكتور رحيل غرايبة: الفرحان يمثل منهجاً آخر ومدرسة أخرى وسط هذا الصراع العدمي

غرايبة: الفرحان منهج آخر وسط الصراع العدمي

ومثلما تصارعت الآراء بخصوصه في حياته، كانت على نحو أشد بعد رحيله، فإسحق الفرحان يمثل، بحسب الدكتور رحيل غرايبة، منهجاً آخر ومدرسة أخرى وسط هذا الصراع العدمي، حيث ينادي "بضرورة التطوير والتحسين وخوض سباق التقدم والتحضر مع كل الشعوب والأمم دون الانسلاخ من الدين والهوية والتراث والثقافة، ودون التخلي عن منظومة القيم النبيلة الأصيلة".

اقرأ أيضاً: كيف تسعى السعودية للتحرر من اختطاف "الإخوان" المناهج الدينية؟

ويضيف في مقال نشرته صحيفة "نيسان" كان الدكتور إسحق الفرحان "أحد رواد هذه المدرسة في العصر الحاضر، وله كتاب في هذا السياق تحت عنوان (التربية الاسلامية بين الأصالة والمعاصرة)، فالدكتور إسحق كان حرباً على البلادة الذهنية وحرباً على التخلف والرجعية، وحرباً على الجمود والعجز والكسل العقلي والبدني، وفي الوقت نفسه كان حرباً على التقليد الأعمى للغرب، وحرباً على دعاة الانسلاخ من القيم والأخلاق، وحرباً على دعاة الرذيلة والتحلل من الالتزام بالآداب والاحتشام والسلوك الرفيع والخلق القويم، ونهج في ذلك منهجاً وسطا واضحاً وحاسماً وناجحاً، وحقق ومن معه انتصاراً شعبياً جارفاً، رغم أولئك الذين لا يستطيعون الرؤية الاّ بعين واحدة رمداء، ولايعرفون الاّ الزوايا المظلمة ولايتقنون الاّ الرمّي بسهام الاتهام والقذف".

اقرأ المزيد...

الوسوم: