
أثار عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي (المصباح)، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، بعد تصريحه الأخير الذي دعا فيه بشكل مباشر إلى إلغاء اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل. هذه الدعوة، التي قدّمها بنكيران باعتبارها موقفاً وطنياً وشعبياً، لم تمر مرور الكرام؛ إذ اعتبرها مراقبون محاولة لإحياء خطاب شعبوي يهدف إلى إنقاذ ما تبقى من رصيد حزبه السياسي المتآكل، أكثر من كونها تعبيراً عن برنامج واقعي أو قابل للتطبيق في السياق المغربي الراهن.
خطاب يعيد إنتاج المواقف التقليدية
في كلمته، ربط بنكيران بين رفض التطبيع وإرادة الشعب، مستشهداً بأحداث عام 2001 التي شهدت مظاهرات ضد التطبيع مع إسرائيل، مؤكداً أنّ ما جرى حينها يمكن أن يتكرر اليوم. وبذلك، حاول الزعيم السابق للحزب الإسلامي الإيحاء بأنّ الشارع المغربي يمتلك القدرة على قلب موازين السياسة الخارجية للدولة، متجاهلاً التغيرات الجوهرية التي عرفتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، والتحولات الاستراتيجية التي دفعت المغرب إلى إعادة تفعيل العلاقات مع إسرائيل في عام 2020.
بنكيران تجاهل أنّ حزبه في عهد رئيس الوزراء الإخواني السابق، سعد الدين العثماني، هو من وقّع وصدّق على اتفاق التطبيع مع إسرائيل، في عهد حكومة العدالة والتنمية.
وتندرج تصريحات بنكيران ضمن استراتيجية معروفة لدى التيارات الإسلامية، تقوم على استدعاء رمزية إرادة الجماهير لتبرير مواقف سياسية لا تتأسس على معطيات اقتصادية أو جيوسياسية واضحة. كما يرى محللون أنّ بنكيران يعمد إلى إعادة استخدام الخطاب نفسه الذي كان يوظفه خلال فترة صعود حزبه بعد عام 2011، حين كان يقدّم نفسه كصوت الشعب في مواجهة الدولة ومؤسساتها، وهو خطاب لم يعد يجد الصدى نفسه في السنوات الأخيرة مع تراجع الإسلاميين عن مواقع النفوذ السياسي.
تناقضات داخل حزب العدالة والتنمية
يأتي تصريح بنكيران في وقت يواجه فيه حزب العدالة والتنمية أزمة داخلية عميقة، بعد هزيمته الساحقة في الانتخابات التشريعية الفائتة، حين فقد معظم مقاعده في البرلمان، وتراجع حضوره في المشهد السياسي بشكل غير مسبوق. هذا التراجع فتح نقاشاً داخل الحزب حول مسؤولية القيادة السابقة، بما في ذلك بنكيران، في اتخاذ مواقف متناقضة بين الخطاب والممارسة.
ففي الوقت الذي يرفع فيه الحزب شعارات مناهضة للتطبيع اليوم، كان أمينه العام السابق سعد الدين العثماني هو من وقّع الاتفاق الثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 2020، بصفته رئيساً للحكومة آنذاك. وهو ما يضع الحزب في موقع متناقض يصعب تبريره أمام الرأي العام، ويجعل من تصريحات بنكيران الحالية أقرب إلى محاولة للتنصل من إرث سياسي تركه حزبه على هذا الملف.
ويرى محللون أنّ هذه المفارقة تضعف كثيراً من صدقية مواقف بنكيران، إذ يصعب الفصل بين الحزب الذي قاد الحكومة ووقع الاتفاق، وبين الحزب نفسه الذي يعلن الآن رفضه للتطبيع، وهو ما يعكس مأزقاً مزدوجاً بين ضرورة الحفاظ على هوية إيديولوجية معارضة لإسرائيل، وبين عدم القدرة على إنكار مسؤولية مباشرة في تمرير الاتفاق.
البُعد الإقليمي والإخواني
لا يمكن قراءة تصريحات بنكيران بعيداً عن السياق الإقليمي لحركات الإسلام السياسي، خصوصاً ارتباط حزب العدالة والتنمية بالشبكة الإخوانية في المغرب والمنطقة. فخطاب رفض التطبيع يُعدّ أحد أعمدة الموقف الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها، ويُستخدم غالباً كأداة لإعادة شحن قواعدها الشعبية وإظهار التمايز عن الأنظمة الحاكمة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أنّ تحركات بنكيران لا تنفصل عن محاولات الإخوان في أكثر من دولة عربية إعادة بناء خطابهم السياسي بعد سلسلة من الهزائم والانتكاسات. ومن ثم، فإنّ استدعاء ملف التطبيع في المغرب قد يكون جزءاً من محاولة التنسيق غير المباشر مع خطاب الجماعة في المنطقة، لا سيّما في ظل انحسار شعبيتها وصعود قوى سياسية بديلة أكثر قدرة على مخاطبة الشارع.
أحد أبرز الانتقادات الموجهة لبنكيران هو عدم تقديمه لأيّ خطة عملية أو تصور واقعي لكيفية إلغاء اتفاق التطبيع. فالمغرب اليوم يرتبط مع إسرائيل بجملة من الاتفاقيات في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستثمار، فضلاً عن العلاقات الرسمية التي باتت تشمل زيارات وزارية وتعاوناً متعدد الأبعاد. إلغاء هذه العلاقات لن يكون خطوة رمزية أو مجرّد قرار سياسي عابر، بل سيترتب عليه أثمان اقتصادية ودبلوماسية جسيمة، بما في ذلك احتمال تضرر العلاقات مع الولايات المتحدة، التي كانت طرفاً أساسياً في الاتفاق الثلاثي.
مع ذلك، اكتفى بنكيران بالتعبير عن أسفه لمشاركة إسرائيليين في فعاليات ثقافية وفنية في المغرب، مثل تلك التي شهدتها مدينة الصويرة مؤخراً، دون أن يقدّم أيّ خطوات ملموسة لمواجهة هذا الواقع. وهو ما جعل كثيرين يرون في تصريحاته مجرد محاولة لإثارة ضجة إعلامية دون أن يكون لها أيّ أثر فعلي على السياسات العامة.
ويبدو أنّ هدف بنكيران الأساسي هو استعادة زمام المبادرة داخل حزبه وإعادة تعبئة القواعد الإسلامية التي تشتتت بعد انتخابات 2021. فالخطاب الشعبوي المناهض للتطبيع يظل ورقة مضمونة لجذب جزء من الناخبين المحافظين أو المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، حتى وإن لم يعد له الزخم السابق نفسه. وبالنسبة إلى بنكيران، فإنّ إعادة طرح هذا الملف تسمح له بالظهور كزعيم سياسي يتبنّى القضايا الوطنية الكبرى، في محاولة لتلميع صورته المتآكلة.
لكنّ هذا التوجه يضع الحزب أمام معضلة جديدة، فالتصعيد الخطابي ضد التطبيع قد يعيد إلى الأذهان مسؤوليته السابقة في توقيع الاتفاق، وهو ما قد يزيد من فقدان الثقة لدى الشارع. كما أنّ غياب رؤية واقعية للتعامل مع الملف يجعل الحزب في موقف دفاعي، حيث يتحول الحديث عن التطبيع إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أكثر من كونه برنامجاً سياسياً قابلاً للتنفيذ.
هل يمكن أن يشكّل خطاب بنكيران حول التطبيع رافعة لإعادة الحزب إلى واجهة المشهد السياسي؟
حتى الآن تبدو الإجابة سلبية. فالحزب ما يزال يعاني من فقدان الثقة الشعبية، وانقسامات داخلية، وتراجع حضوره في المؤسسات المنتخبة. كما أنّ الاعتماد على خطاب شعبوي دون برنامج عملي لا يكفي لاستعادة مكانة مفقودة، خصوصاً في ظل منافسة قوية من أحزاب أخرى أكثر قدرة على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطن المغربي.
مع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يظل الحزب يوظّف ورقة رفض التطبيع في خطاباته الانتخابية المقبلة، باعتبارها من آخر الأوراق التي يمكن أن تحافظ على ارتباطه بقاعدته التقليدية. لكنّ نجاح هذا الرهان يبقى رهيناً بقدرة الحزب على تجاوز تناقضاته الداخلية، وتقديم رؤية أكثر واقعية للسياسات الوطنية، بعيداً عن الشعارات الإيديولوجية التي لم تعد تقنع الشارع المغربي كما كان في السابق.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)