أطفال الجهاد.. كيف برر الإرهابيون هذا الانتهاك؟

أطفال الجهاد.. كيف برر الإرهابيون هذا الانتهاك؟

مشاهدة

30/10/2019

"المحاربون الأطفال" ظاهرة غير مستجدة؛ بل انتشرت تاريخياً في حضارات عديدة، وقد توفّرت وثائق تفيد بانخراط أطفال يبلغون 14 عاماً في جيش الإمبراطورية الرومانية (30 ق.م – 476 م).

اقرأ أيضاً: "الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال
انخراط الأطفال في الجيش الروماني لم يكن مستساغاً اجتماعياً حينها، رغم الاعتقادات الشائعة بذلك، وهو ما ورد في كتاب (The Roman Legionary)، الصادر العام 2013، للباحث في تاريخ الحضارة الرومانية، روس كوان.
لكن بات تطويع الصغار في الحروب مألوفاً على مدار التاريخ، مع العلم أنّ البلوغ في الأزمنة القديمة كان يعدّ سنّاً للنضوج، أما تعريف القاصر، سواء الأنثى أو الذكر، فهو من منتجات الحضارة الحديثة.
جاء إعلان حقوق الطفل على يد عصبة الأمم، عام 1924، بعدما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وارتكز الإعلان على حماية الأطفال وعدم استغلالهم في الحروب.

تطوّر الأسلحة النارية خفيفة الوزن كان سبباً في سهولة تجنيد وتدريب الأطفال في المعسكرات

رغم ذلك؛ فإنّ الحرب العالمية الثانية، التي تصنَّف زمنياً، ضمن حروب العصر الحديث، شهدت تطويعاً هائلاً للأطفال القاصرين، بعضهم كان دون 12 عاماً في الجيش النازي، سواء الذكور أو الإناث، وعُرفوا باسم منظمة "شباب هتلر" (Hitler-Jugend)، وكذلك في جيش الإمبراطورية اليابانية.
يقول الباحث الأمريكي في شؤون الحروب، بيتر سينجر، في كتابه الصادر العام 2005، "أطفال في الحروب" (children at war): إنّ تطوّر الأسلحة النارية خفيفة الوزن كان سبباً في سهولة تجنيد وتدريب الأطفال في المعسكرات، فلم يعد يقتصر دور المحارب الصغير على نقل الرسائل العسكرية فقط، أو خدمة كبار المحاربين، وقد شهدت أفريقيا الاستغلال الأكبر للأطفال في الحروب، ولحقت بها أمريكا اللاتينية، بحسب تقارير الأمم المتحدة. 

اقرأ أيضاً: أطفال داعش وثمن جرائم الآباء.. كيف يندمجون في المجتمع؟
في هذا الصدد صدر ميثاق حقوق الأطفال التابعة للأمم المتحدة، والذي تمّ توقيعه العام 1989، وبحسب الاتفاقية؛ فإنّ الطفل هو من لم يبلغ الثامنة عشرة، ثم أضيفت مادة (اختيارية)، العام 2000، على الميثاق، ألزمت الدول الموقعة على التعهد بعدم إشراك الأطفال في المنازعات المسلحة في الجيوش النظامية.
وقود لمعارك عرقية
لكن انخراط الأطفال في الجيوش النظامية هو وجه واحد من الأزمة، أما الوجه الآخر فهو استغلال الأطفال، الذكور والإناث، في الميليشيات المسلحة، وفي كثير من الأحيان سيطرت  التوجهات العقائدية الدينية على تلك الميلشيات، مثل:

الأزمة لا تقتصر على انخراط الأطفال بالجيوش النظامية فالوجه الآخر استغلالهم في الميليشيات المسلحة

ميلشيا "سيليكا" (Séléka)؛ التي تأسست العام 2012 في جمهورية أفريقيا الوسطى، على يد المتمردين المسلمين ضدّ حكم الرئيس  فرانسوا بوزيزي، وانزلقت البلاد فيما بعد في حرب عرقية بين المسلمين والمسيحيين، فتأسست ميليشيا "أنتي بالاكا"Anti Balaka) )، العام 2013، وهي ميليشيا قوامها من المسيحيين وديانات أخرى، وضحايا الميليشيات عادة هم الجماهير الآمنة غير المسلحة؛ أي إنّ الأمر لا يجب أن يتم اختزاله في صراع الميليشيات فيما بينها فحسب.
كما تسعى بعض الميليشيات المسلحة إلى زيادة تعداد المجاهدين من الأطفال في صفوفها، كما تفعل ميليشيات الحوثي في اليمن، بحسب تقارير صادرة عن منظمات غير حكومية، مثل منظمة "مواطنة"، وكذلك تقارير الأمم المتحدة الاستقصائية، التي تفيد بأنّ تجنيد الأطفال يبدأ دون سنّ العاشرة؛ حيث يتمّ اختطافهم، أو مفاوضة أسرهم على تجنيدهم، مقابل توفير الغذاء لذويهم، وهؤلاء الأطفال إما أن يَقتلوا، أو يُقتَلوا في غارات جوية، وحتى إن نجوا من الموت، فهم لا ينجون من الآثار العدوانية، التي تغذَّى داخلهم في تلك المعسكرات، تحت مسمى الجهاد في سبيل الله.

اقرأ أيضاً: المخيمات الصيفية.. وسيلة جديدة للحوثيين لتجنيد الأطفال
والعام 2017؛ نشر التلفزيون الإيراني مقطعاً لمقابلة مع طفل مجاهد في الثالثة عشرة من عمره، قال إنّه جاء إلى سوريا تحت قيادة قائد فيلق القدس الإيراني. 
أشبال في سبيل الخلافة
بات الأمر جلياً؛ فتطويع الأطفال في الحروب ليس بجديد، وليس حكراً على ثقافة وعقيدة، أو مذهب بعينه، لكن تظل التأويلات الدينية، خاصة في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، سواء كانت سنّية أو شيعية، عاملاً أساسياً في الحثّ على الجهاد المسلح، بشكل عام، وعلى تجنيد الأطفال منذ نعومة أظفارهم على الموت في سبيل الخلافة، فترى تلك التنظيمات أنّ مواثيق حماية الطفولة جزء من المؤامرة الغربية ضدّ المسلمين، لمنعهم من الجهاد.
"أشبال الخلافة"؛ هو الاسم الذي تستخدمه تلك الجماعات في الترويج لضرورة تنشئة الأطفال على حمل السلاح، والقتال من أجل نصرة صحيح الإسلام، الذي يعدونه صحيح السلفية الجهادية.

تظل التأويلات الدينية عاملاً أساسياً في الحثّ على الجهاد المسلح بشكل عام وتجنيد الأطفال

"أشبال الخلافة" تحوّلت من مجرد عبارة افتراضية متداولة إلى منظمة شبابية فعلية، داخل صفوف تنظيم داعش، وبحسب تقرير صادر عن مركز "مسبار" للدراسات والبحوث، العام 2017؛ فإنّ استغلال الأطفال في التنظيم لا ينحصر في التدريبات القتالية فقط، بل يتم استغلالهم في التجسّس، وفي العمليات الانتحارية، كونهم أقل شبهة، كما تفعل جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا.
كما يتم استغلال الأطفال المجاهدين في البروباغندا الإعلامية، فيتمّ تصويرهم ينشدون أناشيد الجهاد والقتال وسفك الدماء، كما يتمّ إشراكهم وتصويرهم أثناء تنفيذ أحكام التكفير(الإعدام) في الأعداء المارقين المهرطقين، بحسب رؤيتهم.
هذه المصطلحات، مثل "أشبال الخلافة"، لا تستهدف تجنيد الذكور وحدهم؛ بل تسعى لتجنيد نساء خلافة المستقبل، وهنّ صغيرات اليوم، فالنساء داخل الحركات الجهادية؛ إما سبايا يتعرضن للاستغلال الجنسي، وإما محظيات مؤمنات بأيديولوجيا الجهاد، وينشرن الفكر الجهادي، ويعملن على الاستقطاب، وكان هذا السياق محل دراسة جندرية، صدرت في كتاب بعنوان "النساء والإرهاب"، للأستاذة الجامعية، آمال قرامي، من تونس، العام 2017.  
أدبيات شرعنة تجنيد الأطفال
الأدبيات هي المناهج التعليمية التي تطوعها التنظيمات الإسلامية من أجل الاستقطاب والتنشئة وتهيئة المجتمع الإسلامي لحكم الخلافة، وقد يختلف منظور الخلافة بين الجماعات الإسلامية فيما بينها، لكنّ الاختلاف ليس في جوهر الفكرة، إنّما في صورة وآلية تأسيس دولة الخلافة المعاصرة.

الكتاب الأكثر خطورة في الأدبيات الجهادية الحديثة وانتشر في العراق والشام "أطفال في محاضن الجهاد"

ويمكن رصد نموذج من هذه الأدبيات من خلال مدارس الموصل بالعراق، التي سيطر عليها داعش قبل عدة أعوام، وجاء التركيز من خلالها على استهداف عقول الفتية بين 8 و12 عاماً. 
تدريس سيرة المجاهدين والمقاتلين، مثل سيرة أبو مصعب الزرقاوي وأتباعه، كعبد الرحمن البلاوي في تنظيم داعش، هو العامل الأساسي في تلك الأدبيات، التي تمتّ طباعتها في كتب دراسية تحمل شعار "تنظيم الدولة الإسلامية: خلافة على منهاج النبوة"، والمثير للانتباه؛ أنّ تنظيم داعش يعدّ الفترة بين 2 إلى 9 هجرية، زمن الغزوات، بمثابة بوصلة زمانية يولي أفراده وجوههم شطرها، ويسعون لإحيائها، بحسب تأويلاتهم.
وبعد إتمام عمليات غسيل الأدمغة الممنهجة للصغار، قام تنظيم داعش بتوزيع استمارات على الفتية بهدف الانضمام إلى التنظيم، وأهم ما ورد في هذه الاستمارات؛ ضرورة ذكر الأشبال أسماء مثلهم الأعلى من بين الجهاديين والفقهاء.
أما الكتاب الأكثر خطورة في الأدبيات الجهادية الحديثة، والذي انتشر في العراق والشام، فكان كتاب "أطفال في محاضن الجهاد"، لمؤلفته أم عمارة المهاجرة، وخطورته لا تكمن فيما حمل من أفكار جهادية بحتة؛ إنّما بسبب إضفاء الجانب الإنساني الأمومي على إعداد الأطفال للقتال من أجل الخلافة، فجاءت بعض النصائح في الكتاب ذات مفردات تربوية؛ إذ تحثّ أم عمارة المهاجرة على سلامة أولاد المجاهدين الصغار، من خلال تنبيهها الأبوين للحفاظ على المتفجرات بعيداً عن متناول الأطفال!
الدور الأمومي في تنشئة المجاهد الصغير ليس مستجداً؛ فقد سبق أن تناولته جماعة الإخوان المسلمين في مصر، من خلال حثّ نساء الجماعة على تربية جنود الأمة من أجل الجهاد وإقامة دولة الخلافة، كما ورد في كتاب "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية"، الصادر العام 1978، بقلم القياديَّيْن في الجماعة: محمود الجوهري، ومحمد عبد الحكيم الخيال.


الصفحة الرئيسية