أسلي أردوغان: تركيا الآن ألمانيا النازية في الثلاثينيات

أسلي أردوغان: تركيا الآن ألمانيا النازية في الثلاثينيات
صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
38984
عدد القراءات

2018-08-19

ترجمة: مدني قصري


لإسكات كلمتها، في أحد أيام آب (أغسطس) العام 2016، اقتحمت الشرطة التركية المسلّحة والمقنّعة، شقّتها في اسطنبول.

في فجر عيد ميلادها الخمسين، أُلقِي بالكاتبة والفيزيائية التركية "أسلي أردوغان" في السجن، ضحية لعمليات التطهير التي يمارسها رئيس الجمهورية التركية على نطاق واسع جداً: أكثر من ألف شخص يتم اعتقالهم وسجنهم كل أسبوع، أحياناً بسبب تغريدة بسيطة. بعد أربعة أشهر ونصف في السجن، أصبحت أسلي أردوغان لاجئة في فرانكفورت؛ حيث تنتظر نتائج محاكمتها.

اقتحمت الشرطة التركية المسلّحة والمقنّعة شقّتها في اسطنبول

نظام فاشي مثل ألمانيا النازية

الفيزيائية السابقة أسلي أردوغان، تشير إلى الفترة التي عزّز فيها النازيون صلاحياتهم عن طريق قمع خصومهم المتّهمين بالتآمر.

ترى أسلي أردوغان، الكاتبة التركية المعرضة للسجن المؤبد في بلدها، والمقيمة في المنفى في ألمانيا، أنّ الوضع خطير: تركيا التي يقودها الرئيس رجب طيب اردوغان، تحولت إلى نظام فاشي.

مستقبل الباليه الكلاسيكي والأوبرا التي يكرهها أردوغان صاحب السلطة المطلقة مرتبط مباشرة به

لا تذهب الروائية، التي لا ترتبط برئيس الدولة التركي بأي صلة قرابة، إلى الهدف من طُرق كثيرة؛ إذ قالت الكاتبة، البالغة من العمر 51 عاماً، لوكالة "فرانس برس"، من فرانكفورت، أرضها في المنفى: "الطريقة التي تسير بها الأمور في تركيا، هي مثل ألمانيا النازية".

"أعتقد أنه نظام فاشستي. ليس الوضعُ -في تركيا- وَضْعَ ألمانيا في الأربعينيات، ولكنه وضعُ ألمانيا في الثلاثينيات، تقول الفائزة بجائزة سيمون دي بوفوار 2018 لحرية المرأة، في إشارة الى الفترة التي عزّز فيها النازيون السلطة من خلال قمع المعارضين المتّهمين بالتآمر.

لا ثقة في العدالة

ولذلك فإنّ السيدة أردوغان التي يطاردها النظام التركي بتهمة "الدعاية الارهابية"، وخصوصا بسبب عملها في الصحيفة الكردية "أوزغور غونديم"، التي تم إغلاقُها منذ اتهامها بارتباطاتها مع حزب العمال الكردستاني (PKK )، وهي منظمة مصنّفة على أنها "إرهابية" من جانب أنقرة وفي الغرب، لا تشعر بأي ثقة في العدالة.

اقرأ أيضاً: إسلاموية أردوغان تزرع الانقسام بين أتراك قبرص

"ثمة عنصرٌ حاسم، وهو عدم وجود نظام قضائي"، تقول الكاتبة، التي تصف بلداً تكتظ سجونه بالمعتقلين، وفيما قاعات محاكم أردوغان يديرها قضاةٌ في العشرينيات من العمر، لا يملكون الخبرة ولكنهم موالون للسلطة، والذين حلوا محل شيوخهم الذين أقيلوا من مناصبهم بسبب القمع الذي أعقب الانقلاب الفاشل في تموز (يوليو) العام 2016 ضد الرئيس أردوغان.

تم إغلاق صحيفة "أوزغور غونديم" لارتباطها بحزب العمال الكردستاني

"مضحك بشكل مثيرة للشفقة"

تنتمي الكاتبة، التي صُدِمت أيما صدمة جراء 136 يوماً من الاحتجاز، إلى عشرات الآلاف من الأشخاص الذين استهدفتهم الحكومة التركية.

هذه الاعتقالات استهدفت أنصار الداعية فتح الله غولن، المتهمين بتنظيم الانقلاب، وكذلك وسائل الإعلام المعارضة، والأشخاص الذين يُشتبَه في تعاطفهم مع القضية الكردية.

أسلي: قاعات محاكم أردوغان يديرها قضاةٌ في العشرينيات لا يملكون الخبرة ولكنهم موالون للسلطة

أنقرة ترفض الاتهامات بالانتهاكات الجسيمة للحقوق، وتؤكد أنها تواجه التهديد الوجودي للدولة.

"أردوغان مطلق السلطة تقريباً"، تقول الكاتبة، "إنه يقرّر سعر الدواء، ومستقبل الباليه الكلاسيكي، وأفراد أسرته يقعون على مسؤولية الاقتصاد... والأوبرا، التي يكرهها، مرتبطة مباشرة به".

وتضيف "إنّ ما هو جيد مع الفاشية، مضحك بشكل مثير للحزن والشفقة أحياناً".

تحذير الغرب

وتحذّر أسلي أردوغان الغربَ من أنْ لا ينخدع بالاعتقاد بأنّ الأمور ستتحسّن، الآن بعد أن عزّز الرئيس أردوغان سلطاته في الانتخابات العامة في حزيران (يونيو) الماضي.

وتتهم قائلة: "إنها حالة طوارئ دائمة"؛ حيث سيتم إصدار قانون "ضد الإرهاب" جديد، مثير للجدل، لاستئناف إجراءات حالة الطوارئ التي رفعت للتو بعد عامين.

اقرأ أيضاً:أردوغان والانقلاب على ماضي تركيا العلماني

وبالتالي، لا تملك الفيزيائية السابقة في مركز الأبحاث النووية في جنيف، أيّ أمل في تبرئتها من قِبل  محاكمتها، التي من المقرر عقد جلسات استماع إليها في تشرين الأول (أكتوبر)، وآذار (مارس). وتقول: "إنهم لا يتراجعون"، مشيرة إلى العديد من الصحفيين المحكوم عليهم هذا العام، وبعضهم بالسجن مدى الحياة.

الكتابة "بالدم"

حتى لو كان نفيُها في ألمانيا يمنحها بعض الأمن، ترى أسلي أنّ انتظار الحكم "لا يكاد يطاق"، "إنّ أعظم عذاب يمكن أن توجّهه لإنسانٍ هو أن تجعل مصيره مجهولاً".

تم إطلاق سراح أسلي أردوغان من السجن في نهاية كانون الأول (ديسمبر) العام 2016، وقد تمكنت من استرداد جواز سفرها في أيلول (سبتمبر) العام 2017 وهاجرت البلاد على الفور، مثل غيرها من الفنانين والمثقفين.

تم إطلاق سراح أسلي أردوغان من السجن في نهاية كانون الأول (ديسمبر) العام 2016

منذ ذلك الحين وهي تعيش في فرانكفورت، وتتمتع بشقة وبمنحة كجزء من المشروع الدولي "مدن الملجأ" Cities of Refuge. يهدف هذا البرنامج إلى تزويد الكتاب المضطهدين بمكان آمن للعيش والعمل.

لكنّ المؤلفة لم تتمكن بعدُ من استئناف الكتابة. فهي تعاني من الصدمات النفسية، ومن الأرق، وتعاني من نوبات اكتئاب ومشاكل صحية، وتركز فقط على المشاركة في الأحداث الأدبية والمحاضرات.

هدفُها هو الدفاع عن أولئك الذين ما يزالون وراء القضبان في تركيا "لقد وجدتُني في دور سياسي، وأنا أحاول أن أحمله بفخر واعتزاز."

وعندما تشعر في النهاية أنها مستعدّة كل الاستعداد ستُفرغ كلَّ خبرتها في السجن على الورق، "إنها مواجهة ثقيلة للغاية"، لأنه في "الأدب، عليك أن تكون صادقاً أكثر من 200٪. لأنك تكتب بالدم".

أسلي أردوغان بين السجن والجوائز العالمية

عمِلت أسلي أردوغان، وهي فيزيائية متخصصة، خريجة جامعة البوسفور الناطقة باللغة الإنجليزية (إسطنبول)، في مركز الأبحاث النووية الأوروبي في جنيف. ثم أمضت عامين في ريو دي جانيرو، ثم عادت إلى اسطنبول؛ حيث عملت في الصحافة الييومية، وواصلت عملها كروائية. بعد محاولة الانقلاب في 15 تموز(يوليو) العام 2016، تمّ سجنها من آب (أغسطس) إلى كانون الأول (ديسمبر) العام 2016، بسبب مشاركتها في صحيفة Özgür Gündemالتي تدعم المطالبات الكردية. وقد طلبت المحكمة بسجنها مدى الحياة بسبب الاتهامات التالية: "الدعاية لمنظمة إرهابية"، "الانتماء إلى منظمة إرهابية"، "التحريض على الفوضى".

اقرأ أيضاً:أردوغان يُسخّر المساجد الألمانيّة للترويج لحربه في عفرين

ومنذ خروجها من السجن تلقت الكاتبة العديد من الجوائز، في ألمانيا، وهولندا، والسويد والنمسا وتركيا نفسها (جائزة جمعية الناشرين التركية ("جائزة حرية الفكر والتعبير"سُلّمت إليها في 23 أيار (مايو) العام 2017). لكنْ لا شك أنّ جائزة سيمون دي بوفوار التي حصلت عليها في باريس، في كانون الثاني (يناير) العام 2017 هي التي تكرس بشكل واضح وضعها كأيقونة المقاومة ضد الحكم الاستبدادي الذي يطبق قانونه الحديدي في تركيا".

امرأة متمرّدة

الفيزيائية السابقة، التي أصبحت كاتبة في غضون ذلك، هي في المقام الأول امرأة متمرّدة. في سجلاتها الجريئة بعنوان "الآخرون"، تُحطم العديد من التابوهات (الموضوعات المحظورة)، مثل اغتصاب الكرديات القاصرات الذي ارتكبه أفراد القوات شبه العسكرية التركية، والتعذيب في سجون الدولة. هذه الأعمدة الصحافية سرعان ما وصلت إلى جمهور واسع للغاية، ولم تترك السلطات السياسية غير مبالية. ولذلك تعرضت أنشطتها الصحفية للخطر، مما أفقدها وظيفتها، وذلك بعد صدور أمرٍ بالفصل تلقته هيئة التحرير، بسبب كشفها في سلسلة مقالات عن الإضرابات عن الطعام المتعددة للسجناء السياسيين في تركيا، والتي أسفرت عن وفاة 120 شخصاً. وهي مأساة حدثت منذ أربعة عشر عاماً قررت الكاتبة أسلي أدوغان أن تخصص لها أحد كتبها القادمة.

كتاب:  "مبنَى من حجر"

كما تُرجِم التزامُها الصحافي لفائدة حقوق الإنسان، إلى عملٍ أدبيّ فريد من نوعه، في نثرٍ شعري، "مبنَى من حجر"، الصادر عن دار Actes Sud) 2013). وهو تحية مثيرة ووداع أخير لرفيقها الأفريقي الذي فُقِد ومات في سجن تركي، ربما تحت التعذيب. في هذه القصة الحميمة، تتقمص الكاتبة معاناة كائن معزول داخل زنزانة صغيرة، وبلا حراكٍ، في "حاضر غير محدود".

اقرأ أيضاً:تركيا الأسيرة في عهد أردوغان: تقييد الحريات والمتاجرة بالشعارات الدينية

أسلي أردوغان التي تتعرض لخطر الاضطهاد من قبل قوات الشرطة بسبب التزامها بقضية الأكراد، تتمتع حالياً بمنحة دراسية تقديراً لشجاعتها، من قبل ICORN. وهي شبكة دولية لمدن الملاذ، تحمي الكُتّاب المضطهدين بسبب أنشطتهم.

صدى لعالم مرعب

في قلب ظواهر الحلم، على الحدود الفاصلة بين المرئي وغير المرئي، ما بين الذاكرة والحلم والصراخ، تتذكر امرأةٌ مبنى من حجر. في هذا السجن، وجد نشطاء سياسيون، ومثقفون مقاومون للرقابة المفروضة عليهم، وأطفال شوارع - أنفسَهم محاصرين. ومع ذلك فمن هذا العالم المرعب الحقيقي، عادت الراوية، وصوتُها يردّد، في رقة غريبة، صدى ملاك، رجلٍ فارق الحياة في هذا السجن، بعد أن ترك لها عينيه.

مبنى من حجر، هذا الكتاب نص نادر حول واحد من الأشياء غير المعلَنة في حياة تركيا.


المصدر: elishean وLiberation

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

الخميني.. ثوري أم سارق للثورة؟

2020-02-20

ترجمة: علي نوار


مرّت قبل أيام الذكرى الـ41 لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ويسهم التعرّف عليها في فهم أفضل للخلاف القائم في الوقت الحالي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حركيات الثورة والثورة المضادة وآثار هذا الحدث في خلق تيار ثوري عالمي.

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة

كان الانقلاب الذي وقع عام 1953 بتدبير من الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" والاستخبارات البريطانية "إم آي6" والذي أطاح بحكومة محمد مصدق ذات التوجّه القومي في محاولة لمنع إتمام عملية تأميم النفط الإيراني، نقطة تحوّل بالنسبة لنظام الشاه رضا بهلوي. كان للقمع الذي مورس حينذاك دوراً كبيراً في تقوية ساعد "الجبهة الوطنية" وحزب "توده" المرتبط بصلات بالاتحاد السوفييتي السابق، وانخراطهما في المعارضة السياسية، كانت حصيلة القمع آلاف القتلى والمنفيين.

وفي العام 1957، أنشأ رضا بهلوي بمساعدة من الاستخبارات الإسرائيلية "موساد" والأمريكية "سي آي إيه" جهاز الاستخبارات والأمن الوطني الذي عُرف باسم "سافاك" واشتهر بكونه أحد أكثر أجهزة الاستخبارات دموية على مستوى العالم. كان الغرض من تكوين هذا الجهاز هو السيطرة على المعارضة الداخلية بإجراءات صارمة. كما عزّزت الملكية المطلقة للشاه وضعها بدعم الحرس الملكي والشرطة السرية.

الثورة البيضاء
كان الشاه يتطلّع إلى تحويل إيران لدولة حديثة على غرار الثقافة الغربية، ويرعى في الوقت ذاته المصالح الغربية في الشرق الأوسط أمام "التهديد السوفييتي" أثناء الحرب الباردة. وفي عام 1963 أطلق مشروعه الذي حمل اسم "الثورة البيضاء" بدعم من الرئيس الأمريكي جون كينيدي وبتمويل من عائدات النفط الهائلة والاستثمارات الأجنبية المتدفّقة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
وتضمّن المشروع سلسلة من الإصلاحات التحديثية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كان لها تداعيات هيكلية كبيرة على البلاد من أجل التقدّم على حساب القطاعات التقليدية والدينية. كما حدث تنويع في مجال الصناعة مثل؛ الطاقة الذرية والحديد والبتروكيماويات والمعدّات والآلات والمطاط. كما تم السماح بتأسيس النقابات وحرية الصحافة وتحديث النظام التعليمي من أجل إعداد الكوادر المطلوبة. رأى الشاه في ذلك الوقت أنّ "الثورة يجب أن تأتي من أعلى؛ لأنّه خلافاً لذلك فستأتي من الأسفل". كان الهدف هو خلق طبقة تحمي مصالح الشاه وجمع قاعدة شعبية بين العمّال والمزارعين، مع العمل في الوقت ذاته على تعميق العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة خصوصاً عن طريق شراء الأسلحة والمعدّات العسكرية من هؤلاء الذين يمنحونه حصانة دبلوماسية.

بدأت الثورة الإيرانية بصورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي

لكن خطة الشاه جلبت له أعداء جدداً من الطبقة الليبرالية القومية والشيوعيين والعرقيات التي تعاني القمع وعلى رأسهم رجال الدين الذين اعتبروا أنّ الشاه مسّ "الشريعة الإسلامية فيما يخصّ الملكية" بما أقدم عليه في "الإصلاح الزراعي" وانتزع أراضيهم كي يمنحها للمزارعين، علاوة على معارضتهم لمنح المرأة الإيرانية حقّ الإدلاء بصوتها في الاستحقاقات الانتخابية، كما أنّ دخول الاستثمارات الأجنبية ألحق أضراراً بكبار التجار المحلّيين الذين لم يكونوا راضين عما تؤول إليه الأمور.

وفي مدينة قم تظهر شخصية محورية في تاريخ إيران، إنّه آية الله الخميني. كان الرجل دائم التنديد بالإملاءات الأمريكية متهماً الشاه بالانقياد وراء القوى الأجنبية، وكان يطالب بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بداعي أنّ لا مساس بحق تقرير مصير البلاد. ومن تلك المدينة تعاونت "الجبهة الوطنية" مع المساجد لتظهر حركة ثورية امتدّت شرارتها إلى مدن أخرى من بينها طهران وتبريز وأصفهان. وبعد خمسة أشهر من القتال، كان القمع قد أودى بحياة 20 ألف شخص، على الأقل، ولجأ الشاه لزيادة صلاحيات الـ"سافاك". كان الخميني وقتها شخصية غير معروفة لكن نتيجة كل ذلك كان نفيه عام 1964 إلى العراق ليصبح شهيداً حياً.

التجار والمساجد

مثّلت الثورة البيضاء فصلاً مأساويا بالنسبة للمزارعين الذين انتزعت منهم أراضيهم والتي كانت تربطهم بهويتهم الثقافية القديمة. تسبّبت الهجرة في ازدياد أعداد الفقراء بالمدن نتيجة لعدم قدرة الصناعة الإيرانية على استيعاب كل هذه الأيدي العاملة.

نجح الخميني في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد

في ذلك الوقت كانت المتاجر ذات أنشطة متباينة حيث يعمل الحرفيون والمرابون والخبازون وصنّاع القهوة وكانت تضم مساجد صغيرة بداخلها. تمكّنت هذه المتاجر من استيعاب قطاع من هؤلاء العمّال غير المؤهّلين، لينشأ مجتمع يستطيع فيه الناس أداء الصلاة والعمل والحظي بحياة اجتماعية، وكل ذلك تحت رقابة الشاه الذي حاول تفكيك هذه التجمّعات في أكثر من مرة عن طريق المزج بين مصالح الملالي وأصحاب المتاجر.

ودفع ذلك الملالي "رجال الدين الشيعة" للبدء في مرحلة مقاومة النظام عبر الترويج للخطاب الشعبوي الذي كان يرسله الخميني عن طريق تسجيلات مهرّبة تصل إلى ثمانية آلاف مسجد في البلاد. ووجد فقراء المدن، الذين تشكّلت أغلبيتهم من الشباب المحبط، في المتاجر وسطاً يمكنهم فيه طرح مطالبهم.

بداية الثورة

قرّرت منظمة الدول المنتجة للبترول "أوبك" عام 1973 رفع سعر برميل الوقود بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حروبها الإقليمية لتنشأ أزمة طاقة عالمية. كان ذلك يعني زيادة كبيرة في خزائن الشاه شجّعته على المضيّ قدماً في إصلاحاته، لكن الأمر انتهى به بالتبذير في الحفلات والإنفاق العسكري على السفن الحربية والدبابات والمقاتلات الحديثة. أثار ذلك الاستياء الشعبي خاصة وأنّ هذا المال الذي وعد الشاه باستثماره في تحقيق "الرفاه للجميع" ذهب إلى جيوب الدائرة المحيطة به.

وفي الأعوام التالية ونتيجة لأزمة اقتصادية عالمية ناجمة عن ارفاع معدّلات التضخم، ألقى الشاه باللائمة على كبار التجار في ارتفاع معدّل التضخم وشرع في حملة اتهامات وتشويه ضدّهم.

على التوازي وفي عام 1978 رفضت كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة رفع أسعار النفط مرة أخرى مثلما كان الشاه يقترح بغرض تعويض التضخّم، الأمر الذي كانت نتيجته أزمة اقتصادية حادة انعكست آثارها على أسعار وسائل النقل وقلّة مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، علاوة على فشل وفساد الحكومة وعجز الموازنة، ترك كل ذلك بالطبع آثاره الحادة على كبار التجار والطبقة الوسطى والعمال والعاطلين.

اقرأ أيضاً: حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟

تسبّب هذا الموقف في وضع الشاه في مواجهة الطبقة الوسطى التي كانت تنظّم نفسها في المساجد، وكذلك اتحادات الكتاب الذين كانوا يتعرّضون للقمع بسبب اجتماعاتهم العامة التي كانت تتطرّق إلى الهوية الثقافية لإيران. وفي كانون الثاني (يناير) 1978 لجأ الشاه مرة أخرى لتشويه الخميني واتهمه بمحاولة إعادة إيران للعصور الوسطى. خرج آلاف الإيرانيين مطالبين الشاه بالتراجع عن هذه التصريحات، لكنّهم تعرّضوا لموجة من القمع راح ضحيتها مئات القتلى. وخلال أيام الحداد الـ40 دُعي لتظاهرات جديدة في 12 مدينة، كانت النتيجة مصرع مئات الأشخاص أثناء الاشتباكات مع أجهزة الأمن. ومن هنا بدأت الثورة الإيرانية في صورة تظاهرات كل 40 يوماً يشارك فيها بشكل حاشد الطلاب والعاطلون وفقراء المدن وكذلك كبار التجار والملالي.

اقرأ أيضاً: غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

وفي آب (أغسطس) من ذلك العام عُرض فيلم عن احتجاجات مدينة آبادان، وحاصر الـ"سافاك" المشاهدين وأحرق دار السينما. الأمر الذي نتج عنه ردّة فعل عنيفة بتظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف المواطنين في عدة مدن ارتجّت بهتافات مثل "الموت للشاه" و"الولايات المتحدة ارحلي". وفي ذلك اليوم الدامي الذي كان الثامن من أيلول (سبتمبر) 1978 قُتل ثلاثة آلاف شخص على الأقل.

اقرأ أيضاً: كيف احتكر الخميني "الولاية" لحساب السياسة واعتزل الفقه؟

بيد أنّ ذلك لم يؤدّ لتوقف الاحتجاجات في كبرى المدن الصناعية. خاصة في المؤسّسات النفطية بالعاصمة طهران ومجمع الصناعات البتروكيماوية في بندر شابور ثم اندلعت في مدن أصفهان وشيراز وتبريز وآبادان. كانت شرارة هذه التظاهرات تمتد بوتيرة سريعة إلى باقي المصانع الحكومية ووسائل النقل والاتصالات. وفي غضون أيام معدودة، تراجع إنتاج النفط بنسبة 30% وكان لهذا الأمر تداعيات على السوق العالمية. وبسرعة خاطفة اكتسبت المطالب فيما يخصّ الأجور وتحسين ظروف الحياة طابعاً سياسياً لتصل إلى درجة إسقاط الشاه.

الميزان يختلّ

مع قرار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بطرد الخميني من العراق، لتجنّب حدوث انتفاضة شيعية في بلاده، اضطّر الخميني للسفر إلى فرنسا ومن هناك فتح خطاً مباشراً للتواصل مع المتظاهرين الذين أصبحت مطالبهم أكثر جذرية. لم يكن لدى الخميني خيار خلاف قيادة هذه العملية لاحتواء الحراك. وبالفعل نجح في الوصول للجماهير عن طريق خطاب شعبي يرتكز على أفكار مناهضة للإمبريالية وإعادة إحياء الهوية الثقافية للبلاد في مواجهة نظام الشاه، وتمكّن من استمالة كافة الطبقات الاجتماعية، في الوقت ذاته عمل على إخفاء نواياه الحقيقية التي تتمحور حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات.

اقرأ أيضاً: فرح بهلوي: الخمينية جاءت مع أشرطة الكاسيت وستختفي مع الإنترنت

وطوال شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر)، أصيبت البلاد بالشلل التام نتيجة لإضراب عام أوقف بموجبه العمل في كافة معامل التكرير والمصانع والمتاجر والجامعات ووسائل النقل والاتصالات ومصانع الحديد ومناجم النحاس والسكك الحديدية والموانئ.

حاول الشاه تهدئة الشارع وبالفعل شكّل "حكومة مصالحة وطنية" يرأسها شابور بختيار عضو "الجبهة الوطنية" الذي عمل على سلسلة من الإصلاحات؛ حيث منح السجناء السياسيين حريتهم، وأوقف تزويد إسرائيل بالنفط، وخفّض الإنفاق على الجوانب العسكرية، وحل جهاز "السافاك". وبعث الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بالجنرال هويز لضمان وقوف القوات المسلّحة إلى جوار حكومة بختيار، وفي الوقت ذاته بدأت واشنطن مفاوضات مع المعارضة الليبرالية والإسلامية. لم يكن بوسع الولايات المتحدة السماح للاتحاد السوفييتي بإحراز تقدّم في الشرق الأوسط بعد تأسيس جمهورية ديمقراطية في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

وأخيراً أطاحت موجة الاحتجاجات بالشاه الذي هرب في عطلة دائمة منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 1979. وفي الأول من شباط (فبراير) استقبل خمسة ملايين شخص الخيميني. الذي شكّل سريعاً حكومة مؤقتة برئاسة بازارجان الذي كان عضواً في الجناح الإسلامي من "الجبهة الوطنية". وحاول أحد فصائل الحرس الملكي المقاومة لكنّه قُضي عليه من قبل فصيل آخر يؤيد الحكومة المؤقتة بالتعاون مع ميليشيات شبه عسكرية. لاحقاً أنشئ المجلس الثوري وحصل أنصار الخميني على حماية الحرس الثوري الذي أسّسه الخميني.

الثورة السليبة

كان سقوط نظام الشاه إيذاناً باندلاع اقتتال سياسي حول طبيعة النظام الجديد الذي يجب تأسيسه. لم يكن الخميني يقود الثورة بالكامل في ذلك الوقت. لذا توزّع التأثير بين النخبة الليبرالية واليسار. وظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار (مارس) حين سعى لفرض غطاء الرأس. ملأت مئات الآلاف من النساء شوارع طهران رفضاً لهذا الإجراء. ثم وفي مطلع أيار (مايو) 1979 احتشد 300 ألف شخص تقريباً في العاصمة. بينما امتنع الطلاب عن العودة لقاعات الدراسة.

اقرأ أيضاً: تكتيك الخميني في حرب أردوغان الخفية ضد الولايات المتحدة

في الوقت ذاته اتضحت معالم حراك الطبقة العاملة بفضل قدرتهم الاجتماعية والتي سمحت لها بإمكانية تنظيم نفسها في ما يعرف باسم مجالس الشورى، على غرار النموذج الروسي السوفييتي. وبالفعل نجحت هذه الطبقة في إيجاد آليات تنظيم تمكّنها من خوض انتخابات ديمقراطية بتمثيل حقيقي لا يعتدّ بمسائل النوع. وكان الهدف هو السيطرة على عملية الإنتاج ومصادرة المصانع من أجل إمداد السوق الداخلية باحتياجاتها وكذلك فقراء المدن. بل إنّ هذه الطبقة شكّلت حتى هيئات للدفاع الذاتي عن نفسها ضد الفصائل المسلحة التي كانت لا تزال تدين بالولاء للشاه ثم لاحقاً مواجهة القمع. وكرّر المزارعون الفكرة نفسها بمصادرة الأراضي، والحال ذاته في المناطق التي تعيش بها الأقليات الكردية والتركمانية والبلوشية، لقد كانت مجالس الشورى في طريقها لاكتساب مزيد من السيطرة على المناطق التي تنشط بها بغرض الحصول على حق تقرير المصير.

عصت مجالس الشورى تعليمات المجلس الثوري بالعودة للعمل وكذلك مطالبات الخميني بتفكيكها. كانت مجالس الشورى تضمّ أبرز الحركات اليسارية التي أصبحت منهكة بشدة بعد أعوام من قمع الـ"سافاك"، مثلهم في ذلك الإسلاميين، كانت وتيرة الأحداث هي التي تحرّك كل شيء.

عمل الخميني على إخفاء نواياه الحقيقية المتمحورة حول إنشاء دولة إسلامية على أساس مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه كل الصلاحيات

لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة لليسار كانت تكمن في أنّ أغلب الحركات تتبنّى استراتيجيات تجمّل من الخطاب الإسلاموي للخميني. في ذلك الوقت كان "توده" الحزب الذي يرتكز على أساس أفكار شيوعية ويرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، يروّج لفكرة "الثورة على مراحل"، بحيث تكون أولاها هي "مناهضة الإمبريالية" و"الديمقراطية" من أجل إنهاء الدكتاتورية بالتعاون مع القوى "التقدّمية" و"الوطنية"، ما كان يشمل النخبة الوطنية ورجال الدين من الملالي. وامتدّت هذه الفكرة لحركة "فدائيو الشعب" التي تمخّض عنها اندثار حزب "توده" المنخرط في النزاع المسلّح خلال الفترة بين 1970 و1976 والتي شهدت خسارته لعدد كبير من أعضائه نتيجة المواجهات مع "سافاك". وتكرّر الأمر نفسه مع حركة "مجاهدي خلق" التي قامت على مبادئ "الجبهة الوطنية" الإسلامية قبل أن تتجّه نحو الماركسية الماوية. أما التيار الوحيد الذي لم يؤيد ولو للحظة واحدة الخميني فكان حزب العمال الاشتراكي الإيراني ذي الخلفية التروتسكية الذي تأسّس في شباط (فبراير) 1979. كان الحزب يتمتّع بثقل كبير في مجالس الشورى بالمناطق النفطية مثل خوزستان وطهران.

اقرأ أيضاً: أي إرث للخميني بعد ثلاثين عاماً على رحيله؟

دخلت مجالس الشورى سريعاً في المواجهة مع الحكومة المؤقتة مطالبة بزيادة الأجور والارتقاء بظروف المعيشة بالتزامن مع تأميم عدد من المصانع. إلّا أنّ الأهداف السياسية لهذه المجالس بدأت في الاصطدام مع طريقة إدارة الخوميني وانزلاقه هو الآخر في فخ القمع بحيث باتت المعركة علنية. وبعد تخلّيه عن الزعامة الدينية كي يصبح زعيماً سياسياً، لجأ الخوميني لمناورة حيث دعا لاستفتاء في نيسان (أبريل) وكان السؤال: ملكية أم جمهورية إسلامية؟ وجاءت النتيجة بـ99% لصالح الخيار الثاني. وكشفت محاولات التيارات المختلفة لمقاطعة هذا الاستفتاء وانتخابات "مجلس خبراء القيادة"- التي شارك فيها 40% من الناخبين، أنّ سعي الخميني لإقامة "دولة إسلامية" لن يكون عملية يسيرة.

أدخل الخميني على مقترح الدستور الجديد نظام ولاية الفقيه، والذي يمنح بموجبه اختصاصات سياسية وقانونية هائلة لمجلس الخبراء، ومهّد الطريق أمام وجود المرشد الأعلى غير المسؤول أمام الشعب بل الله. كانت هناك حالة من الرفض الواسع داخل الحكومة المؤقتة، وكذلك آلاف المواطنين الذين رفضوا مسودة الدستور المكتوب بدماء ضحايا قمع آية الله، فضلاً عن تناسي حقوق الأكراد والآذريين الذين كانوا يتوقون للحصول على مزيد من الحكم الذاتي. جلب هذا الدستور قوانين قمعية تجاه المرأة وتأويل متشدّد من الشريعة الإسلامية. لكنه نصّ في نهاية المطاف على انتخاب رئيس البلاد بالاقتراع الشعبي المباشر، مع منح حقوق اجتماعية مثل؛ مجانية التعليم والصحة والإسكان وحرية التعبير وأشكال أخرى.

ظهرت أولى صور الاحتجاج ضد سياسات الخميني في الثامن من آذار 1979 حين سعى لفرض غطاء الرأس

عمل الخميني على تعزيز موقعه بكل السبل الممكنة فقد دعم الطلاب الغاضبين في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عند اقتحامهم السفارة الأمريكية، بسبب زيارة الشاه لنيويورك، واحتجازهم لـ66 دبلوماسياً أمريكياً كرهائن طيلة 400 يوماً رغم أنّه عارض ذلك في البداية، قبل أن يعود ويؤيّد الطلاب في مواجهة "الشيطان الأعظم".

كما استفاد الخميني من غزو صدام حسين لإيران في 22 أيلول (سبتمبر) 1980 حيث ضمن تهدئة التوتّر الداخلي بينما عكف على إعدام ثمانية آلاف معارض بين عسكريين وعناصر تيارات يسارية ونساء وعمال وطلاب. لم تكن هذه الإجراءات نابعة من دوافع دينية بالتأكيد بل كان الغرض منها ترسيخ جذور النظام عن طريق نشر الرعب باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

اقرأ أيضاً: قبل سقوط الخمينية بقليل!

لقد بدأت الثورة الإيرانية بمطالب ديمقراطية واجتماعية منبعها الطبقات التي عانت الاستغلال، ومنحت الفئة العاملة الفرصة لخلق آليات ذاتية لتقرير المصير، بيد أنّ غياب قيادة ثورية وانسياق بعض المنظمات اليسارية وراء حكومة الخميني بذريعة أنّه سيؤسّس لنظام ديمقراطي، كانت نتيجتها استبدال نظام الشاه القمعي بآخر ذي خلفية دينية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/37DNiO7

للمشاركة:



إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:

زلزال على الحدود الإيرانية التركية يخلّف قتلى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ إنّ ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال بلغت قوته 5.7 درجة ضرب غرب إيران، في وقت مبكر من اليوم، وتأثرت به مناطق تركيا.

وتركّز الزلزال في مدينة خوي الإيرانية وتضررت قرى في محافظة فان التركية.

وقال صويلو، في مؤتمر صحفي في أنقرة؛ إنّ "ثلاثة أطفال وخمسة بالغين قتلوا في منطقة باسكولي في تركيا"، وأضاف: "خمسة مصابين نقلوا إلى المستشفى بينما بقي آخرون محاصرين تحت أنقاض مبانٍ منهارة"، وفق وكالة "الأناضول".

صويلو: ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال ضرب مدينة خوي الإيرانية وتضررت محافظة فان التركية

ووفق مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي؛ فقد كان عمق الزلزال 5 كيلومترات.

يذكر أنّ المنطقة لديها تاريخ مع الزلازل القوية؛ ففي الشهر الماضي ضرب زلازل بقوة 6.8 درجة ريختر مركزه بلدة سيفرجه بولاية ألازيغ، ما أدّى إلى انهيار بعض المباني وهروع السكان إلى الشوارع، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً.

ويعدّ الزلازل الذي ضرب محافظة إزميت القريبة من إسطنبول، عام 1999، والذي بلغت قوته 7.6 درجة ريختر، أكثر الزلازل تدميراً؛ إذ أسفر عن مقتل 17 ألف شخص.

وفي إيران، قال مسؤول للتلفزيون الرسمي: "أُرسلت فرق الإنقاذ إلى المنطقة التي وقع فيها الزلزال، ولم تردنا، إلى الآن، أيّة أنباء عن أضرار أو خسائر في الأرواح في المنطقة، غير المأهولة بالسكان، والتي تقع في إقليم أذربيجان الغرب".

 

للمشاركة:

الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:



لماذا كان موقف بنت الشاطئ حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن؟

2020-02-23

لم ينقطع شغف المسلمين بفهم القرآن الكريم وشرحه وتفسيره، ومعه تحولت قبائل العرب الأمية إلى أمة ذات حضارة تدور في فلك هذا النص المعجز، وصح أن يقال عنها إنّها حضارة النص، فابتكرت العلم تلو العلم الذي يقربها من الفهم الصحيح للإسلام عبر التفسير الدقيق قدر الإمكان لآيات القرآن الكريم، وقد تعددت مناهج المسلمين في تفسيره؛ بداية من التفسير بالمأثور مروراً بالتفسير اللغوي والبلاغي والتفسير الكلامي، وغيرها من المناهج التي حفل بها هذا الحقل الثري.

معظم قواعد التفسير التي أجمع عليها علماء المسلمين يتغاضى عنها "العصريون" بحجة ألا كهنوت في الإسلام

كما تنوعت المناهج الحديثة التي أضافها المعاصرون، فكان أبرزها منهج التفسير العلمي للقرآن الكريم الذي بدأ يحبو مع الشيخ محمد عبده، وتطور تطوراً كيفياً على يد الشيخ طنطاوي جوهري صاحب كتاب "الجواهر في تفسير القرآن)، ومنهج التفسير البياني للقرآن الذي ابتكره وعمل به الشيخ أمين الخولي والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، وغيرهما من المناهج التي استفادت من المنجزات العلمية في العلوم الإنسانية كاللغة والهرمينوطيقا والعلوم الطبيعية مثل؛ الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.

وكثيراً ما يدخل مجال التفسير غرباء يتحدثون عنه بغير علم بحجة محاولة تقديم تفسير عصري للقرآن الكريم، مما يدفع أئمة العلم للتصدي لهم، والجدل الذي دار بين بنت الشاطئ والدكتور مصطفى محمود من المعارك المسكوت عنها، ويعد نقد أستاذة التفسير والدراسات العليا بجامعة القرويين بالمغرب الدكتورة عائشة عبد الرحمن لذلك المنهج المستحدث الأعمق والأكثر جذرية، والأصلح للرد على ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن الكريم الذي تطور ليصبح فيما بعد الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

باسم العصرية يغرون المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن كما فهمه الصحابة وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة

لم تحيَ بنت الشاطئ حتى ترى التفسير العلمي للقرآن الكريم وقد صار يضم علماء من مختلف التخصصات العلمية، تحولت معهم كل آية قرآنية إلى مشروع نظرية فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، وتحول العالم إلى شيخ يدعو الناس للهداية تاركاً العلم للغرب وقابضاً على الدين يدعو له المسلمين.
كان موقف الدكتورة عبدالرحمن حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن الكريم، خلال مقالات نشرتها في شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من العام 1970 بجريدة الأهرام، ثم جمعتها في كتاب "القرآن والتفسير العصري، هذا بلاغ للناس" رداً على مقالات نشرها الدكتور مصطفى محمود بعنوان "تفسير عصري للقرآن" بمجلة صباح الخير، وقد استهدف كتابها الرد على المنطلقات الفكرية التي يقوم عليها ذلك المنهج، ثم الرد على أفكار الراحل الدكتور مصطفى محمود.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وإشكالية التأويل بالإكراه
رأت بنت الشاطئ أنّ الفرضية المركزية التي يعتمد عليها أصحاب هذا المنهج أنّ القرآن الكريم يجب أن يضم بين دفتيه "علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك والفارماكوبيا وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة... وإلا فإنه ليس صالحاً لزماننا ولا جديراً بأن تسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصري"، فباسم العصرية نغري المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن الكريم، كما فهمه الصحابة، رضي الله عنهم، وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة، تلوك كلمات ضبابية عن الذرة والإلكترون وتكنولوجيا السدود، ومع كل ذلك تتعذر الرؤية الثاقبة، ويفوتها أن تفصل بين منطق تفكير علمي سليم وجرأة ادعاء وطبول إعلان.

كأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى أصحاب العلم الحديث "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا"

وفقاً لبنت الشاطئ تبدأ قصة التفسير العلمي للقرآن الكريم مع الحضور الطاغي للاستعمار في المشهد الاجتماعي والثقافي المصري؛ حيث تبنت النخب المصرية عدة مواقف من الاستعمار، من أبرزها الموقف الأول الذي رأى اللحاق بالغرب عبر تقليد ومحاكاة قيمه انبهاراً بثقافته التي ظن أنّها سر تقدمه وهيمنته، والموقف الثاني حاول أن يعالج عقدة النقص التي ألمت بالمسلمين عبر تفسير القرآن الكريم تفسيراً علمياً ليضم في هذا التفسير القوانين العلمية التي توصل إليها الغرب، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره "الجواهر في تفسير القرآن"، وكان هذا الاتجاه كالمخدر والمهدئ لأعصاب المسلمين.

الدكتور مصطفى محمود
سرعان ما انتهى مفعول مخدر تفسير الشيخ طنطاوي جوهري بفضل العلماء وقادة الفكر الذين انتقدوا سلبيات ذلك التفسير على عقول ونفوس المسلمين، ثم عاود ذلك التيار دعوته مجدداً بعد عقود من الكمون، عاود الكرة ثانية بمخدر أقوى وأكثر فاعلية؛ فأمام تحديات متعاظمة خطيرة تشهدها الأمة، والمنافسة الاقتصادية العالمية يظهر مثقفون وعلماء طبيعيات يتحدثون عن عدد "النظريات" التي يحفل بها القرآن الكريم؛ لينحرف المسلم عن العمل والعلم والكد إلى متابعة هؤلاء العلماء والنظر إليهم بانبهار، وهم يتحدثون عن نظريات اكتشفها الغرب موجودة مسبقاً بين دفتي المصحف، وليتركوا المفاهيم الكلية المرشدة لحياة المسلمين، ويبحثوا عن مدى تطابق آيات القرآن الكريم مع قوانين ونظريات العلم الحديث.

رسالة دعاة هذا التفسير واضحة تقول ها هي بضاعتنا ردت إلينا وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس

فرّقت بنت الشاطئ بين الفهم والتفسير، ففهم القرآن الكريم حق لجميع المسلمين يختلف بتنوع ثقافتهم ووعيهم، أما تفسير القرآن فله ضوابطه وقواعده مثل؛ استحالة التصدي لتلاوته أو تفسيره دون التلقي من شيوخ القراءة، واستحالة تفسير صيغة أو عبارة مبتورة عن سياقها الخاص في الآية والسورة، بالإضافة إلى أنّ الكلمة لا تعطى دلالتها القرآنية بمجرد الرجوع إلى دلالتها المعجمية التي تتسع لمعانٍ عدة لا يقبلها النص، وغيرها من القواعد التي أجمع عليها علماء المسلمين، ويتغاضى عنها العصريون بحجة ألا كهنوت في الإسلام.
التصدي للفقه والتفسير يحتاج للدراسة المؤهلة التي تجيز الفقيه المفسر علمياً للجلوس للفتيا والتدريس، ويحتاج فهم القرآن إلى استيعاب علوم العربية وسنن الرسول الكريم وأحكام القرآن وعلومه والسير والمغازي، مع قدر من الحساب والرياضيات، ويعد الإمام مالك بن أنس نموذجاً رائداً سار على درب العلم، ومن خلفه سار العلماء على سنة الرسول الأكرم وتعاليمه.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي في القرآن وأحكام عدة المرأة
في المقابل باسم العلم والعصرية يخرج أتباع التفسير العصري يدعون المعرفة بأحدث النظريات العلمية، وأنّ القرآن يحتوي كافة نظريات العلوم الطبيعية بدون تفقه في علوم القرآن، وأنّ العالم أصبح "تفتح له خزائن الغيب وأسرار الحكمة، فلا يلبث أن يخرج على الناس وفي جرابه طرائف وغرائب من كل علوم العصر، ومعها مكتشفات من مجاهل الميتافزيقا".

التفسير العلمي انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب

وكأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى علماء الفيزياء والكيمياء "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا، ومن يخوضون في الغيب فيفسرون لنا آيات القرآن في الساعة والقيامة بما لم يأت فيه نص، ولا كشف عنه غيبة علم!".
شغل التفسير العلمي للقرآن الرأي العام لأعوام خاصة مع سماح الإعلام الرسمي له بالانتشار على قنواتها قبل أن ينتشر هذا الخطاب في الفضائيات، بدت الرسالة واضحة تقول ها هي بضاعتنا رُدّت إلينا، وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس، فالعالم المتحضر يكتشف القوانين الطبيعية ويخترع الابتكارات العصرية وينتج ويصدر لنا سلعاً متطورة، فيما نحن سنفتح دفتي المصحف نلتقط آية من هنا وأية من هناك؛ تؤكد ما وصل إليه علماء الغرب وتبرر لنا استهلاكنا المفرط لمنتجاتهم فيما نحن نغطّ في سبات عميق.
التفسير العلمي للقرآن انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون في مقدمته، مع ما يصاحب هذا التردي من أمراض وعقد نفسية ورغبة في الزهو الزائف بما تمتلكه الأمة من تراث، وليس غريباً أن يخرج علينا بعض الدعاة والشيوخ يتحدثون عن موقفهم من الحداثة والحضارة الغربية، فيتحدثون نفس الحديث متغنّين بالتراث التليد ويختمون حديثهم أيضاً بأنها بضاعتنا ردت إلينا!

للمشاركة:

"الإسلام التركي" ورقة أردوغان لزيادة النفوذ في العالم الإسلامي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تصدير النموذج الديني التركي إلى الخارج في سياق تنويع أساليب تعزيز النفوذ في العالم الإسلامي بعد فشل الرهان على جماعات الإسلام السياسي، وتحول التدخل العسكري المباشر في سوريا وليبيا إلى تهديد لأمن تركيا.

وتسعى تركيا لزرع الأفكار الدينية لحزب العدالة والتنمية الإسلامي خارج أراضيها عبر استقطاب الطلبة الأجانب بتسهيلات وتكاليف تكاد تكون رمزية، وذلك ضمن خططها لتوسيع النفوذ من بوابة التعليم الديني.

وأعلن وقف الديانة التركي، السبت، بدء تسجيل الطلاب الأجانب في برنامجي “المنح الدولية لطلاب كلية الشريعة” (ليسانس) و”المنح الدولية لطلاب الأئمة والخطباء” (الثانوية) للعام الدراسي 2020 – 2021.

وترى أنقرة أنّ مدارس الأئمة والخطباء باتت “ماركة” خاصة بالبلاد، وقيمة هامة بالنسبة إلى تركيا، حيث باتت تصدّر مناهج هذه المدارس إلى العديد من بلدان العالم. لكنّ متابعين للشأن التركي يرون أن هذه المدارس هدفها التركيز على الشباب المتعلّم من دول عربية وأفريقية ومحاولة استقطابهم لخلق مجموعات موالية لتركيا وثقافتها في منطقة ما تزال تحمل كراهية للأتراك بسبب مخلفات الغزو العثماني.

وأشار هؤلاء المتابعون إلى أن “الإسلام التركي” ليس رؤية دينية، ولكن يوظف البعد الديني لأسباب سياسية، بهدف خلق أرضية للتمدد التركي في العالم الإسلامي على طريقة إيران في ما بات يعرف بتصدير الثورة التي جاء بها الخميني في 1979.

كما مثل “الإسلام التركي” ورقة نفوذ لأنقرة في أوروبا، وخاصة في ألمانيا من خلال “الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية” (ديتيب) الذي قاد حملة قوية للتصويت في استفتاء تركي لصالح منح أردوغان سلطات كبيرة في 2017.

وأكد وقف الديانة، في بيان أوردته وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، أنّ البرنامجين يأتيان في إطار التعاون بين وزارة التربية ورئاسة الشؤون الدينية وكليات الشريعة في تركيا ووقف الديانة التركي؛ لاستقبال طلاب من خارج تركيا في ثانويات الأئمة والخطباء وكليات الشريعة.

وأوضح البيان أنه يمكن للراغبين تسجيل طلباتهم عبر موقع وقف الديانة التركي في الإنترنت حتى تاريخ الـ15 من مارس.

واهتمت الحكومة التركية، خلال العقد الأخير، بافتتاح المئات من مدارس الأئمة والخطباء الجديدة، وركزت اهتمامها ودعمها المادي والمعنوي عليها بشكل ملحوظ.

وتقلّد المئات من خريجي مدارس الأئمة والخطباء، مناصب رفيعة في الدولة، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى العشرات من النواب في البرلمان.

وقد مرّ على تأسيس مدارس الأئمة والخطباء، التابعة لوزارة التربية والتعليم التركية، نحو 68 سنة، وتعتبر مدارس دينية لكلا الجنسين.

وتحرص تلك المدارس على خلط الطلاب الأجانب والأتراك وعدم فصلهم، بهدف فرض مزيد من التأثير الديني عليهم.

وتتحرك المؤسسات التركية التي تعنى بالدين والتراث (وقف الديانة، ومؤسسة تيكا مترامية النفوذ) في كل اتجاه لإعادة ترميم المساجد والآثار العثمانية لإضفاء شرعية على التدخل التركي الراهن في دول نفوذها التاريخي، وهو تدخّل ناعم لا يصطدم بمشاعر الناس، وعلى العكس فهو يتقرب منهم ويبدو في نظر الكثيرين “تدخلا خيرا”.

لكنّ التوسّع في التعليم الديني تسبّب في قلق بعض الأتراك، وتوجد بين الآباء والمدرسين والمسؤولين التعليميين انقسامات عميقة حول دور الإسلام في التعليم، حيث أنّ معايير رئيسية تبين أن المدارس الإسلامية أقل أداء من المدارس العادية رغم كل ما تحصل عليه من تمويل إضافي.

وتوفر تلك المدارس تعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والسيرة النبوية والفقه والحديث والتفسير، بالإضافة إلى اللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب اللغة التركية.

ويمثل إحياء مدارس الإمام الخطيب جزءا من حملة أردوغان لجعل الدين محور الحياة في البلاد بعد هيمنة العلمانيين على مدى عشرات السنين.

وقال أردوغان من قبل إن من أهدافه تشكيل “جيل متدين.. يعمل من أجل بناء حضارة جديدة”.

وأدرجت تركيا محاور الدين والتعليم ضمن خُططها الأهم والأخطر لتتريك المناطق السورية التي تُسيطر عليها من خلال فصائل سورية مسلحة موالية لها تماماً، وذلك بالتوازي مع عمليات تغيير ديمغرافي واسعة تتعرّض لها تلك المناطق المُحتلّة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

إيران لا تكذب... لكنها تعيش في عالم غير العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

حازم صاغية

بدا المشهد خليطاً من فيلم سينمائي لألمو دوفار وفيلم آخر لكوينتين تارانتينو. إنّه مشهد سيّارة شيفروليه سوداء، أميركيّة جدّاً، جميلة ومهيبة معاً، تشقّ طريقها بين حشود ضخمة تهتف: الموت لأميركا. السيّارة كانت تحمل رفات قاسم سليماني الذي قتلته طائرة مُسيّرة، أميركيّة هي الأخرى.
المفارقة الضخمة التي رافقت جنازة سليماني في طهران اجتذبت تعليقات لا حصر لها على وسائل التواصل الاجتماعيّ. السخرية كانت طاغية على التعليقات، لكنّ هذا لم يردع أمين عامّ «حزب الله» حسن نصر الله عن الدعوة إلى... مقاطعة السلع الأميركيّة.
عالم من اللامعقول يتكشّف على نحو باهر أمام أعيننا. اللواء حسين سلامي، القائد الجديد لـ«الحرس الثوريّ» الإيرانيّ، يخبر قناة تلفزيون «الميادين» أنّ الظروف غير ملائمة الآن لمحو إسرائيل. غداً ربّما. هذا الكلام قيل بعد ساعات على ضربات إسرائيليّة جديدة استهدفت ضواحي دمشق وأصابت، على ما يبدو، مواقع إيرانيّة. في هذه الغضون، كان علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ، يزور بيروت، ويعرض على الشعب اللبناني استعداد دولته لتقديم مساعدات اقتصاديّة له. المعروف للقاصي والداني أنّ دولته التي تتعرّض لعقوبات اقتصاديّة بالغة القسوة، بحاجة إلى أي معونة. قد يكون أشدّ قابليّة للتصديق أن يتطوّع لبنان المنهار ماليّاً لمساعدة إيران. على أي حال، فقد سبق لنصر الله أن نصح اللبنانيين بطلب العون المالي من الصين.
كذلك تَباهتْ إيران الرسميّة بمثال ديمقراطي تقدّمه للعالم، قاصدة انتخاباتها التي أجريت يوم الجمعة الماضي، لكنّ «مجلس صيانة الدستور» منع 80 في المائة من المرشّحين «الإصلاحيين» من الترشّح، ثمّ ردّد الإعلام الموالي لإيران أنّ «هزيمة الإصلاحيين مضمونة». استنتاج بالغ الموضوعيّة.
من جهة أخرى، يقول العالم إنّ محافظة إدلب السورية شهدت في الأيّام الأخيرة تهجير مئات آلاف البشر، وربّما بلغوا المليون، في واحدة من أكبر موجات التهجير في التاريخ. الإعلام ذو الهوى الإيراني يتحدّث، على العكس، عن انتصارات تاريخيّة تتحقّق في إدلب. وبالطبع، يذكّرنا الرسميّون الإيرانيّون، بين وقت وآخر، بأنّ الردّ المزلزل على اغتيال سليماني في طريقه. شيء ما، على ما يبدو، قد حصل على تلك الطريق!
الحال أنّ معظم الذين درسوا الأنظمة العقائديّة المغلقة لاحظوا أنّ الكذب، خصوصاً من خلال الدعاية السياسيّة (البروباغندا)، سمة أساسيّة من سمات اشتغال الأنظمة المذكورة. إنّها تكذب كما تتنفّس. لكنّ هؤلاء الدارسين الذين كتبوا، وكانوا يركّزون أساساً على النازيّة والستالينيّة، إنّما كتبوا في خمسينات القرن الماضي وستيناته. يومذاك كانت القطيعة تهيمن على أجزاء العالم المتخاصمة، وهذا ما توّجته الحرب العالميّة الثانية ومن بعدها الحرب الباردة. حينها كانت الأكاذيب قابلة للتصديق بسبب هذه القطيعة بالذات، وما رافقها من محدوديّة التواصل الإعلامي ومن قدرة على ممارسة الرقابة تعطيلاً للراديوات والتلفزيونات وغير ذلك. لقد كان جزء من العالم يعيش وراء «ستار حديديّ»، وفق تعبير تشرشل الشهير.
هكذا كان من الممكن مثلاً لكذبة، كإسقاط الطائرات الإسرائيليّة بالعشرات صبيحة 5 يونيو (حزيران) 1967. أن تعيش لساعات قبل أن يفضحها استماع القلّة بيننا إلى «بي بي سي» وباقي المحطّات الإذاعيّة الغربيّة. التغيّر بدأ مع قمّة هلسنكي في 1975 واتّساع ظاهرة المنشقّين السوفيات. لقد بدأ الخصم يعلم ما الذي يجري في بيت خصمه. لاحقاً كان للعولمة وثورة الاتّصالات أن دفعتا هذه الوجهة بعيداً إلى أمام. اليوم، حتّى تصديق الكذب لساعات، كما حلّ بنا في 1967، صار صعباً: إنّ الحدث يُشاهَد فيما هو يحصل، كما تقول الكليشيه التي صارت شهيرة.
إذن ما الذي تفعله إيران، ولماذا تكذب؟
في هذا الزمن المفتوح إعلاميّاً يُشكّ في أن تكون أقوالها من صنف الدعاية بالمعنى النازي أو الستاليني للكلمة. ذاك أنّ الأكاذيب وبالضبط لأنّها سريعاً ما تنكشف، باتت تؤدّي وظيفة مضادّة لما هو مقصود.
أغلب الظنّ إذن أنّ إيران لا تكذب، لكنّها أيضاً لا تَصدق. إنّها تؤسّس لواقع غير الواقع وتحاول العيش فيه. إنّها تؤسّس لعالم غير العالم. ربّما وُلدت هذه الرغبة مع قيام ثورتها في 1979: فهي باحتجازها العاملين في السفارة الأميركيّة بطهران أحدثت قطعاً مع المعنى المألوف للدبلوماسية. زعامتها المعصومة، الروحيّة والزمنيّة، التي ارتبطت بولاية الفقيه، هي غير سائر الزعامات. انتخاباتها غير سائر الانتخابات.
أمّا العيش في عالم غير العالم فليس ضمانة لصاحبه، وبالطبع ليس حجّة له. حتّى أنصار إيران يصعب، على المدى البعيد، أن يكتفوا بولائهم لها، أو إيمانهم بها، كي يصدّقوا ما لا يُصدّق.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية