أوهام المصالحة.. لن يخدعنا الإخوان ثانية

أوهام المصالحة.. لن يخدعنا الإخوان ثانية

مشاهدة

19/09/2021

أعلن يوسف ندا القيادي الإخواني الشهير استعداد جماعته لبدء حوار مع الدولة المصرية لمصالحة تكون نهاية لمعاناة أسر المسجونين من الإخوان، ففي رسالة خص بها وكالة الأنباء التركية عقب ندا على ما توهم أنه إشارات من الدولة المصرية لفتح باب للمصالحة: "تعلمنا في السياسة أنّ وضع الشروط المسبقة تفسد الحوار، ولذلك أقول إنّ الباب مفتوح، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً"، موضحاً الهدف من المصالحة هذه المرّة، وهو "فتح الحوار مع رئاسة النظام المصري حالياً، كما توحي رسالته، يوجب إنهاء معاناة المسجونين من النساء والرجال ومعاناة أسرهم، حتى لا تبقى مع المشروع الجديد لحقوق الإنسان وكأنها رهانات على الصبر وتحمل نتائجه".

يبدو أنّ يوسف ندا، رجل التنظيم العالمي القوي وصاحب الخزينة المالية للإخوان، فهم من كلمات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في اجتماع لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بالبلاد، أنّها تحمل إشارات لقبول الدولة التحاور معهم شرط الاعتراف بشرعية الرئيس.

 توهم الإخوان لشروط المصالحة يبدو نابعاً من رغبة ملحّة بحل المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه

جاء في كلمة السيسي المشار إليها أنّ "هناك محاولات من قرن مضى أو أقلّ قليلاً لصبغة المصريين بصبغة معينة"، وأنه "ليس مختلفاً مع هؤلاء، شريطة أن يحترموا مساره، وألّا يتقاطعوا معه ولا يستهدفوه، لست كشخص ولكن استهداف مصر والمجتمع".

وهذا الفهم والتوهم يبدو أنه نابع من رغبة ملحّة من جانب الإخوان بحل المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه الأعوام الماضية، ممّا يدفعهم للتلهف لأي كلمة ليعتبروها إشارة للمصالحة، لم يفهم القيادي الإخواني أنّ كلمات الرئيس المصري جاءت في سياق معرض حديثه عن حقوق الإنسان، في محاولته تفسير موقفه غير المتشدد مع الأزهر في مشكلة توثيق الطلاق، لأنّه على حد قوله "لا يمكن أن يجبر المجتمع على اتخاذ فكرة أو سلوك دون أن يكون واعياً له".

اقرأ أيضاً: ردود فعل الإخوان على سقوط "العدالة والتنمية" في المغرب: هل يتعظون؟

إنّ ما أعلنه القيادي الإخواني المحسوب على جناح إبراهيم منير بأنّ باب الحوار مفتوح، يثبت أنّ الجماعة تمر بأزمة تنظيمية وفكرية كبيرة، وأنهم يعيشون حالة غيبوبة واضحة، فحتى الآن هم غير قادرين على تجاوز الهزيمة القاسية في الشارع وفي الحكم، وما زالوا يمنّون أنفسهم بأحلام العودة إلى المشهد السياسي، وهذا يعود إلى فقدان الرؤية السياسية الصحيحة، وعدم تقدير الموقف بشكل سليم، فالإخوان مازالوا يرون أنفسهم قوة سياسية كبرى في المجتمع المصري كما كانوا قبيل أحداث "الربيع العربي"، ويتوهمون أنهم ما زالوا قادرين على منح الشرعية أو منعها عن أي كيان أو أي شخص، والواقع الذي لم يعد يعيش فيه الإخوان هو أنهم أصبحوا معزولين منبوذين في الشارع المصري، الذي لفظهم ولفظ رموزهم، وخسروا أي مساحة من التعاطف معهم.

اقرأ أيضاً: كيف صنّف حسن البنا "الآخر" غير الإخواني؟

 فقد أظهروا بعد الحكم استعلاء وتعالياً، عاقبهم عليه الشعب بالثورة عليهم، ثم انتكسوا على تعهداتهم السابقة التي زعموا فيها أنهم نبذوا العنف واستخدام السلاح في ممارساتهم السياسية، فضلاً عن اشتهار رموزهم بالتناقض بين الفضيلة التي يدّعونها وبين واقعهم الذي يعيشونه، وكشف بعضهم عن اختلاسات مالية تُعدّ بالملايين في تركيا، كل هذا لا يراه الإخوان، فما زالوا غير مدركين اللحظة ولا تموضعهم في السياسية المصرية، إضافة إلى تهشم التنظيم الذي كانوا يتفاخرون بأنه أقوى تنظيم في مصر، فإذا به يتشتت ويتشظى ويتحلل كثير من مكوناته.

فما الذي يملكه الإخوان لتتصالح معهم الدولة المصرية؟ إنهم هم في أمس الحاجة للمصالحة، وهذه المرّة جاءت على لسان القيادي الإخواني، ولا يُستبعد أن تكون هي وجهة النظر نفسها للجماعة، ولكنهم كعادتهم فضلوا أن يعلنها قيادي معروف، فإذا استجابت الدولة، استكملوا إجراءاتهم، وإذا لم تستجب، تنصلوا منها وأعلنوا أنه لا صحة لما أعلنه القيادي الإخواني، وأنّ قيادات الإخوان ما زالت ترفض التصالح مع الدولة المصرية.

اقرأ أيضاً: الإشاعات.. هل هي وسيلة الإخوان للتقرب إلى الله تعالى؟

ثمّة ملاحظات مهمّة في شأن المصالحة الإخوانية المصرية؛ أوّلاً: أنها تأتي على لسان قيادات إخوانية فقط، ولا نجد أي تصريح لأي قيادة مصرية بهذا الشأن، بل على العكس، فإنّ الرئيس المصري يصفهم دائماً بأنهم أهل الشر والمخرّبون، ثانياً: الحديث عن المصالحة غالباً يأتي في أعقاب مشكلة تنظيمية، وهذه المرّة جاء بعد الخلافات بين محمود حسين وتياره وإبراهيم منير وتياره، وقيام إبراهيم منير بحلّ مكتب تركيا، وانتخاب آخر موالٍ له تماماً، ثالثاً: الحديث عن المصالحة يأتي دائماً كمحاولة لتخفيف الضغوط على الصف الإخواني المنهك من الملاحقات الأمنية، ومنحهم أملاً مكذوباً ومتوهماً بأنّ ثمة انفراجة قادمة، رابعاً: غالباً ما ينتهي طلب الإخوان بالحوار مع الدولة المصرية من طرفهم، فمع استمرار تجاهل الدولة الرسمية لكل ما يعلنه الإخوان وعدم الانزلاق معهم في مثل هذا الحوار، تأخذ جماعة الإخوان حمية كاذبة، ويرفضون المصالحة المتوهمة، فقط لحفظ ماء وجههم.

اقرأ أيضاً: مَن سبق سيد قطب بتجهيل المجتمعات؟

العجيب والغريب أنّ ندا يغالط التاريخ، ويزعم "أنّ العالم كله يعلم أنّ جماعة الإخوان لم تفرض فكرها على أحد طوال الـ90 عاماً الماضية"، وكأننا لم نشاهد ونعاين تصرفات الإخوان الإرهابية، والأسوأ أنه يختتم رسالته قائلاً: "صحائفنا بيضاء، والوطن أحب إلينا من نفوسنا"، أي وطن وسيد قطب يعتبر الوطن تراباً عفناً؟ أيّ وطن هذا الذي يحبه يوسف ندا وهم على صفحاتهم يلعنونه ويلعنون الشعب ويتهمونه أنه عبيد البيادة؟ لسنا في حاجة لإثبات هذه الكلمات على ألسنة القيادات، فيكفي أنها تأتي على ألسنة الصف الإخواني.

ما أعلنه يوسف ندا بأنّ باب الحوار مفتوح يثبت أنّ الجماعة تمر بأزمة تنظيمية وفكرية كبيرة

ثم أيّ أيادٍ تلك التي كانت بيضاء وفي أي عصر أو في أي مكان؟ إنّ أيادي الإخوان ستظل ملوثة بالدماء ما لم يتطهروا بالاعتراف بجرائمهم ويطلبوا الغفران من أصحاب الدماء المراقة، نعم أياديهم ملطخة بالدماء منذ عهد نشأة التنظيم حتى الآن، فقد قتلوا القاضي الخزندار، وقتلوا محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر، وقتلوا أحمد بك عمار حكمدار العاصمة، أياديهم ملوثة بالاعتداء على المتظاهرين أمام مكتب الإرشاد في منطقة المقطم، فقد قتلوا منهم 9 أشخاص وأصابوا 91 آخرين، أيّ أيادٍ بيضاء تلك وهي ملوثة بعد إحراقهم أكثر من 82 كنيسة ودار عبادة في المنيا وأسيوط والفيوم؟

أيّ أيادٍ بيضاء تلك التي أحرقت أقسام الشرطة ودواوين المحافظات!؟ وأيّ أيادٍ بيضاء تلك التي تلوثت بدماء 23 قتلوا ظلماً من أهالي منطقة بين السرايات، وأصابوا 220 آخرين في تموز (يوليو) 2013؟ أيّ أيادٍ بيضاء وهم بالصوت والصورة قاموا بإلقاء الأطفال من على البنايات في سيدي جابر، وقتلوا في  الأحداث نفسها 6 أشخاص؟ أيّ أيادٍ بيضاء وهم من قتلوا النائب العام هشام بركات في حزيران (يونيو) 2015؟

لن يخدعنا الإخوان مرّة أخرى، فهم يرتدون ثياب الحملان البريئة التي تخفي وراءها ذئاباً جائعة تسعى لنهشنا لو غفلنا عنهم لحظة، لن يخدعنا الإخوان بكلماتهم المعسولة التي لا أصل لها ويكذّبها الواقع، لن يخدعنا الإخوان لأننا أدركنا أنّ العنف هو دستورهم الذي وضعه مؤسس الجماعة حسن البنا ومساعدوه وتلاميذه منذ نحو 90 عاماً.



الصفحة الرئيسية