أزمة الليرة التركية: كيف انعكست "مغامرات" أردوغان على اقتصاد أنقرة؟

أزمة الليرة التركية: كيف انعكست "مغامرات" أردوغان على اقتصاد أنقرة؟

مشاهدة

23/06/2020

منذ أسابيع قليلة، تسلل خبر صغير في أروقة وسائل الإعلام المشغولة بكورونا وتراجع الاقتصاد العالمي إثرها، وتمثل بضخ العملة التركية في الشمال السوري، بالتزامن مع النزيف والتراجع الحاد الذي تشهده الليرة السورية مقابل العملات الصعبة وخاصة الدولار، وانهيارها شبه التام في الأيام القليلة الماضية.

 

منذ نهاية العام الماضي ظهرت مخاوف بشأن الاقتصاد التركي تتمثل في أزمة خانقة لعملتها

قد يبدو هذا الخبر "عادياً" في خضم الأزمة السورية، إلا أنّه لا يتطرق إلى ما وراءه من التراجع الخطير لليرة التركية، والذي هدّد اقتصاد أنقرة بجدية منذ أيار (مايو) الماضي، ولا يزال شبحه قائماً حتى اللحظة، في ظل دولة لها امتدادها الاقتصادي النظري في أوروبا والشرق الأوسط وفي شمال سوريا وليبيا مؤخراً، فما هي ملامح هذه الأزمة الاقتصادية في تركيا، وما أسبابها المحتملة، وأين تكمن الحلول؟

تمدد نظري وتضخم واقعي

منذ نهاية العام الماضي، ظهرت مخاوف بشأن الاقتصاد التركي، تتمثل في أزمة خانقة لليرة التركية "هي الثانية خلال عامين"، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" في أيار الماضي، و"أكد ثلاثة مسؤولين أتراك كبار أنّ الحكومة التركية طلبت المساعدة من حلفائها الأجانب في إطار مساعٍ عاجلة لتدبير التمويل وخاصة اليابان وبريطانيا والصين، وكذلك دولة قطر"، وفقاً للوكالة.

ونشرت صحف لاحقاً، منها "رأي اليوم" أنّ دولة قطر "قدمت اتفاق تبادل عملة مع تركيا بما قيمته 15 مليار دولار لزيادة السيولة الأجنبية، حيث تسعى تركيا لتفادي انخفاض غير مسبوق في العملة مع تخوف المستثمرين حيال تراجع صافي احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي وارتفاع التزامات دين تركيا الخارجي المرتفعة نسبياً، ما حدا المسؤولين للسعي إلى تدبير التمويل من الخارج".

وتدبير التمويل من الخارج، هو تعريف آخر للاستدانة، وهو ما يؤثر على الاقتصاد التركي إذ يترتب عليه مطلع العام 2021 سداد المليارات من أموال الديون التي تستحق للخارج.

ووفقاً لـ "رويترز" أيضاً، فإنّ جائحة كورونا ألقت بظلالها على البلاد، إذ ضربت قطاعات استثمارية حيوية وأخرى خدمية، وأثّرت بشكلٍ كبير على قطاع السياحة بالذات.

إلا أنّ مصادر عديدة، ترى في الأزمة الاقتصادية التركية المتكررة خلال العامين الماضيين نتيجة سياساتٍ تركية سابقة لانتشار فيروس كورونا، حيث أكّد مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، ممثلاً بمديره الدكتور عبد المنعم السيد، أنّ السياسة الخارجية لتركيا تلعب دوراً في تراجع اقتصادها، و"خاصة الحروب والتدخلات الخارجية وربما صفقات الأسلحة التي باتت تنهك اقتصاد أنقرة، وكذلك سياستها تجاه ليبيا وسوريا".عدم وضوح وتدخلات كبيرة خارجية ربما أرهقت اقتصاد تركيا

وأكد السيد في مقابلته على تلفزيون "صدى البلد" المصري مؤخراً أنّ السياسات الاقتصادية التركية تعاني "من عدم ثبات، وهو ما أدى مثلاً إلى انسحاب 4000 رجل أعمال من تركيا، وذلك بسبب عدم استقرار سياسات تركيا تجاه الخارج السياسية منها والاقتصادية".

الحكومة التركية طلبت المساعدة من حلفائها الأجانب في إطار مساعٍ عاجلة لتدبير التمويل

وبالعودة إلى خبر ضخ العملة التركية في شمال سوريا منذ أسبوعين، والذي وصف في حينه بأنّه خطوة استراتيجية ذكية لإنقاذ شمال سوريا من الفقر، فإنه بات يبدو بحسب المعطيات على الأرض، مجرد استغلالٍ لأزمة السوريين، من أجل حل جزء من أزمة اقتصادية تركية حالية في الاقتصاد.

وقد عانى الاقتصاد التركي مؤخراً من تذبذب في معدلات النمو، وقد تجاوز العجز النقدي فيها حاجز الـ7.9 مليار ليرة تركية وشمل ذلك "إنتاج السيارات، وأعمال المصانع، وأرصدة المعاملات التجارية، وارتفاع عجز الميزانية، بما نسبته مليارات الدولارات"، وفق صحيفة "العرب الاقتصادية"، وهي كلها ظواهر لتراجع الاقتصاد التركي خلال الشهرين الماضيين. لكن، كيف انعكست السياسات الخارجية لتركيا على تراجع اقتصادها؟

الإهمال وحافة الهاوية

تعيش تركيا في عدم استقرار اقتصادي مع الخارج منذ أعوام، وذلك بفضل تدخلاتها الخارجية في دول المحيط، دون أن يطلب أحد هذا التدخل، على الأقل بالحجم ومستوى الخطاب السياسي الذي تمثله تركيا الآن، بعد أن تورطت بخطابات وشعارات تتجاوز إمكاناتها الفعلية، وجعلها تدفع مقابل ذلك ثمناً باهظاً، خصوصاً في سوريا.

تواجه تركيا حلولاً مؤلمة كالاستدانة من صندوق النقد ورفع سعر الفائدة مما قد يقودها لتغيير سياساتها الخارجية

وفيما يدور حول تدخلاتها في ليبيا مؤخراً، "يعتقد بعض المراقبين أنّ خوض تركيا حربين الأولى في سورية والثّانية في ليبيا، علاوةً على وجود 5 ملايين لاجئ سوري، وتصاعد الضّغوط الغربية، ووجود خلافات بعضها معلن، والآخر مبطن مع معظم دول الجوار، وعدم وضوح العلاقات أمريكا وروسيا، وتصاعد الأزمة الداخليّة وحدوث انشِقاقات في حزب العدالة والتنمية الحاكم كلها عوامل انعكست سلباً على الاقتصاد التركي؛ أي إنّ السّبب ليس فيروس كورونا وانهِيار الموسم السياحي فقط"، بحسب تقرير صحيفة "رأي اليوم" مطلع الشهر الجاري.

ديماريس: البحث عن قبضة أردوغان في البنك المركزي التركي

ويضاف إلى ذلك، كون تركيا لا تملك قدرة واضحة على حسم ملفاتها المالية الخارجية، سواء مع دول الشرق الأوسط، أو أوروبا، مما يجعل سياسة أنقرة المتمثلة في ترك أوروبا والتحول نحو العالم العربي في خطر.

ومعلوم أنّ الاستثمار التركي في المسألة السورية بدأ يستنزف قدراتها، ولعل صفقة صواريخ إس 400 مع روسيا مثلاً، هي أحد الأمثلة على ما يمكن لدولة أن تدفعه من مليارات جراء إقحام نفسها في صراعاتٍ هي في غنى عنها.

تدخلات تركيا في سوريا خصوصاً ومن ثم ليبيا زادت تعقيد مشهدها الاقتصادي

كما أنّ "وجود تسييسِ في قرارات البنك المركزي التركي خاصة في ظل وقوعه تحت السيطرة التامة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، دفع إلى هروب المستثمرين وانعدام الثقة في استقلالية المنظومة النقدية في تركيا"، وفقاً لما قاله المدير المسؤول عن التنبؤات العالمية في قسم المعلومات الاقتصادية أجاث ديماريس لشبكة "سي إن بي سي" الاقتصادية نهاية أيار (مايو) الماضي.

وحول المخرج من هذه الورطة قال مدير التصنيفات الأوروبية في وكالة "فيتش" الدولية للتصنيف الائتماني دوغلاس وينسلو إنّ الاقتصاد التركي سيعاني، خصوصاً خلال العامين التاليين، "وربما يشهد تراجعاً أكبر أو انهياراً في حال لم تنتبه تركيا إلى مجالها الجيوسياسي وسياساتها الخارجية أيضاً من أجل استقرار نظامها النقدي".

وأكدت مصادر مختلفة أنّ تركيا ورغم مشاكلها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ربما تلجأ إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة، أو إلى رفع سعر الفائدة، وهما خياران مُرّان، وسيؤثران كثيراً على تركيا، اقتصادياً وسياسياً، وربما يسببان تغيراً في سياساتها تجاه الخارج، بطريقة يجبرها عليها تدهور الاقتصاد المستمر منذ عامين تحديداً، وربما كانت تركيا بغنى عن هذه الحلول المؤلمة، لو أنها اتخذت سياسات أكثر اعتدالاً وعقلانية واستقراراً، تجاه سوريا وليبيا والدول العربية عامة.


الصفحة الرئيسية